Tuesday 16 August, 2022

صحيفة الاستقلال

حظر الإجهاض في أميركا.. لماذا ولّد صراعا عنيفا بين المحافظين والليبراليين؟

منذ 2022/07/01 17:07:00 | تقارير
"68 بالمئة من المسيحيين الأميركيين يريدون أن يكون هناك تأثير لـ "الكتاب المقدس" على قوانين بلادهم"
حجم الخط

ألغت المحكمة العليا الأميركية بأغلبية 5 إلى 4 أصوات، في 24 يونيو/ حزيران 2022 حكما صادرا عام 1973، يعطي للمرأة الحق في الإجهاض، لتعود بأميركا إلى نحو 50 عاما إلى الوراء وتسمح لعدة ولايات بتقييد الإجهاض.

ويرجع الفضل في اتخاذ هذا القرار إلى الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب الذي عين 3 قضاة محافظين خلال ولايته، ورحب بالخطوة قائلا إنها "قرار الرب"، بينما انتقدها الرئيس جو بايدن وعدها "تطرفا دينيا".

وترى دوائر بحثية أن هذا القرار يزيد من حدة الانقسام المتفاقم أصلا بين المحافظين والديمقراطيين في أميركا، ويقرب البلاد أكثر من صراع هوية قد يمهد الطريق لتقسيم البلاد أو اندلاع حرب أهلية.

قرار خطير

وشرح القضاة الخمسة الموافقون، القرار، بأنه يعني أن "غالبية المحكمة سحبت خيار قرار الإجهاض من النساء وأعطته للولايات"، وفق موقع "بولتيكو" الأميركي في 26 يونيو.

وسيؤدي القرار لقيام اثنتين وعشرين ولاية أميركية من أصل 50 بحظر فوري للإجهاض، لأن لديها قوانين قديمة تمنعه، لكنها كانت ملتزمة بقرار المحكمة العليا الصادر عام 1973.

ومنع الإجهاض جاء بعد سلسلة تحركات من جانب مجموعات ضغط أنجليكية تطالب بالحق في الحياة، وتغلغلت منذ الثمانينيات في الحزب الجمهوري، لذا عده التيار المسيحي المحافظ والحزب الجمهوري انتصارا لهما.

لكن الحزب الجمهوري يخشى أن يؤثر القرار على انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، ويصوت الليبراليون الغاضبون من إلغائه لصالح الحزب الديمقراطي، فيما يتوقع جمهوريون دعم مؤيدي منع الإجهاض لهم.

وأشادت منظمات يمينية مسيحية مثل "الأغلبية الأخلاقية"، و"التحالف المسيحي" و"مجلس السياسة العامة" ورموز التطرف المسيحي اليميني ومنابر الوعظ في الكنائس البروتستانتية بحظر الإجهاض ويعدونه "قضية تتعلق بالدين".

وأكد "بولتيكو" أن حكم المحكمة العليا يمثل "نصرا" للحركة المسيحية المحافظة جيدة التنظيم والتمويل التي سعت منذ سنوات لدفع المحاكم الأميركية في اتجاه اليمين بمساعدة نشطاء قانونيين وسياسيين.

وأضاف أن قادة ومؤسسي الجماعات ذات الميول اليمينية مثل "الجمعية الفيدرالية"، وزعيم الجمهوريين بمجلس الشيوخ ميتش ماكونيل، كان لهم نفوذ كبير على تعيينات المحكمة العليا من قبل الرؤساء الجمهوريين، خاصة دونالد ترامب.

وتوقعت دراسة للمجلة الوطنية الطبية الأميركية في 31 يوليو/تموز 2019، أن يتم حرمان ما بين 94 ألفا و144 ألف أميركية من حق الإجهاض، حال رفض المحكمة العليا بشكل نهائي قانون إباحة الإجهاض الذي تم إقراره عام 1973.

صراع هوية

وأظهرت معارك ومظاهرات ما قبل وما بعد حكم المحكمة بإلغاء قرار إباحة الإجهاض أن الصراع ديني ليبرالي، بين المحافظين الدينيين الذين يطالبون بحظر الإجهاض والشذوذ والعلاقات الجنسية خارج الزواج.

وبين الأميركيين الليبراليين المؤيدين للإجهاض، الذين تظاهروا ضد قرار المحكمة بصور مختلفة، منتقدين الدلالة الدينية لحكم المحكمة العليا التي شبهوها بدولة ما يسمى "جلعاد" الديكتاتورية في رواية "بنات جلعاد، ودشنوا هاشتاغ "جلعاد تعود".

وترجع قصة "بنات جلعاد" اللواتي يرفضن الإجهاض إلى رواية "قصة الخادمة" للكاتبة الكندية "مارغريت آتوود"، التي تحكي عن دولة تسمى "جلعاد"، ذات طبيعة استبدادية دينية مسيحية ترتدي فيها النساء معاطف حمراء وأغطية رأس بيضاء.

وتدور الرواية، التي يعود تاريخ نشرها إلى سنة 1985، حول انقلاب وهمي في أميركا عقب تهاوي معدلات خصوبة النساء، حيث يعمد الانقلابيون، وهم "متشددون دينيون مسيحيون"، إلى تأسيس نظام سياسي باسم "جلعاد".

وهذا النظام الذي يحكمه الذكور بقبضة من الحديد والنار، يحمي تراتبية دينية ذكورية، حيث تختطف النسوة اللاتي ما زلن محافظات على خصوبتهن ويستعبدن في خدمة الرجال كخادمات مهمتهن الولادة.

لذلك ارتدت الأميركيات اللاتي ناهضن قرار المحكمة بمنع الإجهاض معاطف حمراء بأغطية رأس بيضاء كاحتجاج "تمثيلي" يعبر عما جرى ويصورن قرار المحكمة بأنه يعيد دولة "جلعاد" الدينية المسيحية الاستبدادية التي جاءت في القصة.

والرواية التي أرادت لها كاتبتها أن تكون عالما لواقع مرير خيالي "ديستوبيا" لوضعية المرأة، أصبحت تمثل الحقيقة والواقع الحالي. 

وكتبت مؤلفة الرواية "مارغريت آتوود"، مقالا في موقع "أتلانتيك" الأميركي في 13 مايو/أيار 2022، تتنبأ فيه بحكم المحكمة قائلة: "لقد اخترعت جلعاد، والمحكمة العليا تجعلها حقيقة".

وقالت إن روايتها الخيالية كانت تتصور سيناريو مستقبليا تنفصل بموجبه الولايات المتحدة، ويتحول جزء منها إلى "ديكتاتورية ثيوقراطية (دينية) قائمة على المعتقدات والفقه الديني البيوريتاني (التطهيري)".

وحذرت المؤلفة من أن عملها الخيالي يتحول بسرعة إلى حقيقة واقعة حال ألغت الولايات المتحدة قانونا يحمي قدرة المرأة على إجهاض الحمل غير المرغوب فيه.

الدين يوجه السياسة

وشهد تيار القومية المسيحية الأميركي "عهده الذهبي" في فترة ترامب، وتغلغل في السياسة ونجح في إيصال ثلاثة قضاة محافظين ينتمون لهذا التيار كانوا هم من رجحوا صدور حكم إلغاء الإجهاض.

لذا وصف ترامب، المدعوم من هذه المجموعات المسيحية الإنجيلية، إلغاء حق الإجهاض في أميركا بأنه "قرار الله"، وقال لشبكة "فوكس نيوز" في 24 يونيو، إن "الله اتخذ القرار".

وأكد موقع "بولتيكو" في 26 يونيو، أن الفضل في وضع أسس قرار المحكمة بإلغاء حماية حقوق الإجهاض، يعود إلى ترامب أساسا.

وعدت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" القرار بمثابة فوز لترامب الذي قالت إنه "يقود اليمين المسيحي إلى الكأس المقدسة بموجب حكم الإجهاض الصادر عن المحكمة العليا الأميركية".

بالمقابل وصف الرئيس الأميركي، جو بايدن، الحكم بأنه "خطأ مأساوي" نابع من "أيديولوجيا متطرفة" في إشارة لدعم الإنجيليين لقرار المحكمة، وعد ذلك أنه "يوم حزين للمحكمة والبلد".

وانتقد "الأيديولوجية المتطرفة" للمحكمة العليا ذات الميول المحافظة، والتي شكلها بشكل كبير سلفه الجمهوري ترامب، وتعهد باستخدام كل سلطات إدارته للوقوف ضد قرار المحكمة العليا الذي قال إنه يؤثر على حيوات ملايين النساء.

وأكد بايدن أن "المحكمة حرفيا أعادت الولايات المتحدة 150 عاما إلى الوراء، إنه يوم حزين للبلاد، لكن هذا لا يعني أن النزاع قد انتهى".
 

كما اعترف بايدن، بدور ترامب الحاسم في حظر الإجهاض، وقال: ثلاثة قضاة عينهم رئيس واحد، هو ترامب، كانوا أساس القرار الذي صدر اليوم بقلب ميزان العدالة واجتثاث حق أساسي للنساء في هذه البلاد.

الغريب أن بايدن مسيحي كاثوليكي يذهب للصلاة بالكنيسة، بينما ترامب إنجيلي لم يذهب للكنيسة إلا خلال ترشحه للرئاسة وسعيه لاحقا للاستعانة بالمبشرين الإنجيليين لدعمه.

حرب أهلية

وسبق أن حذر اليمين المسيحي في الولايات المتحدة من حرب أهلية بسبب الصراع الديني حول قضية الإجهاض.

وقالت صحيفة "الأوبزرفر" البريطانية في 25 مايو/أيار 2019، إن شخصيات بارزة تنتمي إلى اليمين المسيحي في أميركا تحذر من أن المعركة حول حقوق الإجهاض يمكن أن تؤدي إلى حرب أهلية جديدة.

وأوضحت "الأوبزرفر" أن مشرعين جمهوريين مثل "كانديس كيلر" من ولاية أوهايو و"مات شيا" بولاية واشنطن، تكهنوا علنا بأن الانقسام حول حقوق الإجهاض قد يؤدي إلى حرب أهلية و"بلقنة" أميركا.

وتوقع "شيا" أن يتراجع المسيحيون إلى "مناطق الحرية" مثل المحيط الهادئ الشمالي الغربي، وألا يظل نصفا أميركا معا، قائلا: "لديك نصف يريد أن يتبع الرب والعدل، والنصف الآخر لا".

وكانت الحركة المسيحية المناهضة للإجهاض في الثمانينيات والتسعينيات قد انتقلت من الاعتصام أمام العيادات، إلى القيام بتفجير بعض العيادات وقتل مقدمي خدمات الإجهاض. 

ولفتت صحيفة "إنترسيبت" الأميركية في 12 مايو 2022، إلى أن الإنجيليين في أميركا حولوا أنفسهم إلى "آلة لمكافحة الإجهاض".

وأضافت أن كتب ومحاضرات القس فرانسيس شيفر لعبت دورا رئيسا في تسييس الإنجيليين البروتستانت وتحريضهم فكريا ضد قانون الإجهاض والتعامل بعنف مع الأمر.

وسبق أن أظهر استطلاع رأي أجراه مركز "بيو" الأميركي المختص بالإحصاءات العقائدية، أن 68 بالمئة من المسيحيين الأميركيين يريدون أن يكون هناك تأثير لـ "الكتاب المقدس" على قوانين بلادهم، وارتفعت النسبة بين البروتستانت الإنجيليين البيض إلى 89 بالمئة.

كما أظهرت استطلاعات "بيو" أن 55 بالمئة من الشعب الأميركي يؤدون الصلاة بانتظام، مقابل 10 بالمئة في فرنسا و6 بالمئة في المملكة المتحدة.

ويملك الإنجيليون نفوذا كبيرا على السياسة الأميركية وهم يرفضون أسلوب الحياة الحديث ويمجدون الأمة والسلاح والتقاليد المسيحية ويرفضون الإجهاض والجنس قبل الزواج والشذوذ الجنسي. 

وكلمة "إنجيلي" هي المرادف لكلمة (Evangelical)، ويقصد بها في أميركا كل الطوائف المسيحية البروتستانتية التي تميزت عن البروتستانت التقليديين بعدد من المعتقدات.

أبرزها إيمانها بمفهوم "الولادة الثانية" أو "ولادة الروح"، ويعتقد أنهم يشكلون نحو ربع سكان الولايات المتحدة.

ويقول أتباع هذا الطيف الديني أن اندفاعهم باتجاه السياسة الأميركية والانتخابات جاء في أعقاب قرار المحكمة العليا في القضية التاريخية "Roe vs. Wade" عام 1973، الذي سمح بالإجهاض.

وفي عام 1970، رفعت نورما مكورفي (اسمها المستعار جين رو) دعوى قضائية ضد وزير العدل بولاية تكساس "هنري وايد"، اعتراضا على قانون الولاية الذي يحظر الإجهاض إلا في الحالات المهددة للحياة، ومنها جاءت التسمية "رو" ضد "ويد".

وكانت مكورفي غير متزوجة وحاملا بطفلها الثالث وتطلب الإجهاض، وزعمت أنها تعرضت للاغتصاب، لكنها تراجعت عن هذا الادعاء وأوكلت محاميتين باشرتا قضيتها ضد الدولة.

وانتهت القضية بحكم المحكمة العليا الأميركية العليا بأغلبية سبعة أصوات مقابل اثنين في 22 يناير 1973 بأن قانون الدولة "المقيد وغير المبرر" للإجهاض "غير دستوري"، وأن حق المرأة في إنهاء حملها محمي بموجب دستور الولايات المتحدة.

وأعطى الحكم المرأة الأميركية حقا مطلقا في الإجهاض في الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل، لكنه سمح بفرض قيود في الثلث الثاني من الحمل وفرض حظرا في الثلث الثالث.

ومن ثم أصبح هذا الحكم الوثيقة التي تضمن دستورية حق الإجهاض في الولايات المتحدة، إلى حين إبطالها في قرار ذات المحكمة يوم 24 يونيو 2022.


تحميل

المصادر:

1

Supreme Court gives states green light to ban abortion, overturning Roe

2

I INVENTED GILEAD. THE SUPREME COURT IS MAKING IT REAL.

3

“بنات جلعاد”.. ما قصة الرداء الأحمر للاحتجاجات ضد قانون الإجهاض بأمريكا؟

4

How America’s Evangelicals Turned Themselves Into an Anti-Abortion Machine