Monday 16 May, 2022

صحيفة الاستقلال

“غوفرين غير مرغوب فيه”.. ما الذي أثار غضب المغرب تجاه ممثل إسرائيل بالرباط؟

منذ 2022/01/28 12:01:00 | تقارير
"المغرب يحترم اتفاقية فيينا ويتأطر ببنودها في علاقاته الدولية المبنية على التوافق"
حجم الخط

مع استقبال العاهل المغربي محمد السادس، عددا من السفراء الأجانب الجدد المعتمدين في 17 يناير/كانون الثاني 2022، "غاب" رئيس مكتب الاتصال الإسرائيلي لدى الرباط، دافيد غوفرين الذي أعلن نفسه سفيرا منذ 10 أكتوبر/تشرين الأول 2021.

إعلان غوفرين دون التزامه بالإجراءات الدبلوماسية البروتوكولية المتعارف عليها دوليا، قابله صمت من الرباط دام أكثر من ثلاثة أشهر.

هذا الصمت فتح الباب للتخمينات الإعلامية والتحليلات عن أسباب تجنب تأكيد أو نفي المملكة تغريدة غوفرين الذي خلق الجدل منذ وصوله المغرب في يناير 2021، بعد استئناف العلاقات نهاية 2020 بموجب اتفاق لتطبيع العلاقات رعته الولايات المتحدة.

غضب رسمي

وتعقيبا على عدم استقبال الملك لغوفرين، قال المتحدث باسم الحكومة المغربية، مصطفى بايتاس، في 20 يناير 2022 خلال ندوة صحفية: "بخصوص مسألة السفراء، بلادنا تحترم اتفاقية فيينا التي تضبط جميع المسارات البروتوكولية المرتبطة بهذا المجال"، دون ذكر تفاصيل أخرى.

وتنص المادة 4 من اتفاقية فيينا لعام 1961، على أنه "يجب على الدولة المعتمدة أن تتأكد من الحصول على موافقة المعتمد قبل اعتماد مرشحها رئيسا لبعثتها لدى الدولة الثانية".

كما أن الدولة المعتمد لديها ليست مضطرة لأن تذكر لنظيرتها أسباب رفضها قبول الممثل المقترح، وفق المادة.

ودون علم الرباط، وفي 10 أكتوبر 2021 غرد غوفرين قائلا: "أتشرف أن أشارك متابعي وأصدقائي من جميع أنحاء العالم خبر تعييني كسفير رسمي لدولة إسرائيل بالمغرب".

وأضاف "أشكر بهذه المناسبة كل شركائنا بالمغرب وخارجه على مجهوداتهم لإرساء السلم والسلام، سنتابع عملنا للسير نحو تطوير العلاقات المشتركة لصالح البلدين الشقيقين".

لكن بعد ثلاثة أشهر من تغريدته وفي حوار مع المجلة المغربية الناطقة بالفرنسية (Le Maroc Hebdo)، نشرته في 14 يناير 2022، سأل الصحفي، غوفرين: "بداية لا نعرف كيف نناديك، السيد المدير القائم بالأعمال أم السفير؟"

وأجاب: "وصلت إلى المغرب في يناير 2021 لتولي منصب رئيس مكتب الاتصال في الرباط، والذي أعيد افتتاحه بعد استئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين قبل ذلك بشهر".

وأضاف "في أغسطس/آب 2021، اتفق وزيرا خارجية البلدين على رفع التمثيل الدبلوماسي إلى مستوى السفارات، وبعد شهرين، وبناء على هذا الاتفاق عينتني تل أبيب رسميا سفيرا".

واستدرك غوفرين موضحا: "يجب أن أقدم نسخا من أوراق الاعتماد الخاصة بي إلى السيد (وزير الخارجية ناصر) بوريطة في الأسابيع المقبلة، والنسخ الأصلية إلى الملك بعد ذلك. نحن نتحلى بالصبر والهدوء حيال ذلك".

من جهته، قال موقع "بوابة إفريقيا الإخبارية" في مقال نشره في 21 يناير 2022 إنه "يبدو من خلال بعض المصادر المطلعة، غوفرين لم يعتمد رسميا من قبل بلاده، لكون العلاقات بين البلدين لم تصل بعد إلى مرحلة تبادل السفراء".

وأضاف "لا تخف جهات مطلعة، (غضب مغربي رسمي) من تجرؤ رئيس مكتب الاتصال على إعلانه (ترسيم) نفسه (سفيرا) على تويتر، في غياب أي معطيات أو قرارات رسمية، مما سبب (إحراجا) من المفترض أن لا يصدر عن دبلوماسي محترف" .

من جانبه، قال المحلل السياسي والخبير في العلاقات الدولية، حسن بلوان، إن "إعلان مدير مكتب الاتصال الاسرائيلي بالمغرب نفسه سفيرا أثار الكثير من النقاش الذي زادت حدته بعد غيابه عن لائحة رؤساء بعض البعثات الدبلوماسية المعتمدين الذين استقبلهم العاهل المغربي".

وأضاف بلوان في حديث لـ"الاستقلال" أن "هذا الغياب راجع بالأساس إلى طبيعة التدرج التي اتسمت بها العلاقات المغربية الإسرائيلية منذ استئنافها أواخر 2020".

واعتبر أن "الحماس الذي واكب استئناف العلاقات بالإضافة إلى الدينامية التي شهدها التعاون الثنائي الذي أثمر على التوالي زيارة وزيري الخارجية (يائير لابيد) والدفاع (بيني غانتس) الإسرائيليين إلى الرباط (في نوفمبر/تشرين الثاني 2021)، وتوالي الرحلات الجوية، ربما هي التي دفعت بغوفرين إلى ترقية نفسه لمرتبة سفير".

واستدرك بلوان قائلا: "لكن هذه الترقية كانت دون مراعاة الضوابط الدبلوماسية التي تقتضي تقديم أوراق الاعتماد والاستقبال من طرف رئيس الدولة (الملك) أو وزير الخارجية".

وتابع: "في هذا السياق أستبعد محاولات الضغط لمدير مكتب الاتصال الإسرائيلي، لأن آليات استئناف العلاقات بين الجانبين كانت واضحة ومرتبطة باتفاق ثلاثي تنضاف إليه وترعاه واشنطن".

قنبلة كبيرة

لكن إلى جانب إعلانه نفسه سفيرا، يرى متابعون أن هناك أخطاء ارتكبها "رئيس مكتب الاتصال الإسرائيلي بالمغرب" أثارت غضب سلطات المملكة ومنها، عدم دعمه الصريح لمغربية الصحراء.

وفي 10 ديسمبر/كانون الأول 2020، أعلن الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، اعتراف بلاده بسيادة المغرب على إقليم الصحراء، وفتح قنصلية أميركية بمدينة الداخلة في الإقليم المتنازع عليه بين الرباط وجبهة "البوليساريو".

وبالتوازي أعلن استئناف العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل والمغرب، بعد توقفها عام 2000.

وكشفت صحيفة "Ecsaharaui" الإسبانية، أن "العلاقات بين إسرائيل والمغرب تمر ببرود ملحوظ، توجت برفض الملك محمد السادس استقبال الدبلوماسي غوفرين".

ولفتت في مقال نشرته في 22 يناير 2022 إلى أن "المغرب أرجأ افتتاح سفارته لدى إسرائيل، بسبب موقف الأخيرة من نزاع الصحراء، وغياب الدعم الإسرائيلي للرباط لدى واشنطن".

وأشارت إلى أن "الأوساط المطلعة على العلاقات ترجح وجود برود بين الجانبين، مرده انتظار المغرب من إسرائيل توضيحات في المواقف (..) ولن يقدم على الترخيص بفتح السفارة حتى التزام الطرف الآخر".

وتابعت: "لا يفهم المغاربة تردد إسرائيل في الاعتراف بمغربية الصحراء بعد الاعتراف الأميركي، وكان تصرف غوفرين صادما للمغاربة عندما صرح لوكالة الأنباء الإسبانية خلال أكتوبر/تشرين الأول 2021 بالتزام بلاده الحياد في النزاع والاكتفاء بدعم الأمم المتحدة، وكانت تصريحاته بتأثير القنبلة الكبيرة".

واعتبرت الصحيفة الإسبانية أن "اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة لم يلعب دورا بارزا في الدفاع عن قضايا المغرب، ومنذ مجيء الديمقراطيين إلى الحكم بزعامة جو بايدن، تعرضت مصالح الرباط إلى هزات عنيفة".

كما صوت الكونغرس ضد اتفاقيات بيع أسلحة إلى المغرب، وأيضا تتبنى الخارجية الأميركية لهجة غامضة في ملف الصحراء، وفق قولها.

من جانبه، يرى المحلل السياسي بلوان أن "السياق المختلف الذي جاء فيه استئناف العلاقات بين المغرب وإسرائيل لا يرتبط بشخص غوفرين نفسه أو بديله بقدر ما يهم اتفاقا ثلاثيا حضرته ورعته واشنطن".

وشدد على أن "أي تقدم في بنود هذا الاتفاق، سيزيد من تطوير العلاقات المغربية الإسرائيلية التي يمكن أن ترتقي بغوفرين إلى مرتبة سفير أو الإبقاء عليه كمدير لمكتب الاتصال".

واستطرد بلوان قائلا: "لذلك أعتقد أن المغرب يتحرك بتريث وتأنٍ في علاقاته مع إسرائيل ويتحرى فيها التدرج، خاصة أنه يوازي بين القضية الفلسطينية باعتبارها قضية لكل المغاربة، وبين السير قدما في الاتفاق والتعاون الثنائي والتطبيع الكامل".

حماس زائد

في حوار لصحيفة "معاريف" العبرية مع وزير التخطيط الإستراتيجي الإسرائيلي، إيدي أفيدار، أبدى تخوفه من انهيار الاتفاق الدبلوماسي الموقع مع المغرب، بسبب ارتباطه باتفاق بين الرباط وواشنطن.

وانتقد الوزير "الاتفاقيات الدبلوماسية الموقعة مع المغرب والبحرين والسودان لأنها كانت بمقابل دفعه الأميركيون، عكس الإمارات التي كانت مستعدة لتوقيع اتفاق مع إسرائيل حتى بدون الأميركيين".

واعتبر أفيدار أن "اتفاقات أبراهام ينبغي أن تبنى على بنية تحتية ثنائية مستقرة، وإلا فلن تستمر طويلا إذا ارتبطت بأميركا".

وأمام هذه التخوفات لدى الإسرائيليين، وإلى جانب إعلان نفسه سفيرا، يتحدث متابعون أن غوفرين وأمام أخطائه المكررة "قد يصبح شخصا غير مرغوب فيه".

إلا أن الخبير في العلاقات الدولية، خالد شيات، اعتبر أن "الاتفاق الذي جمع المغرب وإسرائيل من جهة، والرباط وواشنطن من جهة ثانية هو في نسق مواز، ويدخل في إطار تعزيز قيم محددة في العلاقات الدولية المعاصرة".

وأوضح في حديث لـ"الاستقلال" أن "أول هذه القيم، حل سلمي للنزاعات والتوجه نحو السلمية لإيجاد حلول لمجموعة من القضايا، بما فيها المحافظة والمقررات التي تحكم القضية الفلسطينية من أولويات التي تحدد حقوق الشعب الفلسطيني".

وأضاف "لم نكن في حالة تخرج عن نسق مبدئي ولا عن قانوني، فبعد زيارة وزير خارجية إسرائيل للمغرب، جرى الاتفاق على تطوير العلاقات إلى المستوى الدبلوماسي، وبالتالي تبادل السفراء".

ويعتقد شيات أن "البلدين يسيران في نوع من التصاعدية على مستوى التعاون، لكن الجانب البروتوكولي يصعب الحديث عن ماهية هذه المحددات التي ذهبت في عدم استقبال غوفرين، خاصة أن الاستقبال وعدمه، مرتبط برئيس الدولة أي جلالة الملك".

وشدد على أن "الملك الذي هو وريث الشكليات والدبلوماسية التي وضعها وأقرها الراحل الحسن الثاني، لا يريد أن يتنازل عن أي شق من هذه الجوانب الشكلية والبروتوكولية في العلاقات بين الدول، لأن هذا يعكس جانبا مرتبطا بالمغرب والدولة والقيم التي تحكمه وعلى رأسها الاعتزاز بالوطنية".

وتابع شيات: "من هذه النقطة، يمكن القول إن الجوانب الشخصية في تعيين غوفرين تكون قد لعبت دورا معينا، ربما طبيعة الشخصية والمبادراتية والحماس الزائد الذي عبر عنه خلال تواجده بالمغرب، فيما أرادت الرباط أن تعطيها حجمها الحقيقي".

واستطرد الخبير في العلاقات الدولية: "هذا ليس تطبيعا، بل علاقة تجمع دولتين في نسق متعدد الأطراف، لا يجب أن تكون فيها أخطاء، كيفما كانت، خاصة أنها في بداية مسارها".

ويرى أن الأمور عادية في مسارها العام، "لكن ربما غير طبيعية في نسق بروتوكولي وشكلي، وإعادة تصحيح المسارات جزء من العلاقات الطبيعية في المستقبل".

خرجات بهلوانية

وعن غضب الرباط من غوفرين أمام المعطيات المتداولة، لفت المحلل السياسي، بلوان، إلى أن "الأعراف الدبلوماسية المغربية العريقة تعبر دائما عن انزعاجها لتحركات أو تصريحات بعض البعثات الدبلوماسية، لكن حجم الانزعاج يوازي حجم التجاوز".

ويعتقد أن التجاوز الوحيد الذي أغضب الرباط هو انتقاد غوفرين علانية عبر تويتر السنة الماضية (في 25 مايو/أيار 2021) لرئيس الحكومة السابق سعد الدين العثماني بعد تهنئته لحركة المقاومة الإسلامية حماس (بالانتصار في حرب غزة). وحذف المسؤول الإسرائيلي تغريدته لاحقا.

وزاد: "أما ما عدا ذلك، فمدير مكتب الاتصال موجود في الرباط ويمارس مهامه بشكل عادي وطبيعي".

وأشار الخبير في العلاقات الدولية، إلى أن "تصريح المتحدث باسم الحكومة مصطفى بايتاس ربما زاد الغموض في ملف مدير مكتب الاتصال الإسرائيلي".

وتابع: "المغرب يحترم اتفاقية فيينا ويتأطر ببنودها في علاقاته الدولية المبنية على التوافق أولا، وحتى اتفاقية فيينا في مادتها 4 لا تفرض مستوى التمثيل الدبلوماسي بين الدول ما دامت تشترط التراضي والموافقة الثنائية، إذن ليست هناك أي مؤشرات يمكن أن تجزم بأن غوفرين شخص غير مرغوب فيه، ما لم تعبر الدولة رسميا بذلك".

من جانبها، قالت شامة درشول المستشارة الإعلامية السابقة لمدير الاتصال الإسرائيلي: "غوفرين، الذي يعترف بعظمة لسانه أنه لم يقدم أوراق اعتماده بعد، يؤكد مرة أخرى أن خرجاته البهلوانية كانت محاولة فاشلة لابتزاز المغرب اتضح من خلالها خرق سافر من إسرائيل لكل أعراف الدبلوماسية، وإهانة لملك البلاد، والدولة".

وأفادت عبر تدوينة نشرتها في 18 يناير 2022، بأن "من يتحلى بالصبر والهدوء هو الدولة العميقة في المغرب التي عرفت كيف تستفيد من أخطاء غوفرين لتقلب أوراق الضغط التي كانت تستعملها وزارة الخارجية الإسرائيلية ضد الرباط، وهو الواقع الذي يرفض وزير خارجية إسرائيل، وسفيره على تويتر غوفرين الاعتراف به بعد فشل ورقة الابتزاز بقضية الصحراء".

ولفتت درشول إلى أن "غوفرين توعد المغرب ووفى بوعيده، فبعد تغريدته ضد العثماني رئيسا للحكومة، غرد معلنا تعيين نفسه سفيرا في إهانة واضحة للملك، ولوزارة الخارجية، ولتقاليد الدبلوماسية".

وتابعت: "بعدها غرد بكل ما أوتي من خبث مهنئا المنتخب المغربي على هزيمته للمنتخب الفلسطيني (في كأس العرب نهاية 2021)، ولو تمعن لتبين أن غوفرين يوجه إهانات مباشرة للملك، والدولة، والشعب وحتى الطائفة اليهودية".

وختمت درشول قائلة: "الأمر أكبر بكثير من مجرد خلاف شخصي بيني وبين غوفرين، وأكبر حتى من الأخطاء الدبلوماسية التي يتعمد ارتكابها، وليست عن جهل كما يعتقد البعض، هو يعرف جيدا ما يقوم به، ويتعمده، يتعمد التشويش، والابتزاز، والاستفزاز، هذه وصفته التي فشلت في المغرب".


تحميل

المصادر:

1

لا سفير لإسرائيل في المغرب

2

دافيد جوفرين: “اعتراف اسرائيل بمغربية الصحراء ممكن”

3

المغرب يؤجل فتح السفارة الإسرائيلية بسبب موقف إسرائيل من نزاع الصحراء

4

المغرب: نحترم اتفاقية فيينا التي تضبط المسارات البروتوكولية

كلمات مفتاحية :

إسرائيل إقليم الصحراء استئناف التطبيع المغرب الولايات المتحدة دافيد غوفرين فلسطين