Saturday 25 September, 2021

صحيفة الاستقلال

علمانيو مصر.. كيف سقطوا في أحضان العسكرية المستبدة؟

منذ 2019/10/11 20:10:00 | تقارير
فشل العلمانيون في منافسة الإسلاميين عبر الصناديق فتحالفوا مع الاستبداد والسلطوية والانقلاب على الديمقراطية
حجم الخط

بعد ثورة 25 يناير/ كانون الثاني 2011، وجدت الأحزاب العلمانية في مصر نفسها عالقة بين دولة يُسيطر عليها الجيش والأجهزة الأمنية وبين معارضة يُهيمن عليها الإسلاميون، فسعت جاهدة إلى بلورة هويات محددة متسقة مع المرحلة، وإلى محاولة بناء قواعد دعم وتمويل تستطيع من خلالها مجاراة المتغيرات السريعة والعاصفة.

لكن الفشل الذي منيت به هذه الأحزاب في الاستحقاقات الانتخابية التي تلت الثورة، بداية من الانتخابات البرلمانية، مرورا بالاستفتاء على الدستور، وأخيرا الانتخابات الرئاسية التي جاءت بالرئيس الراحل محمد مرسي، الممثل لجماعة الإخوان المسلمين، جعلت التيار العلماني في مصر يتحرك نحو محاولة وأد وإيقاف تلك التجربة، ولو على حساب أبجديات أفكاره، مستعدا لقبول طرح الانقلاب المناهض لمبادئه.

سعت الأحزاب العلمانية والليبرالية في مجملها لإزاحة التيار الإسلامي من الحياة السياسية، عبر المشاركة في مظاهرات 30 يونيو/ حزيران 2011، وبالتبعية مساندة الانقلاب العسكري الذي نفذه الجنرالات بقيادة عبد الفتاح السيسي في 3 يوليو/ تموز 2013، والاصطفاف خلفه. 

الاختبار الأصعب تمثل في الصمت، ودعم المجازر التي ارتكبها النظام العسكري بحق المدنيين، والانتهاكات الحقوقية الفجة، التي بالتبعية طالتهم مع الوقت، وبدأ يدفع التيار العلماني ثمن هذا الدعم من حريته وبقائه، والأصعب من شعبيته التي كانت متهاوية في الأساس. 

مبرر الاستبداد

في 5 أغسطس/ آب 2019، كتب عمرو حمزاوي أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، مقالة تحت عنوان "عن تبرير العلمانيين المصريين للاستبداد"، قال فيها: "إلى يومنا هذا، لم يزل خوف العلمانيين من المجتمع هو المفسر الأساسي لترويجهم لمقولات غير ديمقراطية منذ 2011 وإلى اليوم، من المطالبة بالتمييز بين الوزن النسبي لأصوات المتعلمين وغير المتعلمين في الاستفتاءات والاستحقاقات الانتخابية إلى تمرير وثائق مبادئ فوق دستورية لإقرار وضعية الدولة فوق الدولة للمؤسسة العسكرية وتمكينها من التدخل المستمر في شؤون الحكم والسلطة". 

وأضاف حمزاوي: "إلى يومنا هذا، لم يزل خوف العلمانيين من عموم الناس هو محرك قوي لإطلاقهم الأحكام الاستعلائية على تفضيلات الأغلبية السياسية والانتخابية، واستعدادهم للتحالف مع الاستبداد والسلطوية والانقلاب على الديمقراطية نظير إسكات المواطن وتهجيره من الفضاء العام، نظير إخضاع واستتباع ما يصنفونه زيفا كالمجتمع اللاعقلاني".

 وتأكيدا على الحديث السابق، ما ذكره الدكتور رفيق حبيب في مقال له بعنوان "البحث عن ديمقراطية عسكرية"، متحدثا عن ظاهرة التحالف بين النخب العلمانية والاستبداد العسكري، بقوله: "وإذا كان المقصود بالدولة الدينية، هي الدولة التي تحكم بالحق الإلهي وبفرض الوصاية على الناس، فالدولة التي تريدها بعض النخب السياسية هي دولة دينية أو عسكرية، تقوم فيها نخبة بالحكم بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بحيث تفرض إرادتها على الدولة، ويحمي الجيش هذه الإرادة". 

وأضاف: "البعض يحاول بناء دولة تقوم على دور خاص للنخب العلمانية، بحيث تفرض هذه النخب طبيعة وهوية الدولة، ويقوم الجيش بحماية ما تفرضه النخب على الدولة، ويؤمّن لتلك النخب دور يفوق الإرادة الشعبية الحرة، ويعلو على إرادة الناس، بحيث تتمكن تلك النخب من مراقبة أي نخبة تصل للحكم، خاصة نخب التيار الإسلامي، وتمنعها من الخروج عن مقتضى العلمانية، وتلجأ تلك النخب للجيش لمنع أي تيار إسلامي من الحكم وفقا لتصوره ورؤيته الإسلامية". 

علمانية عسكرية 

يقول عبد المجيد الشاذلي في كتابه (الحكومة الإسلامية.. رؤية تطبيقية معاصرة): "لابد أن تتوفر مجموعة خصال في الدولة العسكرية العربية، فالمطلوب أن تكون النخبة العسكرية الممسكة بزمام الحكم معادية لهوية الأمة، لا ساعية لترسيخها، فبوصلة انتماء هذه النخبة الإيديولوجي تكون بحسب رغبة السيد الأمريكي، الذي يهدف إلى سلخ الأمة عن هويّتها، وزحزحتها عن قيمها شيئا فشيئا، وليس كالطغمة العسكرية الحاكمة بالحديد والنار، بما تملك من أدوات الحكم والتأثير، ليس مثلها من يقوم بهذه المهمة على أفضل وجه". 

واستدلالا رأينا كيف انحازت أبرز النخبة العلمانية المصرية إلى جانب الانقلاب العسكري في 3 يوليو/ تموز 2013 جريا وراء مصالحهم الضيقة ولو على حساب الشعب، وكيف كانت خياراتهم السياسية تميل للديكتاتورية، وأبعد عن الديمقراطية، ما يدل على صلة متجذرة بين "العلمانيين العرب" و"الدولة العسكرية". 

نور الدين العلوي أستاذ الاجتماع بالجامعة التونسية في مقاله بتاريخ 24 يوليو/ تموز 2019 قال: "زاد الأمر بؤسا ومهانة أن نخبا عربية كثيرة كانت تدعي طويلا تغنيها بالديمقراطية وضعت يدها في يد هذه الأنظمة العسكرية، وانتصرت بها على شعوبها، ولا تزال تخوض معاركها ضد الديمقراطية مستنصرة بأعداء الديمقراطية". 

وأردف: "الحالة المصرية دوما هي النموذج المثالي لقراءة دور النخب التي تعلن الإيمان بالديمقراطية، ولكنها تكفر بها في الواقع. فما كان للسيسي أن ينقلب لولا يسار عربي وقومي حالف أو انصاع لخيار العسكر، ودفع في اتجاه الانقلاب". 

ويختتم العلوي كلماته: "النخب المعادية للإسلاميين عاجزة عن بناء الديمقراطية وحدها، وهي أعجز من أن تبني الديمقراطية معهم، بل هي أميل إلى مهادنة الأنظمة والعيش من فضلاتها، وهي أعجز من أن تقدم نقدها الذاتي لعقود الحرب الأهلية التي ساعدت فيها الأنظمة على الإسلاميين، لذلك نرجح أن يستمر الوضع غير الديمقراطي العربي لمدة طويلة حتى تفعل الطبيعة فعلها في النخب وتتلاشى قدرتها على مناصرة العسكر ضد الإسلاميين".

الأسواني نموذجا

"تناقضات ليبرالي مصري.. علاء الأسواني تحت مجهر" عنوان مقالة لمجلة "فورين بوليسي" الأمريكية، نشرت في 1 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، للكاتب دانيش فاروقي الباحث الزائر في مركز جامعة روتجرز لدراسة الإبادة الجماعية وحقوق الإنسان، حيث قال: "الأسواني فقد الثقة في العملية الديمقراطية، فقد قدم بحماسة دعمه لإزاحة مرسي بالقوة عبر الانقلاب العسكري، معتبرا صعود السيسي صفقة رابحة للحفاظ على أهداف ثورة 2011". 

وأضاف: "بالنسبة للأسواني، كانت مذبحة رابعة خطوة تصحيحية لا مفر منها".

وأكد الكاتب: "لا يمكن فصل انتقادات الأسواني الشجاعة والمثيرة للإعجاب للسيسي خلال الأيام القليلة الماضية عن هوسه بالتهديد المفترض للإخوان المسلمين على المجتمع المصري، ما دفعه إلى دعم انقلاب يوليو/تموز 2013 وصعود السيسي في المقام الأول".

وانتقد فاروقي بشدة: "رد فعل الأسواني على وفاة الرئيس السابق لمصر محمد مرسي في محبسه، فبينما اعترف بمسؤولية النظام عن الإهمال الطبي تجاه مرسي في محبسه، استمر في ترديد نفس النغمة عن الإخوان كجماعة إرهابية خائنة، كأنه يحملها المسؤولية عن مقتل الرئيس الراحل". 

اختارت المجلة الأسواني كمثال لفئة الليبراليين العلمانيين المصريين الذين رغم تضحياتهم خلال عقود من الكفاح من أجل الديمقراطية والليبرالية في مصر، إلا أنهم تخلوا عن تلك الالتزامات بشكل مذهل في الفترة التي سبقت أحداث 3 يوليو/تموز 2013، عندما أطاح الانقلاب بالرئيس المنتخب ديمقراطيا، محمد مرسي.

وأبدى معظمهم دعمهم المتحمس للانقلاب العسكري الذي أجهض التجربة الديمقراطية القصيرة في مصر، بل ذهب الكثيرون إلى أبعد من ذلك بالسكوت عن مجزرة أغسطس/آب 2013 التي راح ضحيتها نحو 1000 متظاهر سلمي في ميدان رابعة العدوية في القاهرة.

مواقف يائسة 

في 31 مارس/ آذار 2017، أصدر مركز كارنيغي لدراسات الشرق الأوسط، دراسة بحثية لميشيل دن بعنوان "الأحزاب السياسية العلمانية في مصر: تنازع من أجل الهوية والاستقلال"، وضعت في مطلعها عبارة "تسببت الأحزاب العلمانية في مصر، في كثير من الحالات، بتدهور وضعها إلى الأسوأ من خلال محاولاتها الرامية إلى الصمود وتحسين مكانتها". 

ثم قالت: "لطالما كانت الأحزاب السياسية العلمانية في مصر عالقة بين مطرقة دولة مُتجبرة ومُتغطرسة وبين سندان معارضة إسلامية في غالبيتها. صحيح أن فترة الانفتاح السياسي الوجيزة والمضطربة بين 2011 و2013 وفرت لهذه الاحزاب فرصا لاسابق لها".

الدراسة أضافت: "إلا أن اندلاع العنف والاستقطاب الحاد اللذين تليا الانقلاب العسكري في 2013، عرضاها إلى سيل من الضغوط أكثر من أي وقت مضى، واليوم، تتعرض حتى الأحزاب العلمانية التي دعمت الانقلاب والرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، إلى حملات بعد أن حاولت الحفاظ على قدر من الاستقلالية، مثلا عبر مقاومة الانضمام إلى كتلة مؤيدة للسيسي في البرلمان".

وذكرت الدراسة أن: "الأحزاب العلمانية ألحقت أضرارا لنفسها بنفسها، من خلال تبني مواقف يائسة وغالبا غير مبدئية لمجرد الحفاظ على البقاء، ففي الفترة بين 2011 و2013، كانت الأحزاب العلمانية فزعة من انتصارات الإسلاميين الانتخابية التي بدت وكأنها مندفعة كسيل جارف لايقاوم".

مضيفة: "إلى درجة أنها دعت الجيش إلى التدخل في الشأن السياسي، فقصمت بذلك ظهر فترة الانفتاح الديمقراطي القصيرة، ثم هلل العديد منها لانقلاب 2013 ولزمت الصمت المطبق حول عمليات القتل الجماعي التي تلته، مسقطة بذلك أي ادعاء بأنها تدافع عن القيم التي تزعم أنها تمثل، ومع ذلك، تعرضت إلى ضغوط لإبداء الولاء الأعمى للدولة".

دعم الجنرالات 

وأكدت ميشيل دن أن معظم الأحزاب العلمانية "اصطفت إلى جانب الجيش في صيف 2013، وبررت الانقلاب على أنه خطوة إنقاذ وطني، كما هللت بالإطاحة برئيس منتخب بوصفها خطوة ضرورية لإنهاء الحكم الإسلامي". 

محليا، "مكنت الموافقة العلمانية، ومعها التعبئة الشعبية الواسعة في 30 حزيران/يونيو 2013، الجنرالات من الزعم بأنهم يركبون موجة من الدعم الشعبي"، حسب دن.

ودوليا، "ساعد إضفاء جبهة الإنقاذ الشرعية على الانقلاب (كما تجسد أيما تجسّد في ظهور البرادعي وراء السيسي، فيما كان هذا الأخير يعلن الإطاحة بمرسي، وفي قبول البرادعي أن يكون نائب رئيس جمهورية مؤقتا في ترتيبات مابعد الانقلاب) الجيش على تجنب عقوبات كاسحة من قِبل الديمقراطيات الغربية التي كانت تقليديا تكترث للأحزاب العلمانية وتحسن السمع لها"، وفق الدراسة. 

الباحثة الأمريكية قالت: "عمدت الأحزاب العلمانية إلى دعم الجيش وأجهزة الأمن علنا، أو على الأقل لزمت الصمت حول انتهاكات حقوق الإنسان. فقد انخرط العديد من السياسيين والمثقفين العلمانيين بالترويج لصورة السيسي كمنقذ وطني، وقارنوه مرارا بالرئيس السابق جمال عبد الناصر الذي لطالما كان شخصية مقدسة لدى اليسار العلماني".

مضيفة: "فيما تعاون آخرون مع وسائط الإعلام التي تسيطر عليها الدولة لشن حملات عنيفة استهدفت الإسلاميين والليبراليين الذين انتقدوا الانقلاب. وهكذا، ساعدت هذه التوجهات والخطوات العملية مباشرة بعد الانقلاب على تسهيل استلام الجيش مقاليد السياسات المصرية، وأسقطت أوراق اعتماد الديمقراطية لهذه الأحزاب ومعها ادعاءاتها بأنها السدنة الحقيقية للحريات في مصر".

واختتمت الدراسة مصرحة: "تعمل الأحزاب السياسية العلمانية في مصر وسط بيئة سياسية صعبة، وتسببت في كثير من الحالات بتدهور وضعها إلى الأسوأ من خلال محاولاتها اليائسة للصمود وتحسين مكانتها".

"كانت رغبتها في النجاح في التمتع بسلطة سياسية، من دون الحاجة إلى التنافس في الانتخابات مع الإسلاميين الذين قمعتهم الدولة منذ العام 2013، غير واقعية وجعلتها متواطئة في إغلاق حيز الانفتاح الديمقراطي" وفق الباحثة الأمريكية.

بيد أن استبعاد الإسلاميين، الذين يُعتبرون جزءا كبيرا من الطيف السياسي في مصر، فتح الباب على مصراعيه أمام السلطوية المتجددة، وأدى بشكل خاص إلى قمع العلمانيين كذلك"، حسب الدراسة.


تحميل

المصادر:

1

Alaa al-Aswany Believes in Democracy, Except When He Doesn’t

2

الدولة العسكرية وخصالها السبع

3

الديمقراطية العربية ولعنة النخب والعسكر

4

عن تبرير العلمانيين المصريين للاستبداد

5

الأحزاب السياسية العلمانية في مصر: تنازع من أجل الهوية والاستقلال

كلمات مفتاحية :

الانقلاب العسكري بمصر التيار العلماني في مصر الديمقراطية السيسي العلمانية العربية مصر