Tuesday 02 June, 2020

صحيفة الاستقلال

سرير جدتي

ويروق الجو، وتهدأ النزاعات، وتُفرض هدنة برعاية الأم المتحدة
حجم الخط

هل جربت حساب سعة مكان ما لعدد معين من الأشخاص؟ كأن تسع الغرفة عشرة أشخاص مثلا، أن تسع الصالة عشرين شخصا، أن يسع الحمام بالتأكيد شخصا واحدا فقط. كل هذه الحسابات والنظريات المنطقية، تتنافى مع سرير جدتي، إذ يضرب بعلماء المساحة وحساب المثلثات والهندسة عرض الحائط، ويقول لهم: "متحسبوهاش"، متبعا نظرية جدتي نفسها التي تقول: لقمة هنية تكفي مِية.

في مكان عرضه متران إلا قليلا، وطوله متران وقليل، نرقد جميعا فوق سرير حين اشتروه قبل نصف قرن قالوا للبائع: سرير لشخصين، وحينها صمم النجار السرير حسب العرض والطول المعروفَين، ونُقل السرير إلى البيت، واتسع لاثنين كأنه لا يسع أحدا آخر، ثم اتسع لمولود بينهما، ثم لمولود ثان، ثم الثالثة، ثم الرابعة إن أردت، ثم كانوا ولدين وست بنات، والبحر يحب الزيادة، وجدي كذلك.

ثم يكبر الأولاد ويعودون بعد العِشاء إلى السرير كأنه مرتبط بعودة طفولتهم، أو كأنه آلة للزمن لها القدرة على أن تجعل من "الشحط" طفلا، ومن "العِجلة" شادنا صغيرة.

ويكبر الأولاد ويكبر السرير، ويزيدون وتزيد مساحته، ويتزوج الأولاد وتتزوج البنات، وينجبون ذرية لا تتسع لها بيوت الشارع مجتمعة، ويتحول البيت يوم الأحد أو الخميس أو الجمعة إلى مهرجان كبير.

ويسأل النجار أحد الأحفاد في الصلاة عن أبيه وأمه وإخوته، وجده وجدته وأعمامه وعماته، وكيف حالهم، ويقول له إن "جدك حبيبي" منذ زمنٍ طويل، ويخبره بأنه الذي فصَّل الأثاث له قبل خمسين سنة، ويضحك الفتى ويقول للنجار إن بيديه البركة، ويخبره أننا نحن الأحفاد الكبار، وأحيانا مع آبائنا وعماتنا، نتجمع كلنا بسرير جدتي أمام التلفاز فيسعنا جميعا، ولا يشكو، بل نشعر كأنه يشاركنا "اللمة"، ونسمع ضحكه حتى يكاد يقع من طوله.

مع الأمطار التي في الخارج، ونرى دموعها على النافذة لأننا لم نسمح لها بالدخول، ونشم رائحتها التي تقول لنا إنها دخلت "ولا الحوجة" لإذننا، ونسمع طرقها على الأبواب والنوافذ والسقف، كأنها تقول "افتحوا" من جديد، نكون جميعا في الكهف الدافئ. 

ونهرب كلنا إلى إغلاق الستائر وتأهيل البيت إلى العرض السينمائي ككل ليلة، وتعد أختي "الفشار" الذي سيخرج محروقا كالعادة وتقسم أختي أن العيب في الحلة، والعيب في النار، والعيب في الذرة، وسنلتهمه على كل حال. نقول الملح قليل فتأمر أمي أخي بأن يجلب الملح، ونجلس نصف ساعة في انتخابات حرة نزيهة لاختيار الذي سيتولى المسؤولية ويأتي بالملح من المطبخ الملاصق للغرفة.

وفي النهاية ستذهب أختي لأنها سئمت من كسلنا، وتبتسم جدتي وتناصرنا، مع وصلة سباب لنا وتأنيب وقرص وتلطيش من أمي، تقابَل بضحك مستفز منا يدعوها إلى زيادة جرعة القمع، وتأتي علبة الملح الصغيرة، في يد علبة الملح الكبيرة، ملح جلستنا "المايعة" من دونها، وسكر بيتنا المُر حين تغيب عنه للدروس ساعة.

ويروق الجو، وتهدأ النزاعات، وتُفرض هدنة برعاية الأم المتحدة، وضمانات تقدمها ستي، ويبدأ العرض في شاشة التلفاز، وتقطع جدتي لنا البرتقال وتفصصه لنا جميعا، الكبار والصغار دون استثناء، ولا ينتهي البرتقال أبدا من تحت سرير جدتي، كأنها تملك حديقة لا نراها.

نواصل كلنا التهام البرتقال والفشار، وأحاول وأنا بجوار أختي أن أمارس كرة السلة، فأقذف بحبة الفشار عاليا لتسقط في فمي، لكنها تسقط للأسف الشديد على عين أختي، وتشكو لأمي، فأنال قرصة تؤثر بمسيرتي الرياضية وأقيم مباراة اعتزال، ويروق الجو، وتهدأ النزاعات، وتفرض هدنة جديدة برعاية الأم المتحدة، وضمانات تقدمها ستي.

وقاعة السينما؟ سرير جدتي الذي نجد به مدافئ سرية، وأفرانا تحتنا في مكان ما، ومواقد حولنا لكنها شفافة لا نراها، رغم أن الغرفة ليس فيها آلة واحدة، ورغم أن السرير يربض مكانه منذ نصف قرن. 

وتقطع جدتي العرض الشيق، لتخرج إلى حاجة لها بشكل عاجل، لترد على إحدى الجارات، أو تسلم على أحد أجدادنا من الجيران، فنشعر جميعا فور خروجها بلسعة برد مفاجئة، ونلتصق جميعا بعضنا ببعض، كقطط تحت أحد الكباري، وحينها نعرف السر، بأن الدفء كان في وجود جدتي.

وتعود جدتي بعد وصلة "عزومات" بالدخول، بالأكل، بالشاي الذي على النار، ولكن الجارة تنصرف لأن الأولاد ينتظرونها، وتتنفس جدتي بالغرفة فتشتعل المواقد من تلقاء نفسها، ويتسع السرير من جديد، وأسأل نفسي عن السر فلا أجد الإجابة منطقية.

فكيف يتسع المكان بزيادة عدد الذين يشغلون فراغاته؟ وكيف يتحول السرير إلى قاعة سينما؟ ثم إلى حلقة نقاشية؟ ثم إلى حلبة مصارعة؟ ثم إلى مكتبة عامة للمذاكرة؟ ثم إلى سباق للخيول؟ ثم إلى ساحة لتناطح الثيران؟

ولو يعلم النجار كيف يُستخدَم السرير الذي صنعه كآلة متعددة الأغراض، لزاد على ثمنه عشرين ضعفا.

وعلى السرير المجيد نهرب من الشتاء القارس، وتحت فراشه الخفيف نشعر بالحر الشديد، وعلى جانبَي جدتي نتراص كأننا وُلدنا للتو، لكننا استبدلنا بصرخة الميلاد ضحكات الحياة.

وينتهي العرض، ويحين موعد النوم، فننام ويسعنا كلنا، ولو نام كل منا في غرفته وحده لا زدحمة هيئة الشكاوى والاستعلامات في بيتنا بطلبات الإبعاد، فهذا في غرفته -رغم أنه على سريره- يضايق تلك في غرفتها، لم يأت إلى الغرفة لكنه شعور بالتبادل بالضيق، ضيق الأنفس وضيق المكان، ثم –بقدرة قادر- يسعنا متران فقط؟ قل: سبحان الله.

ونعود من مدارسنا وجامعاتنا وأشغالنا، فنجد القاعة السحرية مجهزة، كأن تيوسا لم يكونوا فوقها بالأمس، وكأن الفشار المتساقط منا لا أثر له، وكأن أقدامنا التي قلبته لم تطأه من الأساس، وكأن العمال أتوا به من الورشة منذ قليل، ووضعوه في حُلته الجديدة بغرفة جدتي، ويقولون لها: يسع شخصين، وتضحك جدتي ولا يفهمون سبب ضحكها.

وتكبر العائلة، ويزيد الأحفاد، ويصبح البيت كل نهاية أسبوع كأنه نهاية السنة، عدا أشجار الكريسماس، ثم في وقت الصلاة تشعر أنه الحج الأكبر عدا عرفات، ثم في الفترة ما بين الإيمان والاحتفالات تجد البيت مدينة ملاه، لم تسجلها "جينيس" بعد، كأصغر مدينة وأزخم مدينة على الإطلاق.

وفوق سرير جدتي، نجد المكان ما زال يسعنا كلنا دون استثناء، وكلما بكى أحد الصغار ليلحق بنا على منصة التتويج تضايقنا وأخبرناه بأن المكان ضيق، لكن الجدة الجالسة بوسطنا ترتب الأمر بشيء من السحر، فتقول ادخل أنت هكذا وتعالَي أنت هكذا، انظروا كيف اتسع المكان؟ ويجلس الصغير وتجلس الصغيرة، وأشعر بينما نحن فوق سرير جدتي، أننا في اللحظة ذاتها، تماما، تحت عرش الرحمن.


تحميل

كلمات مفتاحية :

دفء رأي طفولة عائلة مصر