Monday 23 May, 2022

صحيفة الاستقلال

بعد ضغط ابن سلمان بورقة النفط.. كيف تخطط أميركا لإبطال مفعولها؟

منذ 2022/05/11 14:05:00 | تقارير
"يجب دائما أن تضع السياسة جانبا عندما تكون غاضبا"
حجم الخط

في خطوة تعبر عن مدى تدهور العلاقات بين الجانبين، أقرت لجنة تابعة لمجلس الشيوخ الأميركي، في 5 مايو/أيار 2022، مشروع قانون من شأنه أن يعرض الدول الأعضاء في منظمة البلدان المصدرة للبترول "أوبك" وشركاءها للمساءلة القضائية.

ويسمح مشروع القانون لوزارة العدل الأميركية برفع دعوى ضد أعضاء "أوبك" التي ترأسها السعودية، وحلفاؤها مثل روسيا، بزعم التآمر لرفع أسعار النفط، ومكافحة الاحتكار، والحد من تخفيضات الإمدادات التي ترفع أسعار الخام العالمية.

وأرجعت اللجنة القضائية بمجلس الشيوخ هذه الخطوة التي تستهدف الكيان الذي يورد نحو 50 بالمئة من النفط العالمي، إلى وقوف أوبك وراء خفض مقصود بالإمدادات، ما يتسبب في ارتفاع أسعار الطاقة، ويعود بضرر كبير على المواطن الأميركي.

وأتت هذه الخطوة بعد يوم واحد من إعلان مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي عن زيادة نصف نقطة مئوية في أسعار الفائدة، هي الأكبر منذ أكثر من عقدين، في إطار معركته لكبح جماح أسوأ تضخم تشهده البلاد منذ 40 عاما، تجاوز 8,5 بالمئة في مارس/آذار 2022.

لكن مع استمرار احتدام الصراع بين روسيا والغرب في أوكرانيا، واتفاق الأولى مع السعودية على عدم إزالة القيود عن الإنتاج رغم الضغوط الأميركية، فإنه من غير المرجح، وفق مراقبين، أن تنحسر قريبا ضغوط الأسعار على الغذاء والطاقة.

لذا تتصاعد تساؤلات بشأن إن كان مشروع القانون الجديد الذي طالما خشيت منه السعودية، سينجح هذه المرة في تمزيق ورقة النفط التي يناور بها ولي العهد محمد بن سلمان بالتعاون مع روسيا، في ظل فشل الطرق الدبلوماسية التي اتبعتها إدارة الرئيس الديمقراطي جو بايدن مع الأمير الشاب سيء السمعة.

"خطوة عدائية"

مشروع القانون يحمل شعار "نوبك" وهو الاختصار الإنجليزي لعبارة (No Oil Producing and Exporting Cartels) وتعني "لا لتكتلات إنتاج وتصدير النفط".

وهو مشروع قانون اقترح عام 2007 داخل أروقة الكونغرس الأميركي لمناقشته ومنذ ذلك الوقت والجدل يتجدد بين الفينة والأخرى بشأنه.

لكن وصول التضخم بالعالم وأميركا على وجه الخصوص إلى أعلى مستوياته في عقود، يزيد من فرص نجاح سن القانون هذه المرة.

وسجل سعر غالون البنزين في ربيع 2022 مستوى قياسيا فوق 4.30 دولارات، بعدما أعلن بايدن في 8 مارس 2022، حظرا على واردات النفط من روسيا، التي تمثل 8 بالمئة من إجمالي الواردات النفطية الأميركية.

ويهدف مشروع القانون في الأساس إلى تغيير قانون مكافحة الاحتكار الأميركي، من أجل إلغاء الحصانة السيادية التي تحمي أوبك وشركات النفط الحكومية في دولها منذ فترة طويلة من الدعاوى القضائية.

وحظي المشروع الذي يرعاه النائب الجمهوري "تشاك غراسلي" والنائبة الديمقراطية "إيمي كلوبوشار"، إضافة إلى آخرين بالحزبين اللذين يقودا الحياة السياسية في أميركا، بتأييد 17 عضوا في اللجنة القضائية بمجلس الشيوخ مقابل رفض 4 أعضاء.

وقالت "كلوبوشار" على هامش جلسة التصديق، إنني "أعتقد أن الأسواق الحرة والتنافسية أفضل للمستهلكين من تلك التي يسيطر عليها تكتل من شركات النفط المملوكة لدول.. المنافسة من أهم أسس نظامنا الاقتصادي".

وعقب إتمام عملية التصديق، قالت اللجنة القضائية بمجلس الشيوخ في بيان، إن "الأميركيين يشعرون بالألم عند مضخات الوقود مع الارتفاع القياسي للأسعار، فيما تستفيد روسيا وفنزويلا وإيران ودول معادية أخرى".

وادعت اللجنة أن "أوبك وحلفاءها تسيطر على 70 بالمئة من جميع النفط المتداول دوليا و80 بالمئة من جميع احتياطيات النفط"، مشددة على أن "هذا السلوك المناهض للمنافسة والمتلاعب بأسعار النفط يضر المستهلكين بشكل مباشر".

مخاوف كبيرة

ولم يتضح بعد كيف يمكن لمحكمة اتحادية تنفيذ أحكام قضائية لمكافحة الاحتكار على دولة أجنبية، لكن عديدا من المحاولات غير الناجحة لسن القانون المثير للجدل على مدى أكثر من 20 عاما أثارت قلق السعودية، وفق ما نشرت وكالة رويترز البريطانية في 5 مايو.

وأضافت أن السعودية مارست ضغوطا على الإدارة الأميركية في كل مرة يُطرح فيها مشروع القانون.

وخلال الشهور الأخيرة رفض منتجو أوبك، وفي مقدمتهم السعودية والإمارات طلبات من الولايات المتحدة بفتح صنابير النفط بأكثر من الزيادات التدريجية المتفق عليها مع روسيا منذ سبتمبر/أيلول 2021، في ظل قيود فيروس كورونا.

وبينما تخطط أوروبا للحاق بأميركا وفرض عقوبات على النفط الروسي، اكتفت السعودية وحلفاؤها بزيادة طفيفة على آلية الإنتاج الحالية عبر زيادة بمقدار 432 ألف برميل يوميا، بداية من مايو 2022، مقابل زيادة بـ400 ألف برميل كانت متبعة منذ سبتمبر.

وقد تشهد روسيا، التي تنتج نحو 10 بالمئة من نفط العالم، انخفاضا في إنتاج الخام بما يصل إلى 17 بالمئة في 2022، على خلفية العقوبات الغربية، ما سيزيد الضغوط على منتجي الخام، فضلا عن ارتفاع الأسعار بطبيعة الحال.

وذكرت رويترز أن بعض المحللين يرون أن التسرع في مشروع القانون قد يؤدي إلى رد فعل غير مقصود، بما في ذلك احتمال أن تتخذ دول أخرى إجراءات مماثلة ضد أميركا لحجبها عديدا من المنتجات الزراعية لدعم قطاعها المحلي، على سبيل المثال.

ونقلت عن المحلل والمدير السابق بوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية مارك فينلي، قوله إنها "فكرة سيئة.. يجب دائما أن تضع السياسة جانبا عندما تكون غاضبا".

وأوضحت أنه يمكن لدول أوبك أيضا الرد بطرق أخرى، ففي عام 2019 على سبيل المثال هددت السعودية ببيع نفطها بعملات غير الدولار إذا أقرت واشنطن نسخة من مشروع قانون نوبك.

وفي 15 مارس 2022، كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية نقلا عن مصادر مطلعة لم تسمها، أن إمكانية اعتماد السعودية على اليوان الصيني بدلا من الدولار لأميركي، في تعاملاتها مع بكين، آخذ في الازدياد.

وسيؤدي فعل ذلك إلى تقويض مكانة الدولار كعملة احتياطية رئيسية في العالم، ويقلل نفوذ واشنطن في التجارة العالمية، ويضعف قدرتها على فرض عقوبات على الدول.

كما عارضت أكبر جماعة ضغط للنفط في الولايات المتحدة (معهد البترول الأميركي) مشروع قانون نوبك، قائلة إنه قد يضر بمنتجي النفط والغاز المحليين، وفق رويترز.

وتتمثل مخاوف المعهد في أن تشريعات نوبك قد تؤدي في النهاية إلى إفراط دول أوبك في الإنتاج كما حدث مع بدء وباء كورونا، ما يؤدي إلى انخفاض الأسعار بشدة ويجبر كثير من شركات الطاقة الأميركية على الاستدانة ومن ثم الإفلاس.

وتمتلك السعودية والإمارات ودول أخرى في أوبك احتياطيات نفطية رخيصة جدا على صعيد الإنتاج، على عكس غالبية احتياطات الخام الأميركية، لاسيما العاملة في النفط الصخري الذي يحتاج لتكلفة كبيرة لاستخراجه.

ما وراء الغضب

وهذا التوتر الطاقي تقف وراءه خلافات سياسية كبيرة بين النظام السعودي بقيادة ابن سلمان من جهة، والإدارة الأميركية بزعامة بايدن ومن خلفه الحزب الديمقراطي من جهة أخرى.

فمثلت الهزيمة الانتخابية الصعبة للرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، وصعود خلفه جو بايدن، صدمة كبيرة لابن سلمان، الذي كان عليه مواجهة سياسة مختلفة وآلية مغايرة لما كانت عليه الأمور.

واصطدم ولي العهد السعودي صاحب السجل الحقوقي الأسود بالإدارة الأميركية التي تقول إنها تدافع عن قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان في مواضع عديدة، آخرها رفض مساعي واشنطن لاحتواء أسعار النفط عقب الغزو الروسي لأوكرانيا.

فخلال حملته الانتخابية في 2020، وصف بايدن المملكة في عهد ابن سلمان بأنها "منبوذة"، وفي وقت مبكر من ولايته، أصدر تقريرا يؤكد أن "ولي العهد وافق على عملية القبض على الصحفي جمال خاشقجي أو قتله في القنصلية السعودية في إسطنبول عام 2018".

وعقب تولي بايدن السلطة، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض جين ساكي، في فبراير/ شباط 2021، إن الرئيس الأميركي سيتحدث مع نظيره الملك سلمان البالغ من العمر 86 عاما، لا مع ولي العهد الذي يتولى الشؤون اليومية للمملكة، وضمن ذلك السياسة النفطية.

وفي 3 مارس 2022، قال ابن سلمان، في حوار مع مجلة "ذي أتلانتيك" الأميركية ردا على سؤال عما إذا كان بايدن أساء فهمه في قضية خاشقجي: "ببساطة لا أهتم"، مضيفا: "الأمر يرجع له في التفكير في مصالح أميركا".

ولكي يصبح "نوبك" قانونا ساريا، يجب أن يوافق مجلسي الشيوخ والنواب بالكامل على مشروع القانون ويوقعه الرئيس بايدن.

ولم يشر البيت الأبيض إلى ما إذا كان بايدن يدعم مشروع القانون، كما أنه ليس من الواضح ما إذا كان نوبك يحظى بالدعم الكافي في الكونغرس للوصول إلى تمريره، وفق رويترز.

وتعليقا على تصديق لجنة مجلس الشيوخ على نوبك، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض جين ساكي، إن لدى الإدارة الأميركية مخاوف من "التداعيات المحتملة والعواقب غير المقصودة" للتشريع، لا سيما في ظل أزمة أوكرانيا، لكنها تواصل دراسة مشروع القانون.

رؤية سعودية

وتعليقا على هذه التطورات، قال الكاتب السعودي عبد الله العتيبي، إن الحب والبغض ليسا من أدوات السياسة، لكن تراكم أي منهما على مدى زمني معين تجري ترجمته إلى قرارات ومواقف سياسية، بحيث تدخل هذه المشاعر في حسابات المصالح والعلاقات بين الدول.

وأضاف في مقال نشرته صحيفة الشرق الأوسط اللندنية في 8 مايو، أن "سياسات الإدارة الأميركية الحالية تبدو وكأنها تسعى لأن يبغضها المزيد من الشعوب العربية، بعد بغض متراكم لعقود لدى البعض، وهو مسعى يبدو غريبا لدى أي صانع قرار، والساسة يجب ألا يكونوا عميانا".

وأوضح العتيبي أن إدارة الرئيس بايدن تنتمي لتيار اليسار الليبرالي وتتخذ مواقف عدائية وتصريحات مستفزة وسياسات لا يمكن وصفها بالصديقة تجاه عدد من الدول العربية، ومنها دول الخليج.

وتعليقا على الوضع التي وصلت إليه العلاقات، لفت الكاتب السعودي إلى أن الموضوع غير مقتصر على النفط والعلاقات السياسية، فالملف النووي الإيراني أيضا قضية كبرى بالنسبة لدول المنطقة، والمفاوضات في فيينا غير مبشرة بسبب اندفاع غير محسوب لإرضاء طهران.

ناهيك عن استبعاد دول الخليج والدول العربية قاطبة من المشاركة في تلك المفاوضات، وغض أميركا الطرف عن بسط إيران نفوذها عبر عدة جماعات بعدد من الدول العربية مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن، يضيف العتيبي.

من جانبه، أكد الخبير النفطي السعودي محمد سالم الصبان، أن مشروع قانون نوبك بصيغته القديمة ظهر في 2008، لكن لم يجر التوقيع عليه من الرؤساء السابقين بحجة أنه ينتهك سيادة الدول.

وأضاف في تصريحات لصحيفة "سبق" السعودية في 8 مايو، أن نوبك يثير كثيرا من الإرباك لو جرى تفعيله، نتيجة للفعل وردة الفعل من قِبل الأطراف المعنية، ويسهم في عدم استقرار أسواق النفط العالمية في الفترة المقبلة.

وأكد الصبان أن هناك عدة بدائل لمواجهة هذا القانون لو جرى اعتماده، مثل النظر في تقليص تصدير النفط إلى الولايات المتحدة، وتصفية الأصول المالية الخاصة بأعضاء "أوبك+" في أميركا، واعتماد عملات أخرى كوسيط للمبادلات النفطية وغيرها.

‏لكن تبنّي أي من هذه البدائل لا بد أن يخضع لميزان التكلفة والعائد سواء على المدى القصير أو الطويل، وألا تكون ردة الفعل عاطفية من منطلق "عليّ وعلى أعدائي"، يستدرك الخبير النفطي السعودي.


تحميل

المصادر:

1

Grassley Statement at Markup of NOPEC Act and on SCOTUS Leak

2

Explainer: Why NOPEC, the U.S. bill to crush the OPEC cartel, matters

3

ماذا ستفعل “أوبك+” حال اعتماد أمريكا مشروع “نوبك”؟ “الصبان” يكشف

4

أميركا... هل تسعى لأن يبغضها العرب؟

كلمات مفتاحية :

أميركا أوكرانيا إيران الإمارات السعودية النفط الولايات المتحدة جو بايدن روسيا محمد بن سلمان