التايمز: مليشيات إيران تقتل العراقيين في الظلام بأساليب إجرامية

12

طباعة

مشاركة

قالت صحيفة التايمز البريطانية: إن مليشيات مجهولة تابعة لإيران، قتلت العشرات من العراقيين خلال الأيام الماضية، على أحد جسور العاصمة العراقية بغداد.

وأضافت الصحيفة في تقرير لها أن الأمر بدأ حينما تسلل رجال ملثمون في شاحنات صغيرة على أحد التجمعات الكبيرة للمتظاهرين في بغداد بعد حلول الظلام، وأطلقوا النار برشاشات كلاشينكوف بشكل عشوائي، وتسببوا في مقتل ما لا يقل عن 20 عراقيا بالرصاص.

ثم ما لبثت هذه المليشيات المسلحة والملثمة التي يُعتقد أنها مكونة من جماعات موالية لإيران بدعم الحكومة العراقية، أن احتجزت عشرات المحتجين لساعات في موقف للسيارات متعدد الطوابق.

انتهاكات فظيعة

وتعرض الشباب للضرب والطعن والذبح بالسكاكين، وفي بعض الحالات، قُتلوا بدم بارد، عقابا لهم لاستمرارهم في معارضة الحكومة، على حد قول الناجين لصحيفة التايمز.

وأضافت التايمز أن الحصيلة الرسمية للهجوم الذي استهدف المتظاهرين على جسر سينك في وسط بغداد بلغ 11 قتيلا وعشرات المصابين، في حين قال مسؤولون في حوارات بينية غير منشورة: إن العدد تضاعف ليصل إلى 22 قتيلا، وهو الرقم الذي وثقته الأمم المتحدة.

في حين قال المسعفون والأطباء الذين قدموا العلاج للمصابين في موقع الحادث: إنهم يعتقدون أن عدد القتلى أكبر بكثير مما جرى إعلانه، إلى الحد الذي قد يصل لـ80 أو 85 قتيلا، بينما تحدثت تقديرات خرجت من العاملين بالمستشفى إلى وقوع 70 قتيلا، في الوقت الذي قالت فيه الأمم المتحدة: إن العالمين بها تم منعهم من الوصول إلى سجلات المستشفى.

يُذكر أن الاحتجاجات المتواصلة لأكثر من شهرين ضد فساد الحكومة العراقية والمتحالفين معها، أدت إلى إصابة المدن الجنوبية من العراق بالشلل التام، كما أنها كشفت التحالف البغيض بين الحكومة العراقية والائتلاف العام للأحزاب السياسية العراقية وقوات الأمن والمليشيات المسموح لها باستخدام السلاح.

وذكرت تقارير منذ بداية الاحتجاجات في أكتوبر/تشرين الأول الماضي أن أعضاء المليشيا الملثمين أطلقوا النار على المتظاهرين، بالإضافة إلى استخدام الجيش والشرطة النار لقمع المتظاهرين، مما أسفر عن مقتل العشرات في وقت واحد، في عدد من الحوادث المنفصلة بجميع أنحاء البلاد.

وأدى إطلاق النار على المتظاهرين منذ بدء الاحتجاجات حتى الآن، إلى مقتل ما لا يقل عن 450 شخصا.

كما اختطفت قوات الأمن العراقية والمليشيات المتحالفة معها عشرات من الناشطين، أحيانا لعدة أسابيع في كل مرة ولا يزال الكثير منهم لم يظهر حتى الآن. ففي إحدى الحالات قُتل أحد المتظاهرين على يد مسلح على دراجة نارية خارج منزل الضحية في مدينة كربلاء.

يرفض العديد من المتظاهرين والسياسيين على حد سواء تحديد المليشيات المعنية ويشيرون إليهم بشكل غامض على أنهم "الطرف الثالث"، بعد الحكومة والمتظاهرين، إلا أن معظمهم يفترض أنهم يشملون المليشيا الراديكالية "عصائب أهل الحق"، وغيرها من الجماعات الشيعية التي تدعمها إيران.

وأكدت التايم في تقريرها أن المتظاهرين يعارضون الحكومة بسبب فشلها في تقديم الخدمات الأساسية وفسادها الموثق جيدا، ومع ذلك، يميل مجلس الوزراء نحو إيران في المنافسة بالشرق الأوسط على النفوذ بين طهران وواشنطن والرياض.

مع استمرار الاحتجاجات، أرسل الإيرانيون أوامر إلى رئيس الوزراء للوقوف بحزم في وجه الاحتجاجات التي ترى إيران والمتحالفين معها داخل العراق أنها تصب في النهاية ضد مصالح طهران.

إلا أن الحادث الذي وقع على جسر سينك في قلب العاصمة بغداد والذي أسفر عن مقتل العشرات، قد أخذ الأمور إلى منحى جديد قد يصعب معه التكهن بنتائج الاحتجاجات أو مدى تدهور الوضع الأمني في العراق في ظل استخدام المليشيات المتحالفة مع الحكومة العراقية النار لقتل المتظاهرين.

يُذكر أنه عندما اقتحمت الشاحنات الصغيرة والحافلات البيضاء الميدان، تسلل رجال مليشيا آخرون إلى معسكر الاحتجاج في موقف السيارات وبدأوا القتال مع المحتجين العزل.

شهادات حية

قال محمد علي محمد (35 عاما): إن يديه ظلت مُقيدة بشرائط بلاستيكية، وعُصبت عيناه ثم أُجبر على مواجهة الحائط لساعات حتى أُطلق سراحه في حوالي الساعة 5 صباحا، لكن على الرغم من ذلك، تمكن من رؤية ما يجري حوله من خلال فجوة في العصابة.

وأضاف: "كان أحد أصدقائنا يتحدث إلى المليشيا ويهينهم، لذا قطعوا حلقه"، وقبل ذلك بقليل، سمع صراخا من خلفه، وانتهى بصوت إطلاق رصاص من مكان قريب.

وأظهر شاب آخر، هو مصطفى محمد جاسم (22 عاما)، جرحا في طعنه بكتفه، وهو واحد من خمسة طعنات وجروح مائلة قال: إنه تلقاها في الهجوم، بينما قال آخر: إنه تعرض للقتل 11 مرة، ولكنه كان يعاني من ألم شديد لدرجة أنه لم يكشف عن إصاباته.

وذكر آخرون أنهم ظلوا محتجزين لساعات وضُربوا بالأنابيب، وكان أحدهم يحمل أشعة إكس لكتفه المكسور.

وقال شاهد آخر يدعى رادها سايف جاسم (21 عاما): إنه كان على الجسر خارج موقف السيارات في تلك الليلة عندما رأى رجلين يبدو أنهما ميتين، جرى إلقاؤهما على الأرض من الطابق العلوي، ثم ما لبث أن فر هاربا.

طبيب متطوع أكد أنه شاهد جثثا على الأرض خارج موقف السيارات عندما وصل مع انتهاء الهجوم. وبين محمد الموسوي (33 عاما)، الذي قال: إنه رائد في السلك الطبي بالجيش إنه يعتقد أن 80-85 شخصا قد قتلوا في الهجوم.

لا يمكن التحقق من هذه الأرقام، لكن الموسوي قال: إنه تم تسليم ثماني جثث إلى عيادته، ثم في الساعة 5 صباحا، بعد أن غادرت المليشيات المنطقة، مشى إلى موقف سينك للسيارات وأحصى ما لا يقل عن 38 جثة أخرى في قاعدته، ويبدو أنه جرى إلقاؤها، وقال: إنهم أُصيبوا من طلقات نارية وطعنات وجروح مائلة.

وعرض أحد زملاء الموسوي شريط فيديو قال: إنه عثر عليه من على هاتف أحد أعضاء المليشيا الذي احتجزه المتظاهرون لفترة قصيرة، "لقد أظهر مشهدا مروعا تم فيه احتجاز شاب وطعنه مرارا وتكرارا على كل جانب من عنقه، وهو يصرخ بفظاعة".

بينما أظهر مقطع فيديو آخر رجالا جرى ربطهم بحبال بلاستيكية، مطابقين الوصف الذي قدمه محمد علي محمد وثلاثة رجال آخرين، بينما حضر ناشطون آخرون واضعين ضمادات على مناطق متفرقة من أجسادهم لعلاج الإصابات التي أصابتهم في الهجوم الأخير وقدموا قصصا مماثلة.

من هؤلاء ريم الزويدي، طبيبة في عيادة مؤقتة أخرى، قالت: إن من بين الجثث الأربعة عشر التي أُصيبت بها طلقات نارية، ظهر أن أحدها قد أُطلقت عليه النار في الجزء الخلفي من الرأس من مسافة قريبة، "لقد اعتقدت أن أكثر من 80 شخصا قد قتلوا".

وأشار تقرير الأمم المتحدة عن الحادث إلى أن المليشيات تعمل دون تدخل من نقاط التفتيش التابعة للشرطة والجيش القريبة.

وقال شهود عيان: إن القافلة الأولية المؤلفة من نصف دزينة من الشاحنات الصغيرة والحافلات التي كانت تمر عبر ميدان خيلاني إلى جسر سينك، وهي تطلق الأسلحة، مرت بثلاث نقاط تفتيش رسمية دون توقف.

أجندات أجنبية

من جانبها، حاولت الحكومة العراقية توصيف الحادث باعتباره "صداما بين المليشيات المتنافسة". وتطرقت الصحيفة إلى الوجود في ميدان أعضاء الحركة الصدرية، قائلة: "يبدو أن هذا بحد ذاته يوحي بانحدار إلى حرب أهلية قريبة".

والصدريون هم الحركة السياسية التي يقودها رجل الدين القومي مقتدى الصدر، والتي فازت بأكبر عدد من المقاعد في انتخابات العام الماضي ولكنها سحبت الآن الدعم من رئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي.

إلا أنه حين يعتقد أن عددا من الصدريين ربما كانوا من بين القتلى، لا يوجد ما يشير إلى أن أيا منهم كان مسلحا.

ضياء الأسدي، الأمين العام لكتلة الأحرار قال: إنه يعتقد أيضا أن عدد القتلى سيكون أعلى من الرقم الحكومي، مضيفا: أنه "من الواضح أن الطرف الثالث يبذل قصارى جهده للتشبث بالسلطة والحفاظ على امتيازاته".

وتابع: أن "الأحزاب الموالية لإيران اعتقدت أنها تحمي العراق من الهجمات على سيادتها من قبل الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، وكلاهما يعارضان تأثير طهران في البلاد".

وزاد قائلا: "لدى كلا الطرفين - القتلة والمقتولين - مفاهيمهم الخاصة". يعتقد القتلة أن المحتجين يتم تمويلهم من قبل دول أجنبية ولديهم أجندات خارجية، ويعتقد القاتل أن الجانب الآخر مدعوم من إيران، يعتقد كل منهم أنه أكثر قومية من الآخر".

وفي حادث آخر ، جرى إعدام مراهق في ميدان ببغداد على مرأى من المتظاهرين، بعد أن فتح النار عليهم من مبنى قريب.

والتقطت مجموعة ضخمة من الجماهير المحتشدة صورا ومقاطع فيديو لجسم الصبي معلقة على إشارة المرور في ملابسه الداخلية فقط، وجرى تداولها بشكل واسع على وسائل التواصل الاجتماعي.

قيل إن الشاب البالغ من العمر 16 عاما كان عضوا في المليشيات التي هاجمت المتظاهرين بالبنادق والسكاكين.

وأظهر شريط فيديو ثان الشاب وهو يطلق النار على الحشد قبل أن يُجر إلى الميدان ويضرب حتى الموت.

لكن السلطات قالت في وقت لاحق: إنه كان يفر من الشرطة التي كانت تطارده بتهمة تجارة المخدرات. وعندما فتح النار تسبب بمقتل أربعة متظاهرين واثنين من أصحاب المتاجر.

وأدان قادة الاحتجاج الحادث الذي تحول إلى مجزرة بشرية، وقالوا: "لا يمكننا السماح بتشويه صورة ثورتنا النقية".