Tuesday 05 July, 2022

صحيفة الاستقلال

قانون “فرنسة” التعليم.. لماذا يهدد كيان الحزب الحاكم بالمغرب؟

منذ 2019/07/31 14:07:00 | تقارير
القانون أحدث انشقاقات ليس فقط داخل الحزب بل أيضا بينه وبين ذراعه الدعوي "حركة التوحيد والإصلاح"
حجم الخط

بدأ كل شيء عندما وافق 25 نائباً برلمانياً عن حزب "العدالة والتنمية" المغربي، من لجنة التعليم والثقافة والاتصال البرلمانية، على مشروع قانون تقضي مادته الثانية بتدريس المواد العلمية باللغة الفرنسية، فيما سجّل عضوان من فريق الحزب الذي يقود الحكومة اعتراضهما عليه، وتحفظ آخرون. 

وفي جلسة عامة بمجلس النواب صادق على القانون، 241 صوتا من أحزاب الأغلبية، فيما صوّت بـ"لا" نائبان من "العدالة والتنمية" المعروف بـ"المصباح". حيث امتثل الأعضاء إلى قرار الأمانة العامة للحزب، إلا أن هذا التصويت أثار زلزالا داخل الحزب نفسه.

خرج الأمين العام السابق لحزب "المصباح" عبدالإله بن كيران الذي كان يشغل أيضا منصب رئيس الحكومة عن صمته، وذهب إلى حد القول إن الأمين العام الحالي للحزب سعد الدين العثماني والقيادي في الحزب مصطفى الرميد "وقعا في خطأ جسيم، وهما المسؤولان عن توجيه الأمانة العامة لبرلمانيي الحزب من أجل التصويت على مشروع القانون"، مضيفا: أنهما "قدما اللغة العربية لدولة الاستعمار، وهذا عار لا يمكن قبوله".

القانون أحدث انشقاقات ليس فقط داخل الحزب بل أيضا بينه وبين ذراعه الدعوي "حركة التوحيد والإصلاح"، التي حمّلت الحكومة مسؤولية العواقب.

هذه ليست المرة الأولى التي يطرح فيها النقاش حول الموضوع، لكن لماذا وصل إلى هذا المستوى من الحدة؟ ومن يقف وراء القانون المثير للجدل؟

مسألة مبدأ

في بث مباشر عبر صفحته الخاصة على موقع "فيسبوك"، قال بنكيران الذي لا يزال له تأثير كبير داخل الحزب إن "اللغة العربية مسألة مبدأ، حزب له مرجعية إسلامية يتنازل عن اللغة العربية في التعليم، ويحل محلها لغة الاستعمار هذه مصيبة وفضيحة".

وأوضح أن تصويت "المصباح" في اللجنة سينعكس على شعبية الحزب، وتابع قائلا: "مفهوم أن تكون ضغوط في السياسة لكن هناك حدود لا يجب أن يتراجع عنها الإنسان".

وقال بنكيران إنه كان على الجهة التي تقف وراء إقرار هذا المشروع، خيارات أخرى أكثر واقعية وعملية، وعلى رأسها اتباع النهج الأنجلوفوني (الثقافة الإنجليزية)، باعتماد اللغة الإنجليزية، كلغة تدريس ثانية في المغرب، بسبب موقع الصدارة الذي تحتله اليوم على المستوى العالمي.

لم يكتف بن كيران بهذا القدر بل خرج في المؤتمر الوطني لشبيبة حزبه، يوم 28 يوليو/ تموز 2019، وقال إن نواب الحزب عندما يمررون مشروع القانون في جلسة البرلمان العامة لن يبقى لهم أي مبرر للبقاء في الحكومة، لأن الشرعية التي حصلوا عليها بفضل أصوات الناخبين انتهت بالتخلي عن المبدأ.

واتهم بنكيران رفاقه بتجاوز المؤسسات بعدم رفض مشروع القانون، إذ كان ينبغي الرجوع إلى المؤتمر الوطني للحزب، لأنه هو من وضع مبادئ الحزب وبينها اللغة العربية، وبالتالي فهو من له صلاحية تغيير تلك المبادئ وليس الأمانة العامة للتنظيم.

واعتبر بنكيران مشروع القرار "كارثة على التعليم العمومي في المغرب"، مؤكدا أن تدريس اللغات الحية مطلوب وضروري لكن ليس على حساب العربية.

وقال إن نضالات علماء وزعماء سياسيين بارزين لتقوية عناصر الهوية الوطنية وإفشال مخططات الاستعمار الفرنسي باتت في مهب الريح، بسبب استبدال الفرنسية باللغة العربية في تدريس المواد العلمية، وقد تليها مواد أخرى.

هدد الأمين العام السابق للحزب بالانسحاب منه، قائلا: "إنه لا يتشرف بالانتماء لحزب يتخلى عن مرجعيته، لا أحياني الله إلى ذلك اليوم".

الخيانة العظمى

الصحفي المغربي، مصطفى الفن، اعتبر في مقال له، أن عبد الإله بن كيران رفع منسوب الإحراج عاليا وسط الحزب، حتى أصبح من الصعب التكهن بحدود تداعيات تصريحاته على مستقبل علاقة الحزب بالدولة عقب هذا الجدل المشتعل حول ما يسمى بـ"القانون الإطار".

وقال القيادي في "العدالة والتنمية"، الذي يقود الحكومة في المغرب: "لم يعتبر تصويت الحزب بالامتناع على هذا القانون مجرد موقف تحكمت فيه السياسة". 

أدرج بن كيران، بحسب الفن، موقف إخوانه من التعليم في خانة "هي أقرب إلى الخيانة العظمى، التي تستوجب القصاص في الدنيا قبل الآخرة". وزاد قائلا: "أنا لم أفهم كيف أخرج بن كيران هذا النقاش اللغوي العادي من حقل السياسة والتقدير السياسي والاختلاف البيداغوجي (علم التربية والتعليم) إلى حقل الدين والمعتقد كما لو أن المعركة معركة كفر وإيمان أو معركة خير وشر".

الفن تابع: "وقع كل هذا فقط لأن العثماني (رئيس الحكومة) وإخوانه اجتهدوا فوقفوا موقف الامتناع من قانون كان محط توافق وتشاور مع حلفائه الحكوميين بعد نقاش طويل".

واعتبر الصحفي المتخصص في السياسة، أن موقف الامتناع عن التصويت على قانون ما من طرف حزب يقود الحكومة هو في حد ذاته بمثابة تصويت بالرفض.

وبالتأكيد، تابع المقال، لا بد من الاعتراف هنا بأن حلفاء حزب "المصباح" كانوا ربما في منتهى الحكمة هم أيضا لأنهم تفهموا موقف حليفهم الإسلامي ولم يخوضوا في الموضوع، ولو على مضض، وتقبلوا أن يصوّت الحزب الحاكم بالامتناع على قانون. 

أما إذا صوّت "العدالة والتنمية" اليوم برفض هذا القانون في الجلسة العامة لمجلس النواب، فهذا له معنى واحد لا ثاني له، بحسب الفن، وهو أن "هذه الحكومة لم يعد لوجودها أي مبرر وآن لها أن تسقط اليوم قبل الغد". 

لا نقلد الزعماء

قدم إدريس الأزمي الإدريسي، رئيس فريق الحزب بمجلس النواب استقالته من مهامه كرئيس للفريق بالغرفة الأولى للبرلمان، ذلك بسبب التصويت على القانون الإطار للتربية والتكوين الذي لقي معارضة شديدة من أنصار بن كيران.

الأزمي الذي يعد أحد الرافضين لسياسة الأمين العام الحالي سعد الدين العثماني، وأكبر داعم لبنكيران، بحسب مصدر صحفي، لم يكشف في رسالته عن أسباب استقالته التي اعتبرت مفاجِئة للعديد من أعضاء نواب الحزب الذي يقود الحكومة.

كل هذا الغليان لم يثن رئيس الحكومة والأمين العام للمصباح، سعد الدين العثماني عن المضي، إذ جمع قبل الجلسة البرلمانية العلنية التي خصصت للتصويت على القانون المثير للجدل، برلمانيي الحزب لشرح قرار الأمانة العامة للحزب، القاضي بالتصويت على القانون والامتناع عن مادتين منه والخاصتين بالتناوب اللغوي ولغات التدريس.

بعد أن راج أن القانون فيه مساس بالهوية والدين، أفادت مصادر صحفية أن الأمين العام عاد إلى ثقافته الشرعية ليطمئن برلمانييه بصوابية هذا القرار، بعد أن استعان بمفاهيم من أصول الفقه وبعض مؤلفاته السابقة في الفقه الدعوى قبل أن يخلص إلى أن اللغة العربية ليست من الثوابت بل مجرد آلية للفهم.

وضرب العثماني المثل بالكثير من الدول والشعوب التي لا تعرف ولا تتحدث العربية لكن هذا لا يمس بأي حال من الأحوال، في نظره، بالهوية ولا بالدين.

وفي لقاء له مع شباب حركة "التوحيد والإصلاح"، الجناح الدعوي للحزب، دعا العثماني إلى الإنصات للجنة البرلمانية التي تضم مفتشين (خبراء) وإلى خالد الصمدي الذي كان مكلفا بالتعليم في ديوان بن كيران، والخبراء في الحركة قبل الحكم على القانون.

ووجّه الكلام إلى بن كيران، عندما قال: "شبيبة الحزب يقرأون القانون، يتحدثون عن فلان، لن أذكر اسمه، أنصَتوا إلى شريطه وأخذوا كلامه"، قبل أن يزيد: "لا تكونوا كالببغاء.. نحن لا نقلد الزعماء".

وتابع العثماني، بحسب مصدر صحفي: "يعرف الرجال بالحق ولا يعرف الحق بالرجال، وأن نأخذ مما يقول فلان أمر وارد".

جدل وانشقاق 

بدورها دخلت حركة التوحيد والإصلاح على خط الجدل حول القانون، وقالت إن مكتبها التنفيذي وقف على"خطورة مآلات هذه الخطوة التي ترهن مستقبل التعليم في البلاد بخيارات لا تنسجم مع دستور البلاد ولا تتماشى مع متطلبات تعليم المستقبل".

رفضت الحركة كل القرارات التي تمس بمكانة اللغتين الرسميتين العربية والأمازيغية، واستنكرت اعتماد لغةٍ أجنبية لغةً للتدريسِ مع الإصرار على تعميم التدريس بها في مختلف أسلاك التعليم".

حمّلت الحركة المسؤولية للحكومة والأحزاب السياسية في المحطات التشريعية المقبلة، "التزاما بدستور البلاد وتحصينا لمكانة اللغتين الرسميتين في التعليم وفي الإدارة وفي مختلف مجالات الحياة العامة". 

قيادي في حركة التوحيد والإصلاح، محمد الهلالي، قال تعليقا على مواقف الفرق النيابة في اللجنة البرلمانية: إن "الأحزاب سقطت والبرلمان زاد سقوطا"، وبالتالي، فإن "الامتحان المقبل، هو الدفع بعدم الدستورية أمام المحكمة الدستورية".

ويعطي الفصل 132 من الدستور للملك، ولرئيس الحكومة، ولرئيس مجلسي البرلمان، ولخمسة أعضاء من مجلس النواب (80 عضوا)، ولـ40 عضوا من مجلس المستشارين، إمكانية إحالة قانون معين على المحكمة الدستورية لفحص مدى مطابقته للدستور.

"لوبي استعماري"

شمل هجوم الأمين العام ورئيس الحكومة السابق، عبدالإله بن كيران، القيادي في "العدالة والتنمية" خالد الصمدي، وكاتب الدولة المكلف بالتعليم العالي، قائلا: "هو من أشرف على كتابة القانون الإطار تحت إشرافي عندما كنت رئيسا للحكومة، ثم ذهب عند عزيمان (أحد مستشاري الملك محمد السادس ورئيس المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي)، وأتى لنا بالتناوب اللغوي، لكنني رفضت وقتها هذا الأمر".

نقل بن كيران الصراع إلى تيار من داخل القصر، أسماه "لوبي استعماري"، وصرح بأنه كان مستعدا لتمرير القانون عندما كان رئيسا للحكومة إلا أنه لم يكن يشمل هذا التناوب. واعتبر رئيس الحكومة السابق أنه تم التلاعب في بنوذ القانون بعد استبعاده من السلطة، والضغط على "المصباح" لتمريره. 

الرواية أثبتها عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، عبدالعزيز أفتاتي، عندما قال إن ضغوطات مورست على قياديي الحزب ونوابه لتمرير القانون في البرلمان. إلا أن بن كيران تمسك برأيه قائلا: "لم تكن السياسة بدون ضغوطات، والضغوطات نخضع لها أحيانا لكن هناك حدود".

وصرح رئيس الحكومة السابق بأن قضية فرنسة التعليم "لا يجب أن تكون بيننا وبين الملك، بل مع لوبي استعماري بالمغرب".

"لم أطلب توقيف المصادقة على القانون الإطار للتعليم، لكن قلت يجب أن نتخذ الموقف المناسب لكي لا يقولون لنا غدا أنتم من صادقتم على القانون، إن قلنا لهم امتنعنا سيقولون هذا ليس موقفا"، هذا ما قاله بن كيران في آخر تصريحاته. 

فيما اعتبر العثماني أنه "لأول مرة في تاريخ المغرب يلزم القانون في جميع التخصصات تدريس مادة بالعربية على الأقل، ولأول مرة نص القانون على إمكانية فتح المسالك في جميع التخصصات باللغة العربية، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون".

"غير مجدية"

أما من جهته فرأى الكاتب والناقد المغربي، عمر العسري، في تصريح لـ"الاستقلال"، أن تدريس العلوم باللغة الفرنسية في النظام التعليمي المغربي مسألة غير مجدية لأنها تقفز على تركة متشعبة من المشاكل، وتتشبث بوسيلة لم تعد ذات منفعة حتى في بيئتها إذا ما قورنت بالإحصاءات الدولية للغات المتداولة في العالم. وكل مقاربة تطويرية في مسألة تدريس العلوم باللغة الفرنسية غير صائبة.

المتعلم المغربي، بحسب المتحدث، يحتاج في البداية إلى ترسيخ قيم اللغة الأم وتتبيث أولوياتها، وفتح أفقه المعرفي على منظومة لغوية غنية لم تتخل عن دورها في تدبير القطاعات المعرفية والعلمية، ولم تكن هامشية بالمرة رغم الادعاءات المتناثرة في المقالات والكتب، لأنها لغة مالكة لكل المقومات التي تجعلها قادرة على إنتاج المعرفة وتداولها، وتبيئة كل المفاهيم المعاصرة الجديدة بطريقة سلسة.

وأفاد العسري، بأن موروث المغاربة الفكري والعلمي والأدبي والفني واسع جدا، ويتمتع بإمكانات هائلة لاستيعاب الآني والآتي، بل وتغطية كل مناطق الوجود الإنساني، ومعطياته العلمية الحديثة، وهي في معظمها هاجرت من اللغة العربية إلى اللغات الأخرى.

ورغم ادعاءات قصور اللغة العربية عن استيعاب مفاهيم العولمة والتكنولوجيا المعاصرة، والتشكيك في قدراتها التجريبية وفعاليتها التواصلية، بسبب منافسات اللغة الاقتصادية والسياسية وبعض اللهجات المحلية التي تعوق الحد من امتدادها. 

فإنها لاتزال تحافظ على الهوية الدينية والتاريخية، ولها طاقة كبرى في بعث أصالة البلد، ومواجهة المعادين لها باستنبات كلياتها وتفعيل دورها في تدبير دواليب الدولة الإدارية والاقتصادية والتربوية وإقصاء كل المفاهيم التي ترسخ منطق القبلي والعرقي والإثني؛ لأن اللغة العربية من غاياتها القصوى توحيد البلاد والعباد في آن.


تحميل

المصادر:

1

دعوات وسط «البيجيدي» إلى الدفع بعدم دستورية قانون التعليم

2

بعد تصويت البرلمان.. حركة التوحيد والإصلاح تنبه لخطورة مآلات “فرنسة التعليم”

3

الأزمي يستقيل من رئاسة فريق “العدالة والتنمية”

4

المغرب.. بنكيران ينتقد “العدالة والتنمية”على خلفية اعتماد الفرنسية في التعليم

5

قضية فرنسة التعليم.. لماذا قسا بنكيران على إخوانه وتساهل مع نفسه؟

6

فرنسة التعليم.. بنكيران: القضية ليست بيننا وبين الملك بل مع لوبي استعماري بالمغرب

كلمات مفتاحية :

البرلمان التعليم العدالة والتنمية المغرب