Monday 23 May, 2022

صحيفة الاستقلال

مفتي رواندا السابق لـ”الاستقلال”: حمينا المسيحيين في الإبادة ونحتاج دعما غير المساجد

منذ 2022/03/30 20:03:00 | حوارات
المسلمون لم يتورطوا في الإبادة الجماعية برواندا بل وفروا الأمن والحماية لكل من التجأ إليهم ممن فروا من القتل"
حجم الخط

أكد المفتي السابق لرواندا، الشيخ صالح هابيمانا، أن هناك "فرصا واعدة" لانتشار الإسلام والعمل على الدعوة الإسلامية في بلاده، لكنها تحتاج إلى "عمل منظم" وفق خطة إستراتيجية وعمل جاد يبرز دور المسلمين ويزيد فاعليتهم في المجتمع.

وقال في حوار مع الاستقلال إن "المسلمين لو استغلوا فرصة ما بعد حرب 1994 لنشر الإسلام لبلغت نسبتهم في رواندا 50 بالمئة على الأقل، حيث أقبل الناس على الإسلام لما وجدوه من أخلاق وحماية من المسلمين خلال مجزرة الإبادة الجماعية التي تعرضت لها قبيلة التوتسي".

وأكد هابيمانا أن "موقف المسلمين الهوتو قلل من قتلى مسلمي التوتسي، كما حافظ على أرواح الآلاف من التوتسي المسيحيين مما دفع الكثيرين للدخول في الإسلام".

وأشار إلى أن المسلمين في بلاده "كانوا ولا يزالون أقلية ويمثلون حاليا نحو 15 بالمئة، وقد مر المجتمع المسلم بمراحل صعبة في رواندا، عانت أيام المستعمرين البلجيكيين من أبشع أساليب التعذيب".

وقال هابيمانا إنه "بعد حرب الإبادة التي ارتكبتها قبيلة الهوتو ضد التوتسي تغيرت المفاهيم والنظرة للمسلمين، بسبب الدور الإيجابي الذي لعبوه في هذه الحرب ولعدم تورطهم في سفك الدماء من جهة وتوفير الأمن والحماية لكل من التجأ إليهم ممن فروا من القتل".

وأوضح أن "المسلمين أصبحوا ضمن نسيج المجتمع الرواندي وأكثر تأثيرا وقدرة على تفعيل الجهود السلمية وبناء التسامح بين عرقيتي الهوتو والتوتسي، خاصة وأن المسلمين المنتمين للهوتو لم يتعاونوا مع القتلة".

وعام 1994، شن قادة متطرفون في قبيلة "الهوتو" التي تمثل الأغلبية في رواندا حملة إبادة ضد الأقلية من قبيلة "التوتسي"، وخلال فترة لا تتجاوز 100 يوم، قُتل ما يربو على مليون شخص، وتعرضت مئات الآلاف من النساء للاغتصاب، وكانت غالبية الضحايا من قبيلة "التوتسي".

جذور تاريخية 

كيف وصل الإسلام إلى رواندا؟

الإسلام دخل رواندا قبيل سنة 1814، ولم يدخل إلى بلادنا عبر الدعاة المسلمين أبدا، وإنما جاء عن طريق التجار القادمين من شرق إفريقيا، وهؤلاء التجار كانوا من اليمن أو حضرموت على الأغلب وأناس من عمان.

وجاء التجار بمعاملتهم الإسلامية الإنسانية الخيرية، حيث رأى الناس في هؤلاء التجار المسلمين الحق والأمانة والصدق وعدم الغش في البيع والشراء، وكذلك الصدق في الميزان فأعجب الناس بمعاملات هؤلاء التجار ودينهم.

ومع طول بقاء الوافدين، قرروا التزاوج من المحليين، وبالتالي فهم عرب ومسلمون، وبدأوا التزاوج والانصهار بدون تمييز أو سخرية أو استهزاء، وهكذا بدأ انتشار الإسلام بفضل المعاملة الحسنة والتزاوج من الأفارقة.

كيف ساهم المسلمون في "وأد" حرب الإبادة في رواندا؟

عبر سنوات من عام 1959 الإنسان المسلم مسالم ودائما يقف بجانب المظلومين ويساند ويساعد قبيلة التوتسي، وكان هناك انتشار التصاهر بين مسلمي قبيلتي الهوتو والتوتسي، والمسلمون لم يعرفوا في أوساطهم ما يسمى بالتفرقة العنصرية التي كانت في الأديان الأخرى التي تمنع أن يتزوج إنسان الهوتو من التوتسي والعكس.

ما حدث أن المسلم المنتمي لقبيلة "الهوتو" صار يحمي الآخرين من قبيلة التوتسي، وكذلك كل إنسان هرب من المجزرة ليحتمي بالمسجد لم ينله مكروه ومازال حيا يرزق، أما من هربوا للكنائس قتلوا داخلها، وهناك أكثر من كنيسة على امتداد الأقاليم تعتبر متاحف لمجزرة الإبادة الجماعية والتطهير العرقي ومن لجأ لتلك الكنائس قتل بداخلها.

المسلمون لم يشاركوا في المجزرة، والمسلم كان يعتبر أي فرد من قبيلة التوتسي أمهات أولادهم وأعمامهم، وكان أكبر عدد لآباء المسلمين من قبيلة الهوتو وأكبر عدد للأمهات من قبيلة التوتسي، وهذا عمل رباني تسبب في حماية الكثير من القتل، وهو ما دفع الناس لاعتناق الإسلام بعد المجزرة.

كان المسلمون في رواندا قبل مجزرة 1994 يمثلون 0.5 بالمئة فقط، والآن وصل تعداد المسلمين لـ15 بالمئة؛ بسبب عدم التورط في الدم وقتل الناس والمعاملة الحسنة وأخلاق المسلمين وعدم تعصب الناس لعرقيتهم .

دور المسلمين وحفظهم للدماء خلال وقبل المجزرة يكذب ما يقال عن أن المسلم إنسان متطرف دموي قاتل مدمر طيارات والبنيان من أجل دينه وهو ما لم يحدث مع المسلم الرواندي الذي لم يتعلم كثيرا وكان فقيرا مهمشا ومنعه إسلامه من التورط في المجزرة.

هل كانت هناك توجيهات من أئمة المسلمين بخصوص المذابح؟

نعم، المفتي في هذا التوقيت أصدر قرارا قبل المجزرة بسنتين تحديدا عام 1992 ينص على أن الإنسان المسلم حرام عليه أن يتعصب وحرام عليه أن ينضم إلى القتلة، وأن من يشارك في القتل ليس منا، فكان هذا التوجيه دافعا لعدم الانخراط في الأحداث التي كانت شرارتها موجودة من سنة 1990.

كيف كان دور المسلمين في تحقيق العدالة في مرحلة السلام؟

كان للمسلم في مسار العدالة دور كبير جدا وعندئذ كنت "المفتي"، حيث إن المسلم هو الوحيد الذي كان يتكلم وصوته مسموع وعنده مصداقية، لأنه لم يشارك في حرب الإبادة والقتل فكان له صوت واسع جدا يسمعه من كل القبائل وكل الناس من أسر الضحايا ومن الذين مارسوا المجزرة من الطرفين.

وحتى الرئيس أصبح يشارك المسلمين في أعيادهم ومناسباتهم وبدأت الدولة تعترف بعيدي الفطر والأضحى وحدد يومي العيد عطلة لكل الروانديين إكراما للمسلمين.

إلى أي مدى يساهم المسلمون الروانديين في البناء والتنمية؟

للأسف ليس للمسلمين دور بارز، من المعروف أن أصحاب الديانات ينتمون للبلدان مثلا الكاثوليكي ينتمي إلى الفاتيكان والبروتوستانت ينتمون إلى إنجلترا وأدفانديست ينتمون إلى أميركا، أما المسلم لا ينتمي لأحد لأن العالم الإسلامي والعربي مشغول وليس هناك خطط إستراتيجية التي يستفيد من خلالها المسلمون.

الدول الإسلامية لا تعمل في بلدان غير الإسلامية إلا ببناء المساجد وهو لا ما لا ينبغي الاقتصار عليه، لأن الأولى بناء الساجد قبل المساجد.

كما أن المنظمات الإسلامية لا تعمل إلا في الدعوة، وبعد أن ينطق المسلم الجديد الشهادة لا يعرف إلى أين ينتمي.

هذا على العكس مع من يدخل للديانات والطوائف غير الإسلامية مثل الكاثوليك والبروتوستانت وغيرها تجدهم يبدعون في الصحة والتعليم وفرص العمل.

أهم المعوقات

ما سبب الإقبال على الإسلام في رواندا؟

أقبل الناس في رواندا على الإسلام بعد المجزرة لأنهم وجدوا في المسلمين وتعاليم الإسلام الخير، ولو كانت هناك خطة إستراتيجية علمية مدروسة ونظيفة من الدول الإسلامية الغنية لكان عدد المسلمين وصل للنصف بأقل تقدير.

ومما يؤسف له أن نصف من دخلوا الإسلام في هذه الفترة خرجوا منه، فمن المعروف في القارة السمراء وما بعد الصحراء الكبرى أن الإنسان يدخل الدين طالبا شيئين، التعليم والعلاج، لذلك نحو 70 بالمئة من المدارس دينية والمسلم ليس له فيها مشاركة وكذلك المستشفيات.

ما أبرز المشكلات التي تواجه المسلمين في رواندا؟

ظهر التطرف في بعض الأوساط وهناك من بينهم من انضم لجماعات منها "تنظيم الدولة" وغيرها بسبب الفراغ والبطالة، وهي "حركات مدمرة" وهو ما يستدعي وجود عمل مخطط من قبل العالم الإسلامي والمسلمين المهتمين بوضع خطط لدعم الإسلام والمسلمين وإنقاذهم من تلك الحركات.

يضاف إلى البطالة، الجهل وعدم المعرفة الكافية بالدين وتعاليمه السمحة، فضلا عن انعدام توفر الحدود المطلوبة والمؤسسات الصحية لعلاج المسلمين فيضطرون للعلاج في مستشفيات يسيطر عليها غير المسلمين مما لها من آثار غير إيجابية.

برأيك هل اللغة تمثل عائقا أمام فهم الدين وحقيقته؟

بالتأكيد حتى الهويات واللغات يكون لها مكان وسبب انتماء اللغة العربية تقتصر على الدعوة والوعظ في المساجد بينما يقبل الإنسان على تعلم لغات أخرى كالإنجليزية حتى يجد له فرصة عمل، أما من يتعلم اللغة العربية يكون محصورا بها ولا يستخدمها إلا داخل المسجد ما يستدعي عمل إستراتيجية لمنفعة من يتعلم هذه اللغة.

ما هي معوقات العمل الدعوي في رواندا؟

الفقر والبطالة أهم المعوقات، فكما قلت إن الإنسان الإفريقي يدخل الدين طالبا العلم والعلاج وفرص العمل والانفتاح على العالم، أما المسلم فليس له إلا بيته ومسجده، لذلك حتى النشاطات الموجودة حاليا لرفع مستويات المسلمين هي من عمل حكومة البلاد.

كما أن جمعية مسلمي رواندا ليس لها عمل مخطط وخطة إستراتيجية لمكافحة الفقر رغم أهمية ذلك وأهمية رواندا الإستراتيجية، وهي تعد مدخلا لمنطقة البحيرات العظمى والتي تحتوي على 60 بالمئة من مخزون العالم لكل الأحجار الثمينة.

تصور لو عملنا كمسلمين عملا منظما على أن تكون رواندا مدخلا لهذه المنطقة الثرية، ولكن نأسف لأن المسلمين لا يهتمون بهذه المنطقة، إلا بعض الجهود البسيطة من الإمارات عبر مؤسسة "آل مكتوم".

ما فرص العمل الدعوي وانتشار الإسلام؟

الفرص واسعة، قمنا بعمل مناظرة لمدة ثلاثة أيام فقط دخل فيها 100 شخص للإسلام، ولكن بعد الشهادة لا يجد معنا المسلم الجديد ما نملكه لدعمه في مجالات أساسية على نقيض المسيحيين الذين يشاركون في البناء والتنمية عبر مؤسساتهم المدعومة.

كيف تقيم الحريات الدينية في رواندا؟

حريات الأديان في رواندا متاحة جدا وأكثر مما تتصور حتى في العالم الإسلامي، لا أدري من هو حر في دينه كالإنسان المسلم الرواندي أبدا، ولكن عندما تعطى الحريات لابد أن تكون معها مسؤوليات ومن ثم العودة بالنفع على الوطن.

هل تواصلتم مع جهات أو دول إسلامية لمساعدة مسلمي رواندا؟

نحاول بقدر الإمكان التواصل مع المسلمين في أي مكان لمساندة مسلمي رواندا وإعانتهم على المشاركة في تنمية بلادهم وتعظيم فعاليتهم في المجتمع، ومن ثم فتح آفاق رحبة للدعوة الإسلامية في هذه المنطقة، ونخاطب كل المسلمين عبر منبركم للتعاون مع المسلمين في بلادنا.

هل الدولة تساعد المؤسسات الإسلامية؟

الدولة في رواندا لا تخص طائفة دون غيرها، وتتعامل مع الناس بغض النظر عن ديانته، لكنها وهو الأهم تفتح الأبواب لأي جهة تدعم المنتمين إليها، ولا تعارض القادمين من الخارج سواء مسلم أو مسيحي أو غيره للمساعدة والتنمية.


تحميل

كلمات مفتاحية :

إفريقيا المسلمون حرب الإبادة رواندا صالح هابيمانا