Sunday 22 May, 2022

صحيفة الاستقلال

تأمين الحدود مجرد مدخل.. ما معوقات التعاون الاقتصادي بين العراق والأسد؟

منذ 2022/01/23 12:01:00 | تقارير
من خلال موقع سوريا الإستراتيجي يستفيد نظام الأسد من سلاسل توريد النفط
حجم الخط

مجددا يدور الحديث عن محاولات عراقية مع النظام السوري لفتح ثغرة في الحدود بين البلدين، تمهيدا لإعادة تنشيط الطريق بين بغداد ودمشق وجعله طريقا تجاريا مزدهرا.

وفي الوقت الراهن بات النظام السوري والعراق متفقين على الحاجة لتأمين الحدود بينهما في ضوء استمرار هجمات تنظيم الدولة المتفرقة.

ولكن دون الاعتماد على المليشيات الإيرانية المصممة بنفس القدر على إبقاء سيطرتها على المنفذ الحدودي - مدينة البوكمال من الجهة السورية والقائم من العراقية.

لقاءات استخباراتية

ولهذا جرى التأكيد مرة أخرى على ضرورة تعزيز التعاون الاقتصادي الثنائي بين النظام السوري والعراق باجتماع عقد في 14 ديسمبر/كانون الأول 2021 بين القائم بالأعمال العراقي في سوريا ياسين شريف الحجيمي ووزير الاقتصاد والتجارة الخارجية بدمشق محمد سامر الخليل.

ولتعزيز ذلك، أوفدت بغداد ملحقا اقتصاديا إلى دمشق، فضلا عن استضافة بغداد أكثر من 170 شركة سورية، في أحدث معرض تجاري لها بعنوان "صنع في سوريا" في 26 ديسمبر/كانون الأول 2021 ضمن عرض كبير لهذه العلاقات التجارية المتجددة.

 وطرحت الشركات السورية القادمة من مناطق نفوذ رئيس النظام بشار الأسد، خلال المعرض المئات من أنواع الصناعات النسيجية والصحية والغذائية والكهربائية والتجميلية.

ويعتبر العراق من أهم الأسواق للبضائع السورية، بسبب جودة المنتج المحلي السوري، وأسعارها المناسبة التي يخدمها قصر المسافة البرية لوصولها.

لكن أمام تحقيق عودة النشاط الاقتصادي بين البلدين، عقبات جمة، لا يمكن القفز عليها، بعيدا عن الحالة المليشياوية السارية دونما توقف والمتمثلة بنقل إيران ما تشاء إلى سوريا ولبنان عبر العراق.

ومع ذلك، فإن فرحة حكومتي الأسد وبغداد بالتعاون التجاري الناتج أخيرا لم تكتمل بعد، إذ لا يزال لدى كليهما مخاوف جدية بشأن أمن الحدود المشتركة.

ولا سيما أن الوضع الأمني يحتدم بشكل خاص عند معبر البوكمال- القائم، والذي بدونه لن تتدفق التجارة بين العاصمتين.

لذلك، دعت أجهزة الاستخبارات السورية والعراقية إلى تأمين الحدود، لكنهما يكافحان لاستعادة السيطرة على المعبر الذي تسيطر عليه المليشيات الموالية لإيران والتي لا ترغب في التنازل عنه.

وصرح المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة العراقية يحيى رسول بفخر في 19 ديسمبر 2021، بأن الجيش أمن الآن ما نسبته 80 بالمئة، من 600 كيلومتر من الحدود مع سوريا، والتي يصعب غالبا السيطرة عليها لأنها منطقة صحراوية.

وسبق ذلك إعلان سلطات بغداد تخصيص صندوق جديد لتعزيز دفاعات الحدود بالسدود الترابية وأبراج المراقبة والتحصينات والأسلاك وكاميرات المراقبة الحرارية.

وتحرس الحدود مجموعة وحدات متنوعة من الفرقتين السابعة والثامنة في الجيش العراقي، والشرطة الاتحادية، وجهاز المخابرات الوطني وقوات مكافحة الإرهاب، وفق ما نشرت مجلة "إنتيليجنس أونلاين" الفرنسية المتخصصة في شؤون الاستخبارات في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2021.

خطة الأسد

فيما يشرف على كل ذلك قائد قوات حرس الحدود العراقي الفريق الركن حامد الحسيني، وهو المسؤول أمام وزارة الداخلية.

ويشمل دور الحسيني تنسيق الجهود مع الوحدات السورية التي كلفها الأسد بمراقبة الحدود من الجانب السوري في البوكمال.

كما سبق أن أرسل الأسد في مطلع ديسمبر 2021 رئيس مخابراته الجديد اللواء حسام لوقا إلى محافظة دير الزور للإشراف على دمج السكان المحليين.

وانطلاقا من هذه المنطقة النائية وبعد مدينة الميادين، أقام لوقا مركزا جديدا، أطلق عليه النظام اسم مركز "المصالحة" في البوكمال بتاريخ 14 ديسمبر من العام المذكور، على أن يجري نشر عناصر المركز للمساعدة في تأمين الطريق الإستراتيجي بين دمشق وبغداد.

في حين أن بغداد ودمشق مصممتان على إظهار سيطرتهما على الحدود، إلا أن جزءا كبيرا منها على الجانب السوري لا يزال في أيدي مليشيا قوات سوريا الديمقراطية "قسد" المدعومة من الولايات المتحدة.

وهذا الجزء المذكور يبدأ من الضفة اليسرى لنهر الفرات في دير الزور وصولا إلى محافظة الحسكة عند التقاء الحدود العراقية التركية.

وتوجد مشكلة في التغلب على وجود المليشيات الشيعية الموالية لإيران. وقد سبق إحضار هذه الوحدات في الأصل لقتال تنظيم الدولة، الذي لا يزال عناصره المتبقون يتسللون عبر الحدود المليئة بالثغرات، في وقت لم يكن أمام العراق وسوريا خيار سوى الاعتماد على مساعدتهم.

وهناك ما لا يقل عن ثلاث مليشيات بقيادة الحرس الثوري الإيراني تعمل على جانبي الحدود، منها: عصائب أهل الحق، كتائب حزب الله، وكتائب سيد الشهداء.

إذ كانت هذه المليشيات تستفيد إلى أقصى حد من الوضع غير المستقر للاستحواذ على بعض شحنات البضائع المتدفقة عبر الحدود، حتى أن مليشيا فاطميون المكونة من أفغان أرسلتهم طهران إلى سوريا، لا تزال متمركزة في البوكمال.

وطمس تنوع القوات القائمة على حراسة الحدود قدرة الدول على ضمان الحوكمة الفعالة، وساهم في إثارة التوترات في مناخ أمني لا يزال متقلبا.

على سبيل المثال، تصاعدت الاشتباكات بين المليشيات الشيعية وقوات الدفاع الوطني التابعة للأسد في البوكمال، في 15 ديسمبر 2021، لدرجة أن الشخصية الإيرانية العامة الحاج عساكر (اسمه الحقيقي غير معلن) اضطر للتدخل لتهدئة الأوضاع.

وكان هناك قلق مماثل من الجانب العراقي في القائم، حيث سئم السكان نظام المراقبة المزدوجة، على الرغم من أن كتائب حزب الله جزء من مليشيا الحشد الشعبي الذي ترعاه الدولة العراقية، إلا أنها وضعت كاميرات المراقبة الخاصة بها في المدينة الحدودية.

حواجز أميركية

بصرف النظر عن عدم قدرة العراق وسوريا على استعادة سيادتهما بالكامل على المنطقة، التي جرى التنازل عن جزء منها لجهات فاعلة قريبة من إيران، فإن الولايات المتحدة وإسرائيل قد دخلتا أيضا على هذا الخط.

وخاصة أن الولايات المتحدة تشن غارة جوية على كتائب حزب الله وكتائب سيد الشهداء على الأراضي السورية، وأبرزها الضربة في 10 مارس/آذار 2021.

فيما أن الطائرات بدون طيار التي يفترض أنها إيرانية تستهدف بانتظام حامية التنف، القاعدة العسكرية الأميركية على الحدود العراقية السورية.

وقد أدى ذلك إلى استمرار الاضطرابات على الحدود، وخلق بيئة غير مناسبة لاستعادة طريق التجارة المزدهر.

ولعبت قاعدة التنف الأميركية جنوبي سوريا على الحدود مع العراق، دورا كبيرا على مدى نصف عقد في قطع يد إيران في خضم سعيها لفتح طريق بديل لها عبر البادية السورية، غير الطريق السريع بغداد – دمشق المرصود أميركيا والذي حرم طهران من تسيير قوافل الإمدادات بشكل مباشر منها إلى دمشق ثم بيروت.

وحسب الخبير الاقتصادي أسامة التميمي، فإن "إقامة أي علاقات اقتصادية بين بلدين يجب أن يتوفر فيها العديد من الأسس حتى يكون البناء على أسس ثابتة ورصينة يمتد إلى سنوات طويلة لا لفترة زمنية قصيرة".

وأضاف التميمي لـ "الاستقلال" أن "هذا الأمر ليس سهلا بدون توفير قاعدة أساسية يجري على أساسه إقامة علاقات اقتصادية متطورة تقوم على أسس الاستثمار والتبادل التجاري بشكل واسع وانتقال أموال بين البلدين بشكل كبير".

واعتبر التميمي أنه "بالرغم من الأطروحات العديدة التي نوقشت خلال اللقاءات القليلة التي حدثت بين مسؤولين عراقيين وسوريين على مستويات وأوقات مختلفة فإن القاعدة الحقيقية لإطلاق تعاون اقتصادي أو استثماري بين البلدين ما زال بعيد المنال".

واستدرك قائلا: "أهم مرتكزات التعاون الاقتصادي بين سوريا والعراق هي وجود الرؤية السياسية والاستقرار الأمني والتعاون الدولي وتطوير العمل المصرفي وهذه العناصر المهمة ما زالت غير متوفرة بشكل متباين، خصوصا في الجانب السوري والتي تشكل عائقا مهما لمثل هذه الاتفاقيات في الوقت الحاضر".

ومضى يقول: "ناهيك عن العقوبات الأميركية المتمثلة بقانون قيصر وكذلك الأوربية والعربية المفروضة على النظام السوري التي تشكل عائقا مهما أيضا لمثل هذه الاتفاقات".

و"قانون قيصر" الأميركي أقره الكونغرس ودخل حيز التنفيذ منذ 17 يونيو/حزيران 2020، ويهدف لمعاقبة الداعمين والمتعاملين مع النظام السوري.

وذهب التميمي للقول: "التفكير في مثل هذا الموضوع بالوقت الحاضر وفي ظل المعطيات الموجودة يعد أمرا من الخيال وبعيدا عن الرؤية الموضوعية، ولا يعدو كونه للاستهلاك الإعلامي فقط من طرف النظام السوري الذي يعاني وضعا اقتصاديا مزريا يحاول من خلال هذه التحركات أن يوهم حاضنته الشعبية أنه يبحث عن طرق بديلة".

وحاليا تعتبر الحدود السورية العراقية طوق الإمداد للمليشيات الإيرانية، إذ إن أي تفاهم بعيدا عنها، سيؤدي بشكل مباشر لتعطيل الحركة الاقتصادية بين البلدين حتما.

والعراق هو عبارة عن ممر إستراتيجي لكل ما تريد إيران إيصاله إلى سوريا، وبالتالي هناك من يرى أن الحدود مفتوحة على مصراعيها بقيادة أدوات طهران المليشياوية.

تحدي المليشيات

في هذا الإطار، يؤكد حاتم الفلاحي الخبير العسكري والباحث بمركز "راسام" للدراسات السياسية والإستراتيجية، لـ "الاستقلال"، أن "النشاط الاقتصادي بين بغداد ونظام الأسد هو مستمر طوال الفترة الماضية، إذ كانت القوافل تخرج بحماية الحشد الشعبي العراقي وتدخل الأراضي السورية، إلى جانب الأسلحة والدعم اللوجستي".

ولهذا يتفق الفلاحي مع الكثيرين ممن يرون أن العقبات أمام تنشيط طريق بغداد ودمشق ما تزال محفوفة بالمخاطر، ويرجع ذلك إلى أن "الحدود كبيرة جدا بين العراق وسوريا".

ومضى يقول: "لا يمكن السيطرة على الحدود من قبل الحكومة العراقية التي تعاني من نقص أدوات المراقبة والطائرات المسيرة التي تحتاجها لحماية المساحات الشاسعة التي تذهب إلى أكثر من 650 كيلومترا، في المقابل النظام السوري حاليا لا يمتلك من القوة ما يمكنه من حماية حدوده".

واعتبر الباحث العسكري أن "القضايا الاقتصادية باتت مهمة لكل دول الجوار لسوريا وقد تجد لها أسواقا فيها خلال الفترة المقبلة، لكن هذا مرتبط مع مدى العقود التي يمكن أن تبرم مع النظام السوري".

وكان العراق ولبنان توصلا في 21 ديسمبر 2021، لاتفاق يقضي بإمداد بغداد لبيروت بالنفط الخام، عبر الأراضي السورية، لتشغيل مولدات الطاقة الكهربائية هناك.

ومن خلال موقع سوريا الإستراتيجي، يستفيد النظام من سلاسل توريد النفط أو من طريقة تسديد بيروت ثمن النفط الخام لبغداد والذي قد يكون من المنتجات الغذائية المصنعة في لبنان.

وهذا ما أشار إليه الفلاحي بقوله: إن "النفط والغاز كان العراق طوال الفترة الماضية يزود النظام السوري بما تحتاجه من هذه الإمدادات التي كانت تصل أيضا إلى لبنان".

وختم بالقول: "ما يجري هو ضمن عملية إعادة دمج النظام السوري بعد أن فقد شرعيته، ويبدو أن المصالح الغربية تقتضي بقاءه في الحكم، لذلك يعيدون تأهليه عبر إعادة فتح العلاقات مع دول الجوار".

ورغم أن العراق من الدول الداعمة للنظام السوري في المحافل العربية والدولية سياسيا، فإن البلد يبدو حذرا من إنشاء "علاقة قوية" معه، مراعاة للضغوط الأميركية خاصة.

كما أن العراق لا ينفي مساعيه المتكررة لدعوة الجامعة العربية لإعادة النظام لشغل مقعد سوريا، الذي حرم منه منذ عام 2011؛ نتيجة "إفراطه في العنف" وقتل الشعب السوري عقب اندلاع الثورة في مارس/آذار من ذلك العام.

إلا أنه دائما ما كانت حسابات بغداد تجاه الأسد، مرتبطة بالحدود بين البلدين، ومستوى ضبطها عبر تنسيق الجهود الاستخباراتية بينها.

ولهذا أرسلت بغداد قائد هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض المقرب من إيران، أكثر من مرة للقاء رئيس النظام السوري بشار الأسد في دمشق وبحث قضايا مهمة.


تحميل

المصادر:

1

  Syrian and Iraqi spymasters share challenge of cross-border insecurity

2

مباحثات سورية عراقية حول أمن الحدود وملف “مخيم الهول”

3

تنسيق عراقي سوري رفيع المستوى لتأمين الحدود ومكافحة الارهاب

4

الفياض في دمشق.. “الخارجية العراقية” تنفي دعوة الأسد لقمة بغداد

كلمات مفتاحية :

إيران الحشد الشعبي العراق تنظيم الدولة حدود مشتركة سوريا سوريا الديمقراطية لبنان