Monday 18 January, 2021

صحيفة الاستقلال

شغلتهم السياسة.. هكذا مهد قادة العسكر الطريق إلى نكسة 67

منذ 2019/06/06 16:06:00 | تقارير
من أسباب النكسة دخول القوات المسلحة في الإصلاح الزراعي والإسكان والنقل الداخلي وأعمال مدنية أخرى كثيرة
حجم الخط

في مثل هذه الأيام منذ 52 عاما كانت هزيمة نكراء وجهتها تل أبيب خلال 6 أيام لجيوش 3 دول عربية مجتمعة مصر وسوريا والأردن، كان من نتائجها خسائر بشرية ومادية كبيرة، واحتلال أجزاء واسعة من الأراضي العربية، وتدمير أغلبية العتاد العسكري العربي.

في 5 يونيو/حزيران 1967 لم يكن هناك إنترنت ولا فيسبوك وتويتر حتى يعرف العالم بحقائق وتفاصيل الفضيحة الكبرى التي أطلق عليها العرب ساعتها "نكسة" تلطيفا وتخفيفا من وقع الكارثة المروعة التي حلت بهم جيوشا وشعوبا وقادة.

فعلى غير الحقيقة، وفي صبيحة 5 يونيو/ حزيران 1967 تصدر مانشيت "الجيش العربي يزحف إلى تل أبيب" عناوين الصحف المصرية، وسيطرت أخبار تحطيم طائرات الخصم والتنكيل بقواته، على المشهد في الميادين والبيوت بالقاهرة وسائر العواصم العربية.

صرخة الخلاص

أمة عربية منكوبة كانت تبحث عن صرخة الخلاص، بعد أن اهتزت هويتها إثر عقود من الاحتلال، وهزائم متتابعة، أما قائدها في ذلك الوقت جمال عبد الناصر فسبق أن قدم وعدا بفجر جديد، عندما قال عام 1955 فى المؤتمر الشعبى بميدان الجمهورية بالقاهرة مع الرئيس الإندونيسي "سوكارنو" بمناسبة العيد الثالث لثورة يوليو: "ارفع رأسك يا أخي فقد مضى عهد الاستعباد".

فهم ناصر القوة السحرية للمخيلة البسيطة للمواطن المصري والعربي، والملايين اللذين كانوا مستعدين لتقديم ولاء غير مشروط له في ذلك الوقت، عندما منحهم شعور القدرة على تحقيق المعضلات، وتجاوز العقبات، ومن ثم الانتصار الحاسم.

في تلك الحقبة الزمنية ارتبط مسار التاريخ بمصير شخص، يمتلك الآلة الدعائية الرهيبة التي تقنع الجموع بالإنجاز، وتقلب مآسي الانكسار إلى أهازيج انتصار، بينما واقعهم ينزف دما.

عبد الناصر الذي كان محاطا دائما بأسراب من الجماهير، والجنود، والمصورين، أظهرته بصورة مميزة، بينما كان يحضر نفسه كزعيم ملهم للأمة.

طريق النكسة

الطريق نحو الحرب بدأ منتصف مايو/ أيار 1967، عندما اتخذت القوات المصرية مواقع هجومية على الجبهة الشرقية، وإغلاقها يوم 22  مايو/أيار "مضايق تيران" بالبحر الأحمر في وجه الملاحة الإسرائيلية، وهو ما اعتبرته إسرائيل بمثابة إعلان رسمي للحرب عليها.

بعد ذلك بدأ تخطيط إسرائيلي محكم لشن الحرب على دول الجوار العربي مع مطلع يونيو/حزيران عام 1967، في ظل إستراتيجية خفية ظاهرها عدوان ضد سوريا، حيث أبلغ وفد من الاتحاد السوفيتي مصر أن إسرائيل حشدت 11 لواء على الحدود السورية، وعليه أعلنت مصر تدخلها لمساندة سوريا، وظهرت إرهاصات معركة فاصلة تلوح في الأفق.

في تمام الساعة 08:45 دقيقة صباح الإثنين 5 يونيو/حزيران 1967، ولمدة 3 ساعات، أمطرت إسرائيل مناطق سيناء والدلتا والقاهرة ووادي النيل بغارات جوية.

وتوزعت الغارات على 3 موجات نفذت الأولى 174 طائرة والثانية 161 والثالثة 157 بإجمالي 492 غارة، ودمر فيها 25 مطاراً حربياً وما لا يقل عن 85% من طائرات مصر وهي جاثمة على الأرض. وطبقا للبيانات الإسرائيلية فإنه تم تدمير 209 طائرات من أصل 340 طائرة مصرية.

وقدرت الخسائر البشرية بما يقرب من 25 ألف قتيل، و45 ألف جريح، ووصل عدد الأسرى إلى 5 آلاف، بالإضافة إلى خسارة نحو 80% من الترسانة العسكرية للدول العربية الثلاث مصر، وسوريا، والأردن.

وفي الوقت نفسه كانت الحكومات والصحف العربية تعلن أنباء الانتصار على العدو، وإسقاط طائراته، في حين طالب "موشيه ديان" وزير دفاع دولة الاحتلال آنذاك، حكومته برئاسة "ليفي أشكول"، وقيادات الجيش بالصمت التام، وعدم إذاعة البيانات، وأمر جنوده بالتقدم السريع والاستيلاء على مزيد من الأرض، حتى يتجنب قرار أممي يوقف الانتصار الكاسح، ويمنعه من التقدم.

وعلى الجانب الآخر في مصر، كانت هناك فوضى مدمرة في البيانات والتعامل مع الكارثة، حيث أذاعوا الأغاني الوطنية، بينما كان الجيش ينسحق في سيناء،

وقائد الجيش الفريق عبد الحكيم عامر قدم خطة تراجع، وانسحاب عسكري مدمر بحسب الخبراء العسكريين.

تحدثت التقارير عن تدمير 80%؜ من الترسانة العسكرية لدول المواجهة (مصر- سوريا - الأردن)، وخسارة الضفة، والجولان ، وسيناء، وبانتهاء الحرب حققت إسرائيل نصرا كبيرا كانت له نتائج مهمة عسكريا وسياسيا واقتصاديا، وخسر العرب في هذه الحرب المزيد من الأراضي لصالح إسرائيل، أما الخسائر البشرية والعسكرية للحرب فغالب بياناتها قد تضاربت لكونها معلومات سرية.

بعيون إسرائيلية

في 16 مارس/ آذار 2017، بمناسبة قرابة مرور 50 عاما على حرب 1967، التي شنتها دولة الاحتلال الإسرائيلى، على عدد من الدول العربية، سمحت وزارة الدفاع الإسرائيلية بنشر وثائق نادرة لأول مرة تضمنت شهادة رئيس قسم الاستخبارات العسكرية خلال الحرب، الجنرال آهران ياريف، أمام قسم التأريخ فى الجيش الإسرائيلى.

وذكر ياريف فى شهادته التى أدلى بها فى فبراير/ شباط 1970، ونشرتها جميع الصحف ووسائل الإعلام العبرية "أن المنظومة الأمنية فى إسرائيل توصلت لمعلومات أن مصر تسعى لقطع النقب وفصل شماله عن جنوبه من خلال غزوها بالقوات الخاصة، مؤكدا أنه لولا المساعدات الأمريكية والغربية قبل الحرب وشراء الجيش الإسرائيلى لعشرات الطائرات المقاتلة والمروحيات، ما كان تحقق هذا الإنجاز العسكري".

وقال الجنرال الإسرائيلي: "الهدف الذى تم تحديده فى نهاية الحرب كان توسيع مساحة الدولة، والسلام كان خدعة وليس هدفا"، مضيفا أن تفسير هذا الهدف كان تحسين الوضع الإستراتيجى فى الحرب، وأيضا من خلال حماية مكانة القدس كمدينة عبرية، بالإضاف إلى الأمن، وحماية مصادر المياه، وضمان مناطق معيشة أخرى، بالقدر الممكن من دون إضافة عرب أو إضافة الحد الأدنى منهم".

وحسب ياريف، أصدر موشيه ديان 3 توجيهات بشأن قناة السويس وهى "تدمير الجيش المصري، عدم الدخول إلى القطاع، وعدم الوصول إلى القناة"، وتم سؤاله: "لماذا؟ فقال: "إنه لم يقل لكننى أفسر، القناة تعتبر مسألة دولية، ولا يريد التورط فيها، لكن غزة هى عش الدبابير".

وفي مذكراتها التي ترجمت ونشرت في كتاب تحت عنوان "يوميات قادة العدو.. الحقد" قالت رئيسة وزراء إسرائيل أثناء الحرب جولدا مائير: "أخيرا علمنا بنهاية الحرب واستسلام العرب خلال 6 ساعات استغرقتها قواتنا الجوية لتعطيل 400 طائرة، منها تلك الجاثمة فوق المطارات الأردنية والسورية، وهكذا أصبحت قواتنا الجوية سيدة الأجواء من سيناء حتى سوريا، كذلك سقطت القدس العربية والمدينة القديمة ونحو نصف المملكة الأردنية".

وكشفت المذكرات عن حديث لموشيه ديان في تقديراته للمعركة يقول: "قيادة عبد الناصر، لم تتمكن من تقدير الخطة العسكرية الإسرائيلية بعد بدء الحرب، كما أنها لم تتوصل إلى تقدير صحيح لما كان يجرى فى الميدان، وفى أكثر الأحيان، لم تعرف بما كان يحدث، إلا بعد فوات الأوان".

مضيفا: "وأخيراً، فإنها لم تجد الليونة اللازمة، بعد الضربة، التى شكلها الهجوم الجوى الإسرائيلى، فكانت صدمة نفسية أكثر منها قتالية، فإن كان صحيحا أن إسرائيل حققت السيطرة على الأجواء، فالصحيح أيضاً أن المدن المصرية لم تُضرب، وأن الوحدات المدرعة المصرية فى سيناء كان يسعها أن تقاتل، حتى دون غطاء جوى".

طعنة في الظهر

في أكتوبر/ تشرين الأول 2016، كشف شلومو جازيت، الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، لصحيفة يديعوت أحرونوت العبرية أن ملك المغرب الراحل الحسن الثاني، سجل بصورة سرية مناقشات الحكام العرب عن معركة محتملة ضد إسرائيل، خلال قمة العام 1965، وسلم التسجيلات لجهاز الاستخبارات الإسرائيلي "الموساد" بعد ذلك.

وقال جازيت إن هذه التسجيلات ساعدت الجيش الإسرائيلي بشكل كبير على التحضير لحرب 1967 والتي يطلق عليها "حرب الأيام الستة".

وأضافت الصحيفة: "أنه في اللقاءات التي تم تسجيلها لصالح الموساد الإسرائيلي قدم القادة العسكريون العرب معلومات وفيرة عن نظام المعركة المرتقبة، وتحدثوا بصراحة وشفافية عن الإمكانيات العسكرية المتاحة تحت قيادتهم".

وأكدت أنه في هذه التسريبات إلى جانب اتفاق زعماء العرب على ضرورة الاستعداد للحرب القادمة مع إسرائيل وعواقبها الخطيرة على العالم العربي، كانت هناك كذلك خلافات عديدة بين المشاركين في القمة اطلعت عليها دولة الاحتلال، فعلى سبيل المثال دخل  الرئيس المصري آنذاك جمال عبد الناصر، والملك حسين، ملك الأردن حينها، في جدال حاد حول رؤاهم المختلفة للحرب مع "إسرائيل".

وبناء على هذه المعلومات غير المسبوقة، جهزت إسرائيل للحرب القادمة مع العرب مستندة على ذلك الكم الهائل من التقارير ذات القيمة العسكرية التي استمدتها من التسجيلات، وأصبح لدى قادة الجيش الإسرائيلي ثقة أن بإمكانهم الانتصار في الحرب.

وقال شلومو جازيت: "إنه بفضل هذه التسجيلات، إلى جانب مصادر أخرى، عرفنا مدى عدم استعدادهم (العرب) للحرب، وتوصلنا إلى استنتاج بأن سلاح المدرعات المصري في حالة يرثى لها وغير مستعد للمعركة".

لماذا الهزيمة؟

في مذكراته بعنوان "كنت رئيسا لمصر" كتب أول رئيس لجمهورية مصر العربية محمد نجيب عن فساد جمهورية الضباط التي حكمت البلاد عقب ثورة 23 يوليو/ تموز 1952، وقال: "كان للثورة أعداء، وكنا نحن أشدهم خطورة، كان كل ضابط من ضباط الثورة يريد أن يملك، يملك مثل الملك، ويحكم مثل رئيس الحكومة، لذلك فهم كانوا يسمون الوزراء بالسعاة، أو بالطراطير، أو بالمحضرين، وكان زملاؤهم الضباط يقولون عنهم: طردنا ملكا وجئنا بثلاثة عشر ملكا آخر".

ترك الجيش ثكناته، وانطلق في الحياة العامة وانشغل بإدارة الحكم، وبالصراعات الخفية بين رجال مجلس قيادة الثورة، فكانت الهزيمة المحققة.

دلل على هذا الأمر ما ذكره المشير عبد الغني الجمسى رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية فى مذكراته، التي طبعتها هيئة الكتاب مرتين فى عام 1977، حيث نقل الجمسي عن الفريق محمد فوزى وزير الدفاع المصري إبان حرب 6 أكتوبر/تشرين الأول 1973، فى شهادته أمام لجنة التاريخ  (بعد الهزيمة) أن من أسباب النكسة، دخول القوات المسلحة في الإصلاح الزراعي والإسكان والنقل الداخلي وأعمال مباحث أمن الدولة والسد العالي وأشياء أخرى كثيرة.

وأضاف الجمسي أن من ضمن أسباب الهزيمة أن القوات المسلحة كان لديها مندوبون في  الجهات السابقة يمثلون القمة، أي يمثلون المشير عامر وشمس بدران، مشيرا إلى أن انتشار سلطة القوات المسلحة في مختلف نشاطات الدولة أخرجها أو قلل اهتمامها بمسئولياتها الأساسية، وهى إعداد القوات المسلحة للقتال.

الانسحاب المروع

وفي كتابته عن إعادة بناء القوات المسلحة بعد الهزيمة، أضاف رئيس أركان القوات المسلحة "كانت الخطوة الرئيسية الثالثة لإعادة البناء هي إبعاد قواتنا المسلحة عن كل عمل مدني سبق تكليفها به".

وأشار إلى "أنه أعيد الضباط الذين يعملون في قطاعات مدنية إلى وظائفهم العسكرية أو تم نقلهم نهائيا إلى وظائف مدنية وتم إلغاء وحدات غير مقاتلة كانت مكلفة بأعمال مدنية من اختصاص وزارات أخرى، وبذلك احترفت القوات المسلحة عملها العسكري فقط".

وفي كتابه "الانفجار" أكد الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل، المقرب من عبد الناصر، "عدم جاهزية القوات المسلحة للقتال، وذلك لعدم التدرب على التعبئة العامة، فالطريقة التي جرى بها حشد القوات لسيناء كانت مأساوية.

صحيح أن الكثير من أدبيات تلك الكارثة يركز على مشاهد الانسحاب المروعة يومي 6 و7 يونيو، إلا أن مشاهد  حشد 100 ألف جندي للجبهة دون خطة ولا استعداد كانت هي الأخرى فظيعة، وكانت نذير شؤم لما سيحل بهذه الآلاف المؤلفة من شباب مصر، حسب هيكل.

وأكد عسكريون مصريون في كتبهم التي وثقت لتلك المرحلة، وبينهم جمال حماد وعبد اللطيف البغدادي، وأمين هويدي في كتابه "أضواء على أسباب نكسة 67، وعلى حرب الاستنزاف" أنه بسبب الفوضى انتشرت المحسوبية بين صفوف عدد من ضباط الجيش، وكان الولاء لعامر وبدران أساس الترقية والفوز بالامتيازات، وحكى حماد أن جنرالا شوهد في إحدى المرات وهو يخلع حذاء شمس بدران.

كنتيجة طبيعية لهذه الفوضى، كان كبار الضباط الحاصلين على دورات في الاتحاد السوفياتي، ومشهود لهم بالكفاءة والجدية، ينقلون في الغالب لوزارة الخارجية وإلى سفارات بعيدة، وتضافرت تلك العوامل لتؤدي إلى الكارثة الأكبر والأثقل في تاريخ العسكرية المصرية الحديث.


تحميل

المصادر:

1

كتاب: أضواء علي أسباب نكسة 67 وعلى حرب الاستنزاف – تأليف أمين هويدي

2

حلقة برنامج للقصة بقية (نكسة 67 بعيون إسرائيلية)

3

هل علم جمال عبد الناصر بموعد هجوم إسرائيل عام 1967؟

4

النكسة.. إسرائيل تهزم العرب في ستة أيام

5

خمسون عاما على هزيمة يونيو (١): الحشد التعبوي

6

شهادة الجمسي حول هزيمة 67

7

اللحظات الأولي من حرب 67 شهادة الفريق سعد الدين الشاذلي

8

حرب الأيام الستة فى مذكرات قادة إسرائيل: هجوم مخطط واحتفالات عارمة.. وشماتة فى «عبدالناصر»

9

كيف أطلع الملك المغربي الحسن الثاني “إسرائيل” على استعدادات حرب 1967؟

كلمات مفتاحية :

إسرائيل الشرق الأوسط الصراع العربي الإسرائيلي العلاقات المدنية العسكرية جمال عبدالناصر مصر نكسة 1967