Monday 23 May, 2022

صحيفة الاستقلال

تقرير الحالة العربية: يناير/كانون الثاني 2022

منذ 2022/02/01 20:02:00 | الحالة العربية
تثبت الأحداث في عالمنا العربي أن الثورة كالنار تحت الرماد، تنتظر من ينفخ فيها لتشتعل وتأكل وكلاء الاستعمار
حجم الخط

المحتويات

مقدمة

المحور الأول: كورونا في الوطن العربي

العراق

الأردن

المحور الثاني: الحالة السياسية

الحالة السودانية (استقالة حمدوك واستمرار الاحتجاجات، استمرار الاحتجاجات الشعبية، تشكيل حكومة تصريف أعمال)

الحالة الإماراتية (تطور العلاقات الإماراتية التركية، خطوات نحو التقارب بين أبوظبي وأنقرة)

الحالة الليبية (الخلافات حول الانتخابات القادمة وحكومة الدبيبة، تمديد تفويض البعثة الأممية)

الحالة التونسية (استمرار المعارضة لإجراءات قيس سعيد، إطلاق المنصة الإلكترونية للاستشارة الشعبية، جلسة افتراضية للنواب ورفض قرارات قيس سعيد)

المحور الثالث: الاقتصاد العربي

هجوم الحوثيين على الإمارات وتفويت فرصة الاستفادة من ارتفاع أسعار النفط

الحد الأدنى للأجور بالسودان يعكس أزمته الاقتصادية

المحور الرابع: الحالة الفكرية

من واقع التعليم العام في الوطن العربي.. بمناسبة اليوم العالمي للتعليم (وسائل الارتقاء بقطاع التربية والتعليم في العالم العربي، أولويات المنطقة العربية في مجال التعليم)

الإسلام والفن.. التحذير من العبث بمنظومة القيم (المقاصد الإسلامية للفنون، ماذا يريد الذين يعبثون بالقيم في المجتمع العربي المسلم؟)

خاتمة


مقدمة

مع أول شهور العام الجديد، يناير/كانون الثاني 2022، يواصل تقرير "الحالة العربية" رصد أبرز الأحداث والمستجدات التي تشهدها بلدان العالم العربي من خلال محاوره المختلفة.

فعلى الصعيد السياسي، شهد السودان تصعيدا من جانب الثوار المطالبين بالحكم المدني بالتزامن مع استقالة رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، ما يعني فشل الصيغة التي أرادها العسكر لإدارة مرحلة ما بعد الانقلاب.

ودخلت العلاقات الإماراتية التركية في مرحلة جديدة من التقارب في ظل المتغيرات الدولية التي فرضت على دول المنطقة.

أما ليبيا فما تزال ساحة للخلافات بين الفرقاء السياسيين بعد فشل إجراء الانتخابات، وهو ما أدى إلى تشكيك البعض في شرعية بقاء الحكومة الحالية، واستدعى تمديد البعثة الأممية لمدة ثلاثة أشهر من أجل التوصل لحلول للأزمة.

هذا بالإضافة إلى استمرار الرئيس التونسي في إصدار قرارات تلغي دور المؤسسات الشرعية وتزيد من حدة المعارضة من جانب القوى السياسية التي تخشى من عودة تونس إلى ما كانت عليه في عهود الاستبداد.

وفي الجانب الاقتصادي، يركز التقرير على موضوعين يربط بينهما، هما عدم الاستقرار السياسي والأمني بالمنطقة.

يتناول أولهما موضوع ارتفاع أسعار النفط وإمكانية ضياع فرصة الاستفادة منه بالنسبة للسعودية والإمارات بسبب تهديدات الحوثيين. ويتطرق ثانيهما إلى تراجع مستوى المعيشة في السودان وسط تدني الحد الأدنى للأجور.

أما على الجانب الفكري، فيلقي التقرير الضوء على واقع العملية التعليمية في الوطن العربي بمناسبة اليوم العالمي للتعليم، ووسائل الارتقاء بقطاع التربية والتعليم في العالم العربي، وأولويات المنطقة العربية في هذا المجال.

كما يتحدث عن علاقة الإسلام بالفن، وذلك بعد أن أصبحت بعض الأعمال "الفنية" منصة لاستهداف القيم والأخلاق التي هي صمام أمان للمجتمع.

كذلك يستمر تقرير الحالة العربية في رصده مستجدات فيروس كورونا في المنطقة العربية، من حيث حالات الإصابة والتعافي، وما تتخذه الدول العربية من إجراءات للحد من انتشار الجائحة.


المحور الأول: كورونا في الوطن العربي

بمرور نحو ما يقرب من عامين منذ ظهور فيروس كوفيد 19 المعروف باسم فيروس كورونا، ضربت الجائحة معظم دول العالم.

وبلغ عدد الإصابات المكتشفة ما يقرب من 378 مليون حالة حول العالم منذ بداية الأزمة في ديسمبر/كانون الأول 2019، كما جاوزت حالات الوفاة خمسة ملايين ونصف مليون حالة، بنهاية شهر يناير/كانون الثاني 2022.

السباق الذي يجري حاليا حول العالم يتعلق بالتلقيح، خاصة بعد تصاعد موجات ثالثة ورابعة من الفيروس وسلالات جديدة متحورة في بلاد عديدة وإعادة صورة الخطر الذي بدأ مع بداية الجائحة.

ولا شك أن أهمية اللقاح تتزايد الآن مع تردد أصداء المتحور الجديد "أوميكرون"، الذي اكتشف في جنوب إفريقيا، وأثار موجة من الذعر، في الكثير من الدول، فدفعها لاتخاذ إجراءات عاجلة، لمنع وصوله إلى أراضيها.

 فقد أعلنت العديد من الدول، خاصة في أوروبا، تعليق الرحلات الجوية مع جنوب إفريقيا، وعدة دول مجاورة لها، في حين عادت لفرض القيود على مواطنيها في الداخل من جديد، بهدف منع انتشار المتحور بينهم.

تأتي الدول العربية في حالة متوسطة من حيث الأخطار وعدد الحالات مقارنة مع باقي دول العالم.

فالعراق الدولة الأكثر من حيث عدد الإصابات في الوطن العربي في المرتبة الرابعة والثلاثين عالميا، حسب إحصائية موقع worldometer العالمي، يليه الأردن في المرتبة الخامسة والأربعين، إلا أنه بلا شك تختلف كفاءة الدول في مواجهة الوباء والتعاطي مع المستجدات.

نرصد خلال هذا الشهر، يناير 2022، الدول العربية الأكثر إصابة بفيروس كورونا، وهي العراق والأردن.

العراق

يحتل العراق المرتبة الأولى عربيا من حيث عدد الإصابات بفيروس كورونا، بعد أن تجاوز حاجز المليوني حالة مؤخرا. وشهد شهر يناير زيادة في أعداد الإصابات بما يزيد عن مئة ألف حالة جديدة.

بلغ العدد الإجمالي للإصابات بنهاية شهر يناير، 2.210.582 حالة إصابة[1]، وهو ما يشير إلى انخفاض المعدل.

في حين تعتبر حالات الوفاة ضئيلة مقارنة بهذا العدد من الإصابات، فقد بلغت الوفيات إجمالا 24390  حالة، بنهاية يناير، ما يعني أن عدد الوفيات زاد بما يقرب من 300 حالة[2]. وهو ما يشير إلى هبوط منحنى الوفيات كذلك عن سابقه في شهر ديسمبر 2021.

وأشارت وزارة الصحة العراقية إلى تسجيل 5657 حالة شفاء جديدة، ليصبح عدد المتعافين من فيروس كورونا منذ توثيق أول حالة في العراق 2104993 شخصا.

وتلقى اللقاح المضاد لفيروس كورونا وفق بيان الوزارة في 30 يناير 35884 شخصا، ليرتفع عدد الملقحين في البلاد إلى 9244037.

وقد شهد هذا الشهر ارتفاعا ملحوظا في أعداد الإصابات، بعدما كان المنحنى يسير هابطا خلال الأشهر السابقة.

وشهدت نسبة الإصابة بالفيروس المستجد ارتفاعا حادا مقارنة بالأسابيع الماضية، حيث تجاوزت الـ 1300 إصابة، كانت أعلاها في كركوك والسليمانية وأربيل[3].

وأدلت وزارة الصحة العراقية بأول تعليق بعد إعلانها تسجيل إصابات بمتحور كورونا الجديد "أوميكرون"، 6 يناير، وأكدت أن هناك سبيلين للتعامل مع هذا الخطر.

وقال المتحدث باسم وزارة الصحة، "سيف البدر"، في رسالة صوتية تلقتها وكالة الأنباء العراقية "واع"، إن "تسجيل إصابات بأوميكرون في العراق أمر متوقع لأن المتحور انتشر بدول حول العالم وأخرى مجاورة وهو يحدث نتيجة عدم الالتزام بإجراءات الوقاية".

وشدد على "وجوب الالتزام بإجراءات الوقاية وضرورة زيادة الإقبال على اللقاحات لأنهما السبيلان الأمثلان لمواجهة خطر كورونا ومتحوراته".

وفي إطار الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لمواجهة متحور أوميكرون، قررت السلطات العراقية تشديد الإجراءات الصحية خاصة على الوافدين للبلاد؛ تحسبا لانتشار متحور "أوميكرون"[4].

وذكر بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، أنه جرى خلال اجتماع اللجنة العليا للصحة والسلامة الوطنية الأخير، مناقشة تطورات جائحة كورونا بالعراق في ظل الزيادة الحادة بالإصابات بالمتحور الجديد عالميا، والجهود الصحية المتوخاة لاحتواء الموجة الجديدة.

وقررت اللجنة إلزام جميع الوافدين إلى العراق، من العراقيين والأجانب، إبراز بطاقة لقاحات "كوفيد-19" التي تثبت تلقي الشخص جرعتين على الأقل بأحدها.

هذا إضافة إلى فحص "بي سي آر" سلبية، كما أوصت بمراعاة اتخاذ الإجراءات الوقائية اللازمة من لبس الكمامة والتباعد البدني[5].

وقد أصدرت لجنة الأمر الديواني (217)، توصيات جديدة لمواجهة انتشار متحور أوميكرون في العراق.

وعقب اجتماع اللجنة الذي عقد في 18 يناير، تمخضت عنه عدة توصيات بخصوص ظهور متحور أوميكرون وانتشاره في أكثر من 150 دولة، وجاءت التوصيات كالتالي:

الاستمرار بمتابعة الموقف الوبائي للإشغال السريري وأسرة العناية المركزة في تلك المراكز، وكذلك توفر الأدوية والمستلزمات والتحاليل الساندة الخاصة بكورونا، مع التأكيد على توفير الأوكسجين الطبي وعدة الحماية الشخصية، وخاصة في مراكز العلاج.

العمل على زيادة أعداد الملقحين للوصول إلى المناعة المجتمعية من خلال منافذ تلقيح إضافية، وزيادة ساعات العمل الفعلية، وكذلك تكثيف عمل الفرق التلقيحية المساندة في المناطق السكنية والدوائر الحكومية، وغير الحكومية والمدارس والمعاهد والكليات والجامعات ضمن الرقعة الجغرافية.

العمل بالتعليمات المحدثة حول فترة عزل المصابين وفترة الحجر بالنسبة للملامسين للحالات المؤكدة بمرض كورونا وآلية متابعتهم من قبل المراكز الصحية ضمن الرقعة الجغرافية.

الأردن

يحتل الأردن المرتبة الثانية عربيا من حيث عدد الإصابات بفيروس كورونا، حيث بلغ العدد الإجمالي لها بنهاية يناير 2022، ما يعادل 1.225.309 حالات، وفقا للإحصائيات الرسمية[6].

وهو ما يدل على تزايد معدل الإصابات بشكل متسارع خلال شهر يناير بعدما هدأت بشكل نسبي خلال الفترة السابقة.

في حين بلغ العدد الإجمالي للمتعافين 1126695 حالة، ما يعني زيادة أعدادهم بما يعادل 150 ألف حالة في شهر يناير، وهي نسبة أكثر استقرارا.

وبدأ الأردن في 13 يناير 2021، حملة التطعيم، ومنح "تراخيص طارئة" لخمسة لقاحات هي: "سينوفارم" و"فايزر/بايوتيك" و"أسترازينيكا" و"جونسون آند جونسون" و"سبوتنيك-في".

وتسلم الأردن في يوليو/تموز 2021، نصف مليون جرعة من لقاح فايزر تبرعت بها واشنطن للمملكة مباشرة خارج الآلية العالمية لتأمين لقاحات للدول الفقيرة "كوفاكس"[7].

وصرح وزير الصحة الأردني فراس الهواري، أن زيادة عدد الإصابات اليومية بفيروس كورونا متوقعة في الفترة المقبلة[8]، بعد ظهور المتحور الجديد، لكن المملكة لن تشهد موجات كالسابقة.

وفيما تظهر مؤشرات أن نحو نصف سكان أوروبا مصابون أو سيصابون بمتحور أوميكرون قريبا، بسبب سرعة انتشاره، رجح خبراء محليون أن يصل الأردن إلى هذا الرقم في الموجة الرابعة من وباء كورونا المتوقع أن تبدأ نهاية الشهر الحالي[9].

وكانت منظمة الصحة العالمية قد حذرت من أن الاكتفاء بإعطاء جرعات لقاح معززة لا يشكل إستراتيجية قابلة للاستمرار في مواجهة المتحورات الناشئة، مقترحة توفير لقاحات جديدة تحمي بشكل أفضل من انتقال العدوى.

فيما دعا مستشار رئاسة الوزراء لشؤون الصحة ومسؤول ملف كورونا، "عادل البلبيسي"، أي شخص مضى 3 أشهر أو أكثر على تلقيه الجرعتين الأولى والثانية، إلى أخذ الجرعة الثالثة (المعززة).

وأكد البلبيسي أن الحكومة "لا تفكر في اتخاذ أي إجراءات جديدة رغم ارتفاع إصابات كورونا"، لافتا إلى أن هناك مؤشرات على دخول الأردن الموجة الرابعة من الفيروس.

وقال إن هناك 33 بالمئة من عينات فحوص كورونا نتائجها "إيجابية بالمتحور أوميكرون"، وإن الإصابات ارتفعت بنحو 25 – 30 بالمئة من مجمل الإصابات مقارنة بالأسبوع الأول من شهر يناير.

وفي سياق الإجراءات التي تتخذها الحكومة لمواجهة الفيروس المتحور ولتقليل تأثيره على القوى الصحية العاملة، وافقت لجنة الأوبئة، 5 يناير على تخفيض مدة العزل المنزلي لمصابي كورونا في الأردن من 10 إلى 7 أيام لمن لا تظهر عليه أعراض الإصابة بـ "أوميكرون".

كما أصدر رئيس الوزراء بشر الخصاونة تعليمات مفادها: "لا يسمح لموظف القطاع العام، أو العامل في منشآت القطاع الخاص الالتحاق بالعمل إلا إذا تلقى جرعتي اللقاح الواقي من كورونا، وتحسم (تخصم) الأيام التي لا يسمح له بالدوام أو العمل فيها من رصيد إجازاته السنوية. وفي حال استنفد رصيده، يعد في إجازة بدون راتب وعلاوات".

وأضاف: "لا يسمح لأي شخص تجاوز 18 عاما من عمره بمراجعة أي من الوزارات أو الدوائر الحكومية أو المؤسسات الرسمية أو العامة، أو الدخول لأي من منشآت القطاع الخاص، إلا إذا تلقى جرعتي اللقاح، مع استثناء المستشفيات والمراكز الصحية في الحالات الطارئة".

وبدوره، عبر عضو المركز الوطني لحقوق الإنسان رئيس لجنة الصحة إبراهيم البدور عن اعتقاده بأن نصف سكان المملكة سيصابون بالمتحور أوميكرون، لافتا إلى أن الدلالة على ذلك أن نصف سكان أوروبا سيصابون به أيضا وفقا لخبراء دوليين.

ووفقا لارتفاع الأرقام، قال البدور إن الأرقام ترتفع يوميا وبدأت الموجة الرابعة، كما ارتفعت النسبة الإيجابية للفحوصات، ويظهر ذلك جليا في الإحصائيات اليومية.


المحور الثاني: الحالة السياسية

يتناول المحور السياسي في الحالة العربية، يناير 2022، أبرز مستجدات الأحداث السياسية في الوطن العربي.

السودان شهد تطورا خلال شهر يناير، حيث جرى التصعيد من جانب الثوار، واستمرت التظاهرات التي تطالب بالحكم المدني الكامل، والمنددة بانقلاب رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان الأخير في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021، حتى وصلت إلى محيط القصر الجمهوري في ظل قمع أمني.

ويأتي ذلك بالتزامن مع استقالة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك مجددا بعد فشل "الاتفاق السياسي" بسبب الخلافات مع قادة المجلس السيادي.

ونتناول تحسن العلاقات التركية العربية، من خلال التقارب الأخير بين تركيا ودولة الإمارات، والذي يشهد وتيرة متسارعة أكثر منه في التقارب مع مصر أو دول أخرى.

ويأتي ذلك في ظل إستراتيجية تركية جديدة للتعامل مع الدول العربية في محيطها الإقليمي، ووسط متغيرات دولية كذلك فرضت هذا التقارب.

وفي ليبيا ما تزال الساحة مليئة بالصراعات الداخلية ومحاولة التعويق من جانب برلمان طبرق للحكومة الشرعية المتمثلة في حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبدالحميد الدبيبة، وفي ظل مخاوف من تعويق العملية الانتخابية مجددا، وقد أعلنت الأمم المتحدة تمديد بعثتها في ليبيا لمدة ثلاثة أشهر على أمل أن تتوصل إلى حل للأزمة.

على صعيد الحالة التونسية، ما يزال الرئيس قيس سعيد مستمرا في استصدار قرارات واتخاذ إجراءات في سبيل الوصول إلى حالة استقرار كاملة بعد الفراغ الدستوري الذي شهدته تونس بعد الإجراءات التي اتخذها في 25 يوليو/تموز 2021، في ظل معارضة قوية وتحالفات تدعو للعودة إلى الحوار الوطني.

وقد أعلن الرئيس قيس سعيد مؤخرا عن إطلاق منصة إلكترونية لاستشارة الشعب التونسي واستطلاع الآراء بشأن الإصلاحات التي عرضها.

الحالة السودانية

استقالة حمدوك واستمرار الاحتجاجات

ما زالت تداعيات قرارات قائد الجيش عبدالفتاح البرهان في 25 أكتوبر 2021، تلقي بظلالها على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية في البلاد التي تشهد مرحلة انتقالية.

كانت الخطوة التي أقدم عليها الجيش السوداني وقتها إعلانا بتخطي مرحلة الشراكة في الحكم وفق وثيقة "تقاسم السلطة" بين المكونين المدني والعسكري.

وجرى التخلص من المكون المدني داخل مجلس السيادة بموجب الإجراءات التي أعلنها عبدالفتاح البرهان.

وخلال شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2021، مورست عدة أنواع من الضغوط على قادة الجيش في السودان، من القوى الدولية التي رفضت هذا الاستيلاء القسري على السلطة، وطالبت بالتعامل مع حمدوك، إضافة إلى الغضب الشعبي، الذي أدى إلى إعادة ترتيب المشهد السياسي باتخاذ عدة إجراءات.

وبعد قرارات البرهان وما شهده السودان من حالة توتر ورفض على المستوى الداخلي وضغط خارجي، جاءت خطوة توقيع "اتفاق سياسي"[10] بين قائد الجيش وحمدوك، في 21 نوفمبر.

تضمن الاتفاق عودة حمدوك إلى منصبه رئيسا للحكومة، بالإضافة إلى إطلاق سراح المعتقلين السياسيين منذ سيطرة الجيش على السلطة في أكتوبر، وتشكيل لجنة للتحقيق في الاحتجاجات التي وقعت بعد ذلك التاريخ، وتعديل الدستور ليتضمن مواد جديدة عن الشراكة بين الجيش والمدنيين في الحكم الانتقالي.

شكل الموقف الذي عاد فيه حمدوك مجددا إلى السلطة نوعا من الغموض السياسي، وأثار الجدل حول مدى صحة هذه الخطوة بين من اعتبرها خطوة لحقن الدماء، ومن اعتبرها خيانة للثورة والشارع السوداني وعقد صفقات مع المجلس العسكري.

وحول الأسباب التي دفعته إلى العودة والتحالف مرة أخرى مع قادة الجيش، قال حمدوك إنها تتمثل بـ"الحفاظ على المكاسب الاقتصادية التي تحققت خلال العامين الماضيين"[11].

وصرح حمدوك أثناء مراسم التوقيع على الاتفاق السياسي في العاصمة الخرطوم، أن "الاتفاق يساعد على فك الاختناق داخليا وخارجيا واستعادة مسار الانتقال لتحقيق الديمقراطية"[12].

لم تتوقف الاحتجاجات على الرغم من هذا الاتفاق السياسي الذي كان حمدوك يراهن على أنه يمكن أن يعيد المسار الديمقراطي في البلاد مرة أخرى ويحافظ على المكتسبات الاقتصادية التي حصلها السودان خلال عامين.

وخلال الشهر الذي أعقب "الاتفاق السياسي"، سرعان ما ظهرت الخلافات مجددا في الرؤى بين حمدوك وقيادات المجلس العسكري، بشأن تشكيل الحكومة وتسيير المرحلة الانتقالية.

وأكد مصدر وثيق الصلة برئيس الوزراء لصحيفة "الشرق الأوسط" السعودية، أن حمدوك أعلن عن ضيقه من ابتعاد مجموعة "الحرية والتغيير" الحاضنة السياسية السابقة لحكومته، ورفضها التعاون معه، أو المشاركة في صياغة إعلان سياسي جديد كان يرتب له[13].

كما أشار إلى أن رئيس الوزراء يجد صعوبة في تشكيل وزارة تكنوقراط، لعزوف معظم المكون المدني عن التعامل معه في ظل الاتفاق الذي أبرمه مع قائد الجيش الفريق عبدالفتاح البرهان.

في حين رأى المجلس السيادي أن تعطل وتعقد المشهد السياسي، يرجع إلى إصرار حمدوك على تشكيل حكومة توافقية، وهو ما يراه الأول غير مناسب في الوقت الحالي[14].

وبعد حالة من التكهنات والترقب، بشأن استقالة عبدالله حمدوك، أصبحت الاستقالة حقيقة واقعة، ليلة الثاني من يناير 2022، لتضع الأزمة في السودان على مفترق طرق كما يقول بعض المراقبين[15] الذين يرون أن الاستقالة ربما تؤدي إلى انزلاق البلاد إلى صراع ربما لا تعرف مآلاته.

وتعتبر بعض القوى السياسية، المحركة للشارع في السودان، وعلى رأسها تجمع المهنيين السودانيين، أن الاستقالة لن تخلو من الإيجابيات، وأنها فتحت الطريق واسعا أمام الثورة السودانية، على حد قولها، بعيدا عن حديث الشراكة مع العسكر.

وكان واضحا في كلمة حمدوك، التي ألقاها عبر التلفزيون السوداني الرسمي، والتي أعلن فيها استقالته، تحذيره من مخاطر المستقبل.

إذ قال إنه اتخذ قراره بعد أن فشلت مساعيه الأخيرة، ولقاءاته مع الشرائح والمكونات السياسية المختلفة، للتوصل إلى توافق سياسي يجنب البلاد الانزلاق نحو ما وصفه بالفوضى وعدم الاستقرار.

ويبدو أن دخول حمدوك في اتفاق مع المكون العسكري، مثل بداية النهاية لدوره الذي قاده بمهارة، في إحداث تحول هادئ في السودان.

ويعتبر محللون أن الرجل لم يتمكن، من حشد دعم شعبي لاتفاقه مع البرهان، في وقت فقد فيه دعم القوى السياسية المؤيدة له في الشارع، والتي اعتبرت الاتفاق "محاولة لشرعنة الانقلاب"، وتعهدت بمواصلة الاحتجاجات حتى تحقيق الحكم المدني الكامل.

ويعتبر محللون سياسيون في السودان، أن استقالة حمدوك من منصبه كانت بمثابة أمر حتمي، رغم الجهود التي بذلتها أطراف محلية ودولية، لثنيه عن قرار استقالته.

ويرى هؤلاء أن بقاء الرجل في منصبه كان في حكم المستحيل، خاصة بعد اتفاق الشراكة الذي وقعه مع البرهان، في 20 نوفمبر 2021.

غير أن آخرين يرون أن الأخطار الناجمة عن استقالة حمدوك، ربما تفوق ما يراه البعض إيجابيات من وجهة نظر ضيقة.

ويعتبر هؤلاء أن خروج حمدوك من المشهد سيدفع إلى تفرد المجموعة الانقلابية بالسلطة، وفرض الأمر الواقع، ولا يستبعدون تزايد الاحتقان في الشارع السوداني، بما قد يؤدي إلى انفلات للعنف في البلاد في ظل ضعف قبضة الحكومة[16].

استمرار الاحتجاجات الشعبية

أعقب استقالة حمدوك عدد من الاحتجاجات والتظاهرات التي تطالب بإسقاط الحكم العسكري وعودة المدنيين مرة أخرى، رافضة استحواذ الجيش على السلطة في السودان.

حاول المتظاهرون في 6 يناير الوصول إلى بوابة القصر الرئاسي، مطالبين بـ"حكم مدني كامل"، إلا أن القوات الأمنية واجهتهم بإطلاق القنابل الصوتية، وعبوات الغاز المسيل للدموع بكثافة، بحسب تسجيلات مصورة رصدتها وسائل إعلام[17].

وانتشرت قوات أمنية بكثافة في الخرطوم قبل انطلاق المظاهرات، التي دعت إليها لجان المقاومة باسم "مليونية 6 يناير"، وأغلقت بعض الطرق المؤدية إلى مقر القيادة العامة للجيش ومحيط قصر الرئاسة، مقر البرهان[18].

كما انطلقت تظاهرات تحت شعار "الوفاء للشهداء"، في 20 يناير، في وقت تشهد فيه الخرطوم عصيانا مدنيا، دعت له قوى إعلان الحرية والتغيير وتجمع المهنيين السودانيين ولجان المقاومة، وكيانات أخرى[19].

وهذه أول مظاهرات عقب أخرى وقعت نهاية الشهر وأسفرت عن سقوط 7 قتلى و167 إصابة بينها 52 بالرصاص الحي، وفق لجنة أطباء السودان، ما دفع البرهان لإصدار قرار بتشكيل لجنة تقصي حقائق في تلك الأحداث.

وقالت "تنسيقيات لجان مقاومة الخرطوم" في بيان، إن "استمرار العمل الثوري السلمي الجماهيري يشكل ضامنا حقيقيا لإسقاط الانقلاب وحلفائه".

وأضاف البيان: "ندعو كل الثوار للمشاركة الفاعلة وفاء لأرواح الشهداء، ولا (سبيل لذلك) إلا باستكمال طريق الثورة وإقامة السلطة المدنية الكاملة".

من جانبها، وجهت 3 منظمات طبية غير حكومية، وهي "لجنة أطباء السودان" و"نقابة أطباء السودان الشرعية"، و"لجنة الاستشاريين والاختصاصيين" نداء لأحرار العالم "للتضامن مع الشعب السوداني، ومخاطبة الحكومات للضغط وعزل السلطة الانقلابية بالسودان سياسيا واقتصاديا".

تشكيل حكومة تصريف أعمال

بعد استقالة حمدوك، عزم البرهان على تشكيل حكومة تصريف أعمال، وقدم لكبار الضباط شرحا بشأن ذلك، وتشكيل لجنة تنظر في تشكيلها، تكون برئاسة عضو مجلس السيادة الفريق أول ياسر العطا وعضوية عضو المجلس مالك عقار[20].

وبعد فترة قصيرة، أعلن البرهان في 20 يناير تكليف 15 وزيرا في حكومة تصريف أعمال جديدة[21].

وقال بيان صادر عنه: "أصدر رئيس مجلس السيادة الانتقالي، قرارا بتكليف عدد من الشخصيات بمهام الوزراء للوزارات".

وشمل القرار تكليف كل من عثمان حسين عثمان لوزارة شؤون مجلس الوزراء، وعلي الصادق علي لوزارة الخارجية، وأبو بكر أبو القاسم للتنمية العمرانية والطرق والجسور.

ويأتي هذا القرار في ظل استمرار الاحتجاجات في البلاد، وغداة مظاهرات شهدتها الخرطوم وعدد من مدن البلاد، تحت شعار "الوفاء للشهداء"، تنديدا بقتل المتظاهرين وللمطالبة بالحكم المدني.

ويأتي هذا  القرار كذلك في ظل رفض كامل من قبل قوى الحرية والتغيير التي ترى أن استقالة حمدوك هي نهاية الانقلاب العسكري، وأن الاستقالة أيضا كتبت نهاية اتفاق 21 نوفمبر الموقع بين رئيس الوزراء السابق والبرهان، والذي رفضته قوى الحرية والتغيير من قبل.

الحالة الإماراتية

تطور العلاقات الإماراتية التركية

مرت العلاقات بين الإمارات وتركيا بمرحلة قطيعة عقب دعم أبوظبي الانقلاب الذي قاده الجيش المصري على الرئيس الراحل محمد مرسي، في 3 يوليو/تموز 2013.

وقفت السعودية والإمارات والبحرين بقوة إلى جانب العسكر في مصر وقدمت للنظام المصري مساعدات مالية بمليارات الدولارات، ووضعت الدول الخليجية الثلاث "جماعة الإخوان" في خانة المنظمات الإرهابية.

من جهتها وقفت تركيا ضد خطوة الجيش المصري، وانتقدت بقوة ما جرى في مصر، ووصفته بالانقلاب على الشرعية والرئيس الشرعي. وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يكرر موقف بلاده مما جرى في مصر في مناسبات مختلفة.

وفي مرحلة لاحقة، في شهر يونيو/حزيران 2016، شهدت تركيا محاولة انقلاب فاشلة ضد الرئيس أردوغان قتل فيها أكثر من 200 شخص. فشلت المحاولة بعد أن خاطب أردوغان أنصاره عبر محطة تلفزيونية طالبا منهم النزول إلى الشوارع ومواجهة الجنود المشاركين في المحاولة في شوارع المدن التركية[22].

اتهم أردوغان حليفه السابق رجل الدين التركي المقيم في الولايات المتحدة، فتح الله غولن، بالمسؤولية عن المحاولة. ودشنت الحكومة حملة مطاردة عنيفة ضد كل من يشك أن له صلة بغولن أو بكونه من أنصاره.

ونظرا لاعتقادها بتورط المسؤول الفلسطيني السابق محمد دحلان المقيم بالإمارات في هذا الانقلاب، خصصت تركيا مكافأة مالية بقيمة 700 ألف دولار مقابل معلومات تؤدي إلى اعتقاله، وفقا لما أوردته وسائل إعلام تركية[23].

وانضم وزير الداخلية التركي سليمان صويلو إلى الحملة ضد الإمارات في شهر فبراير/شباط 2020، متهما إياها بمحاولة النيل من تركيا وإثارة الفوضى والاضطرابات فيها، وقال إن الإمارات تسعى لإثارة البلبلة وزرع الفتنة وإلحاق الضرر ببلاده.

ثالث المحطات البارزة في مرحلة الخلاف بين أبوظبي وأنقرة هي نشوب الأزمة الخليجية عام 2017، حينما قطعت السعودية والإمارات والبحرين ومصر العلاقات الدبلوماسية مع قطر، ومن ثم إلغاء الأخيرة مشاركتها في التحالف الذي يقود الحرب في اليمن.

وأغلقت تلك الدول المنافذ البرية مع الدوحة، ومنعت الطائرات القطرية من التحليق عبر أجوائها، إضافة إلى توقف النقل البحري إلى قطر عبر موانئها.

بعد ذلك بيومين، صدق البرلمان التركي على معاهدة للتعاون العسكري بين قطر وتركيا، كان من بين بنودها إقامة قاعدة عسكرية في الدوحة ونشر جنود أتراك في الدولة الخليجية.

ولم تكتف تركيا بإرسال جنود وأسلحة إلى قطر، بل سارعت بإرسال شحنات من الأغذية والحاجات الأساسية عبر الجو، قبل أن تفتتح خطا بريا لإمداد الدوحة بما تحتاجه عبر الأراضي الإيرانية، وصولا إلى الموانئ الإيرانية المطلة على الخليج.

خطوات نحو التقارب بين أبوظبي وأنقرة

تسارعت الأحداث والمتغيرات في المشهد العالمي والإقليمي، وتغيرت التحالفات السياسية نتيجة إعادة ترتيب العلاقات لدول الإقليم فيما بينها، وكذا علاقاتها مع العالم الخارجي.

إذ حاولت كل دولة في الإقليم التنسيق لشراكات تضمن مصالحها الإستراتيجية واستقرارها الداخلي، وهو ما أدى إلى ظهور عدد من السياقات لخريطة تقاربات وتفاهمات جديدة بين دول الإقليم المختلفة.

ومن أبرز هذه التغيرات، تغير الإدارة الأميركية، حيث انعكست نتائج انتخابات الولايات المتحدة التي أجريت في نوفمبر 2020 على الساحة الداخلية للمنطقة العربية وجوارها.

 فعلى الرغم من أن أغلب الدول المتنافسة في المنطقة فضلت فوز دونالد ترامب بجولة ثانية لرئاسة الولايات المتحدة فإن نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية جاءت عكس ذلك.

إضافة إلى تحسن العلاقات الخليجية، فقد أسهمت سياسة الولايات المتحدة وانسحابها من المنطقة في إعادة رسم علاقات الدول العربية وتجديدها بما يتلاءم مع الوضع المستجد؛ فظهرت تقاربات داخل البيت الخليجي، ووقعت اتفاقية «العلا» التي أنهت الخلاف.[24]

واتجهت دول مثل مصر وقطر نحو التفاهمات السياسية[25]، ووقعت السعودية وعمان عددا من اتفاقيات التعاون فيما بينها، وغيرها من التفاهمات العربية-العربية.

وقد شهدت العلاقات العربية التركية تطورا ملحوظا في الآونة الأخيرة بعد الزيارة الرسمية لولي عهد أبو‌ظبي محمد بن زايد إلى أنقرة في 24 نوفمبر 2022.

وسبق الزيارة عدد من المباحثات الهاتفية والحضورية على مستوى وزراء الخارجية ورؤساء الجهاز الأمني للبلدين، بهدف تقريب وجهات النظر لإعادة ترتيب الملفات البينية، وإنهاء الخلافات السياسية، وتعزيز فرص التعاون التجاري بينهما[26].

تبع الزيارة تأكيد أردوغان حرص أنقرة على الارتقاء بعلاقاتها مع كل من السعودية ومصر[27]، وسعيها لإجراء زيارات رسمية إلى الإمارات، وإقامة مباحثات رفيعة المستوى مع مسؤولين بحرينيين، وهو ما يعني دخول العلاقات العربية التركية مرحلة جديدة في مقوماتها وإستراتيجياتها.

وقد تتالت الاتصالات بين تركيا وعدد من الأطراف العربية على إثر هذه التغيرات التى سبق ذكرها، بغية التوصل إلى نقاط مشتركة تراعي المستجدات في المنطقة العربية والإقليمية بين جميع الأطراف.

مصر، على سبيل المثال، كانت أولى الأطراف العربية التي استقبلت دعوة تركيا للانخراط في تفاهمات سياسية، وذلك من خلال استئناف الزيارة على مستوى وزراء الخارجية مطلع مايو/أيار 2021، الذي تبعته سلسلة حوارات بين الجانبين المصري والتركي في مختلف القضايا المشتركة بينهما[28].

كما أعلن وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو، في 30 يناير عن زيارته البحرين، للمرة الأولى منذ خمس سنوات[29]، وذلك في إطار التواصل مع الخليج، وإعادة رسم العلاقات.

وذكرت وزارة الخارجية التركية في بيان لها أن زيارة تشاووش أوغلو إلى البحرين تأتي استجابة لدعوة من نظيره عبداللطيف بن راشد الزياني، وسيتم خلال اللقاءات التي ستعقد في إطار الزيارة تبادل وجهات النظر حول القضايا الإقليمية والدولية وكذلك العلاقات الثنائية مع البحرين.

الإمارات أيضا كانت على نفس مستوى التفاهمات مع الجانب التركي، حيث بدأت اتصالها مع أنقرة في أبريل/نيسان 2021 باتصال هاتفي بين وزيري خارجية البلدين، ثم تبعته زيارة لم تكن متوقعة لمستشار الأمن الوطني الإماراتي طحنون بن زايد إلى أنقرة، حيث التقى أردوغان منتصف أغسطس/آب من نفس العام.

وقد جاءت هذه الزيارة بعد أشهر من اتصال هاتفي بين وزيري خارجية البلدين، هو الأول من نوعه منذ خمس سنوات، جرى خلاله تبادل التهاني بعيد الفطر بين الطرفين.

 ولهذا توقع المراقبون للشأن التركي الإماراتي حينها أن البلدين يحاولان تطبيع العلاقة بينهما من جديد، واستثمار سياقات التقارب الإقليمي في إعادة ترتيب الملفات البينية، والاستفادة من فرص التعاون التجاري في تذليل الخلافات السياسية.

كما تلت لقاء طحنون وأردوغان، زيارة هي الأولى من نوعها كذلك لولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، إلى تركيا، بدعوة من الرئيس التركي، في نوفمبر 2021[30].

شملت الزيارة توقيع عدد من الاتفاقيات بين الجانبين، التي تغطي عددا من المجالات لتعزيز علاقات التعاون وفتح آفاق جديدة للعمل المشترك بين أبوظبي وأنقرة[31].

وتعتبر أبرز الاتفاقيات التي وقعها الجانبان وفق وكالة الأنباء الإماراتية "وام":

مذكرة تفاهم بين وحدة المعلومات المالية في الإمارات ومجلس التحقيق في الجرائم المالية في تركيا للتعاون وتبادل المعلومات المالية.

 اتفاقية تعاون بين شركة أبوظبي للموانئ وصندوق الثروة السيادية التركي.

اتفاقية تعاون بشأن صندوق رأس المال الاستثماري لشركة أبوظبي القابضة.

اتفاقية تعاون بين شركة أبوظبي القابضة وصندوق الثروة السيادية التركي.

اتفاقية تعاون بين شركة أبوظبي القابضة ومكتب الاستثمار في تركيا.

اتفاقية للتعاون الإداري المتبادل في المسائل الجمركية بين دولة الإمارات وتركيا.

ولذلك، يمكن القول إن المصالح الاقتصادية المشتركة أسهمت في تذليل العقبات نحو مزيد من التفاهمات الإيجابية بين دول المنطقة.

وهذا ما يظهر في المباحثات الإماراتية التركية، فقد وقع الطرفان عند قدوم ولي عهد أبو‌ظبي إلى أنقرة عدة خطابات نوايا للاستثمارات في مجالات الطاقة والتمويل والصحة، فضلا عن إنشاء الإمارات صندوقا بقيمة عشرة مليارات دولار لدعم الاستثمارات في تركيا.

فالإمارات التي تسعى إلى أن تصبح قوة اقتصادية صاعدة في المنطقة تدرك أهمية تركيا كنقطة انطلاق للتصدير والاستيراد، كما أن أنقرة بحاجة إلى تعاون مع دولة نفطية تدعم ميزانيتها العامة التي تعاني أضرارا اقتصادية عديدة في الفترة الأخيرة.

وفي سياق خطوات التقارب المتبادلة، أعلن أردوغان عزمه زيارة الإمارات في فبراير/شباط 2022[32]، وأشار الرئيس التركي إلى أن بلاده ستقدم على خطوات مشابهة مع مصر وإسرائيل على غرار ما فعلته مع أبوظبي.

وقال: "ستكون لي زيارة إلى الإمارات في فبراير المقبل على رأس وفد كبير، وسنقدم على بعض الخطوات بقوة".

وتابع في ذات الشأن: "لقد قدموا (الإماراتيون) خطوة استثمار بـ 10 مليارات دولار، سنبني مستقبلا مختلفا عبر تنفيذ ذلك، وستكون هناك تطورات إيجابية".

ولفت إلى أنه سبق أن التقى ولي عهد أبوظبي عام 2011، وأن بعض المتغيرات حدثت بعد ذلك دون أن تقطع تركيا كافة الخيوط بين البلدين.

وأعرب أردوغان عن ثقته من أن مواد الاتفاق التي جرى التوقيع عليها خلال زيارة ابن زايد، خطوة من أجل بدء مرحلة جديدة بين تركيا والإمارات وإبقاء ذلك دائما.

الحالة الليبية

الخلافات حول الانتخابات القادمة وحكومة الدبيبة

بعد الإخفاق في إتمام الانتخابات الليبية في موعدها الذي كان مقررا في 24 ديسمبر 2021، عادت حدة الخلافات مرة أخرى إلى السطح بشأن الموعد الذي من المفترض أن تجرى فيه الانتخابات الليبية، كما أثير الجدل حول حكومة الوحدة الوطنية ومسألة استمرارها من عدمه.

كان من المفترض أن تجرى الانتخابات الرئاسية في الموعد المذكور وفق الخطة التي ترعاها الأمم المتحدة، غير أن مفوضية الانتخابات أعلنت قبل أيام من ذلك الموعد تعذر إجرائها، واقترحت تأجيلها إلى 24 يناير 2022.

كان تعطل الانتخابات مؤشرا جديدا على شدة الخلاف في دولاب السياسة الليبية والنزاع القائم بين جبهتي الشرق والغرب، بين الحكومة بقيادة عبدالحميد الدبيبة من جانب، واللواء المتقاعد خليفة حفتر والبرلمان من جهة أخرى، مع اختلاف الداعم الدولي لكل منها.

وحاول برلمان طبرق بعدة طرق القفز على الطريقة القانونية للانتخابات، من خلال تشريع قانون يتجاوز الاتفاق السياسي[33]، ليشمل نصوصا تسمح لحفتر بالترشح، وتعيق الدبيبة، غير أن الأخير تمكن من تقديم أوراق ترشحه.

مارس برلمان طبرق كذلك محاولة الضغط على القضاء، من خلال إعادة هيكلته، حيث أخرجت رئاسة البرلمان من الدرج قانونا قالت إنه جرى تعديله في 20 سبتمبر/أيلول 2019.

ويتناول "القانون المثير للجدل" هيكلة المجلس الأعلى للقضاء، وإدخال تعديلات على رأس وتركيبة المجلس، بحيث يتولى رئاسته رئيس إدارة التفتيش القضائي، ويكون النائب العام نائبا له.

وفي تعليقها على التأجيل، اعتبرت أماندا كادليك، العضو السابقة في مجموعة الخبراء التابعة للأمم المتحدة، أن الأمر يعد انتكاسة تعيد إغراق ليبيا التي شهدت حربين أهليتين منذ عام 2011، في المجهول.

وبعد أن تأكد تأجيل الانتخابات، ظهرت على السطح الخلافات بشأن بقاء وصلاحية الحكومة الحالية برئاسة الدبيبة من عدمه، حيث كان من المقرر أن تنتهي فترة ولايتها في الرابع والعشرين من ديسمبر 2021، وهو الموعد الأول لإجراء الانتخابات.

غير أن التطورات التي صاحبت الانتخابات أدت إلى ظهور خلاف حول الحكومة.

وقد رفض الدبيبة تسليم السلطة قبل إنجاز الانتخابات الليبية التي جاءت من أجلها الحكومة، وهذا ما ألمح إليه، في مؤتمر صحفي على هامش مؤتمر باريس، في نوفمبر 2021، عندما أكد عزمه "تسليم السلطة للجهة التي يختارها الشعب في 24 ديسمبر"، مشترطا أن تجري بشكل "نزيه وتوافقي".

وقال الدبيبة في كلمة ألقاها في انطلاق أعمال المؤتمر الليبي لدعم الدستور، 23 يناير 2022: "إن هناك محاولات لتعميق الأزمة بدلا من حلها وتقييد إرادة الشعب الليبي باختيار إرادته الانتخابية والالتفاف على مسارات العملية الدستورية وعرقلة مسيرتها"[34].

وأضاف: "اتركوا للشعب الليبي أن يختار ما يريد، ودعم اختياره في وجود دستور حقيقي يستمد شرعيته من الشعب والشعب فقط، وأحث كل الأطراف على دعم الاستحقاق الدستوري كأساس للعملية الديمقراطية وعدم الذهاب لمسارات ليس لها أي هدف".

وأشار الدبيبة إلى أن "الاتفاق الأممي في محطاته المختلفة في تونس وجنيف اختار سلطاته بهدف الوصول إلى انتخابات كان من المفترض أن تجرى في ديسمبر الماضي".

كما اعتبر رئيس الحكومة الليبية أن تأخر الانتخابات سببه "عدم وجود قاعدة دستورية وتأخر المصالحة الوطنية وتوحيد المؤسسة العسكرية".

وفي ذات السياق، أعلن البرلمان الليبي في طبرق، في 24 يناير عن مسارين لإجراء الانتخابات القادمة والتعديلات الدستورية.

وبين عضو مجلس النواب الليبي، عبد السلام نصية، أن لجنة خريطة الطريق المنبثقة عن المجلس توصلت إلى مسارين، حول إجراء الانتخابات والتعديلات الدستورية[35].

وقال عبد السلام نصية خلال جلسة لمجلس النواب في طبرق، أن "المسار الأول، وهو استكمال إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وفق قوانين مجلس النواب محدد بمدة زمنية ما بين 8 أو 9 أشهر".

وأشار إلى أن المسار الثاني هو الدستور، و"هذا ما تعمل عليه لجنة خارطة الطريق، وكان التوافق مع مجلس الدولة ونوعا ما مع هيئة الدستور على تشكيل لجنة لإجراء تعديلات ليكون جاهزا للتصويت من قبل الشعب الليبي وهذا يحتاج إلى تعديل دستوري".

وأضاف أنه جرى الاتفاق على تشكيل لجنة من 24 عضوا من أعضاء مجلسي النواب والدولة والخبراء، وأنه حال فشل هذه اللجنة في تعديل الدستور، هناك عديد من الآراء المتضاربة لحل هذه المشكلة، مؤكدا على ضرورة حسم موضوع الانتخابات.

وجاءت الجلسة وسط تزايد الأصوات الشعبية والأممية والدولية المطالبة بتحديد موعد قريب للانتخابات الرئاسية وتحقيق تطلعات الليبيين.

تمديد تفويض البعثة الأممية في ليبيا

أصدر مجلس الأمن الدولي قرارا مدد بموجبه تفويض بعثة الأمم المتحدة في ليبيا 3 أشهر فقط، في حل وسط تقدمت به بريطانيا لوضع حد لخلاف روسي أميركي استمر بضعة أيام[36].

وبإجماع أعضائه الخمسة عشر، اعتمد مجلس الأمن هذا النص المقتضب جدا والذي يلحظ مواصلة "بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا" عملها حتى 30 أبريل/نيسان.

ومن جهتها، أكدت آنا إيفستينييفا مساعدة المندوب الروسي الدائم لدى المنظمة الأممية أن "روسيا تدعو الأطراف الليبية إلى الاستفادة من تمديد بعثة الأمم المتحدة في ليبيا لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في البلاد".

وعلقت: "روسيا صوتت لصالح مشروع قرار مجلس الأمن بتمديد مهمة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا حتى 30 أبريل من هذا العام، بناء على قناعتنا في المقام الأول بعدم وجود بديل عن تسوية سلمية شاملة للأزمة الليبية"[37].

وأضافت: "ندعو جميع اللاعبين الليبيين للاستفادة من الدعم الجماعي لمجلس الأمن من أجل التغلب بمساعدة بعثة الأمم المتحدة على الخلافات المتراكمة وتحديد المواعيد وعقدها لفتح صفحة جديدة في التاريخ بجهود مشتركة".

وجرى التوصل إلى هذا الحل الوسط بمبادرة من بريطانيا بعدما حال الخلاف بين روسيا والولايات المتحدة حول هذه المسألة دون الاتفاق على نص يمدد عمل هذه البعثة لفترة أطول.

وبالتزامن مع هذه الخطوة، ذكرت وسائل إعلام محلية، في 31 يناير أن طائرة تقل أكثر من 50 نائبا حصلت على إذن للإقلاع من طرابلس إلى طبرق بعد ساعات من التأخير.

وأشارت إلى أن مجلس النواب من المنتظر أن يعقد جلسة لبحث قضيتي إعادة تشكيل الحكومة وتنظيم الانتخابات العامة في البلاد والتي أجلت إلى أجل غير مسمى بعد تعذر إجرائها في 24 ديسمبر 2021[38].

وفي السياق ذاته، غرد عضو لجنة خارطة الطريق في مجلس النواب، عبد السلام نصية، معلنا أنه "جرى التوافق على خارطة طريق تقود إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية على أساس دستور دائم للبلاد، خلال مدة محددة".

وذكرت مستشارة الأمين العام للأمم المتحدة الخاصة بليبيا، ستيفاني ويليامز، أن مجلس النواب كان بإمكانه إعادة الانتخابات إلى مسارها الصحيح، وتنظيمها بحلول يونيو 2022 لكنه بدلا من ذلك "لعب لعبة الكراسي الموسيقية" بمحاولته تشكيل حكومة جديدة[39].

ورأت ويليامز في مقابلة مع صحيفة الغارديان البريطانية أن مجلس النواب كان يتوجب عليه "تحديد موعد للانتخابات قبل مناقشة تشكيل حكومة جديدة بتفويض غير معلوم"، معربة في الوقت نفسه عن خشيتها من أن البعض "يناور الآن بهدف إطالة المدة وتأخير الانتخابات".

الحالة التونسية

منذ 25 يوليو 2021، تعاني تونس أزمة سياسية حادة، وذلك بعد أن اتخذ الرئيس قيس سعيد قرارات "استثنائية"، منها تجميد اختصاصات البرلمان ورفع الحصانة عن نوابه، وإلغاء هيئة مراقبة دستورية القوانين، وإصدار تشريعات بمراسيم رئاسية، وترؤسه النيابة العامة، وإقالة رئيس الحكومة (هشام المشيشي)، على أن يتولى هو السلطة التنفيذية بمعاونة حكومة عين رئيستها.

ووفق القرارات الأخيرة المتعلقة بنية إجراء انتخابات برلمانية خلال عام، أعلن سعيد أن المخطط هو عرض الإصلاحات الدستورية وغيرها على الاستفتاء في 25 يوليو 2022، لتنظيم انتخابات تشريعية وفق القانون الانتخابي الجديد في 17 ديسمبر من ذات العام.

وتمهيدا للإعلان عن تغيير الدستور، قال سعيد إن "سيادة الشعب يمارسها في إطار الدستور، وإذا استحال على صاحب السيادة أن يمارس اختصاصات السيادة في ظل نص لم يعد الممكن في إطار ممارسة السيادة، فلا بد من نص جديد، الدساتير ليست أبدية"[40].

وقال سعيد في كلمته التي توجه بها إلى الشعب في 17 ديسمبر 2021، إنه سيجري عرض الإصلاحات الدستورية على الاستفتاء الشعبي في 25 يوليو من العام (2022).

استمرار المعارضة لإجراءات قيس سعيد

واجهت القوى السياسية المعارضة لإجراءات سعيد منذ 25 يوليو 2021، قراراته الأخيرة المتعلقة بالاستفتاء على دستور جديد، والتحضير لإجراء انتخابات في نهاية العام، حيث ترى أنها غير دستورية ولا يعتد بها.

وفي تعليقها على قرارات سعيد الأخيرة المتعلقة بتمديد تعطيل البرلمان، اعتبرت حركة النهضة (إسلامية) على لسان بلقاسم حسن، نائب رئيس المكتب السياسي للحركة، أن قرار الرئيس "اعتداء سافر على المؤسسة التشريعية وأعضاء مجلس نواب الشعب"[41].

وذكرت رئاسة البرلمان التونسي، في بيان لها، أن الخطاب الذي أدلى به الرئيس قيس سعيد، في 13 ديسمبر 2021، جاء بـ"مزيد من تمديد الخروج عن الدستور والحكم الفردي، وهو ما عمق الأزمة السياسية في البلاد، وزاد من انعكاساتها المالية والاقتصادية والاجتماعية، ويفاقم من عزلة تونس الدولية".

وأكدت أن "الخروج من الأزمة التي تعمقت في البلاد لن يكون إلا بالإلغاء الفوري للإجراءات الاستثنائية، والدخول في حوار وطني شامل للتحديد الجماعي لمستقبل البلاد".

كما قال الأمين العام للحزب الجمهوري وعضو تنسيقية الأحزاب الاجتماعية الديمقراطية، عصام الشابي، إن الرئيس قيس سعيد يواصل منهاج تقسيم التونسيين والمضي في الانقلاب على الدستور والديمقراطية.

وفي خطوة لاحقة، كشف الشابي في 30 يناير أن الأحزاب الديمقراطية (الجمهوري والتكتل والتيار الديمقراطي) التي دعت للحوار، ستعرض ورقة عمل على المنظمات الوطنية والمدنية بتونس.

وقال الشابي إن "الحوار ليس معروضا على القوى الديمقراطية فقط، التي يمكن لها أن تتحالف وتتجمع معا، ولكنه وطني وجامع أو لا يكون، والأزمة تقتضي جلوس جميع الأطراف على طاولة الحوار للبحث عن حل والتوافق على الحد الأدنى المشترك، وهو متاح وموجود"[42].

وأفاد أن "تونس تحتاج اليوم قوة سياسية تدفع وتهيئ ظروف ومتطلبات الحوار، وأيضا فرضه، خاصة أن الرئيس قيس سعيد يرفضه".

وبين أن "الداخل والخارج يضغطان من أجل الاستقرار، وهو ضغط إيجابي، فتونس في وضع إقليمي ولها نسيج من العلاقات الدولية، وعندما تتضافر هذه الجهود سنصل إلى نتيجة".

كما أكد أن "أولى الأولويات الآن، حكومة إنقاذ وليس حكومة الرئيس، تحظى بتأييد المجتمع والقوى وتطلق يدها بهدف منع الانهيار القادم قبل كل شيء"، مشيرا إلى أن "المبادرة ينبغي أن تكون قبل 20 مارس 2022، أي التاريخ الذي حدده سعيد لتقديم مخرجات استشارته الإلكترونية".

إطلاق المنصة الإلكترونية للاستشارة الشعبية

وأعلن الرئيس قيس سعيد رسميا عن إطلاق "المنصة الإلكترونية" المخصصة لجمع اقتراحات التونسيين بشأن الإصلاحات التي عرضها[43]، وسط انتقادات لطريقة إجرائها ودعوات من المعارضة لمقاطعتها.

وأعلنت وزارة تكنولوجيات الاتصال بدء "عملية تجريبية وتوعوية" في 24 منطقة، مشيرة إلى أن "المنصة ستكون مفتوحة للجميع من 15 يناير حتى 20 مارس/آذار".

وبعد مرور ما يقرب من شهر على إطلاق المنصة الإلكترونية لاستشارة الشعب التونسي، استعرض سعيد خلال اجتماعه مع الوزراء، في 27 يناير، بعضا من النتائج المبكرة لهذه الاستشارة.

إذ أعلن في مقطع فيديو، بثته صفحة الرئاسة على "فيسبوك"، أن "82 بالمئة من المواطنين يفضلون النظام الرئاسي، و92 بالمئة يؤيدون سحب الثقة من النواب البرلمانيين"[44].

وأضاف أن "89 بالمئة من المواطنين ليست لديهم ثقة في القضاء، و81 بالمئة يؤيدون أن الدولة هي التي تتولى تنظيم الشؤون الدينية". وأكد سعيد أن هذه الأرقام "ليست مزيفة، ولم يضعها أشخاص من مكاتب أو جهات".

ولاقت الدعوة لاستشارة شعبية إلكترونية انتقادات من المعارضة، التي اعتبرتها "تنفيذا لبنود الأجندة الخاصة للرئيس سعيد "بالاعتماد على إمكانيات الدولة، كما دعت مكونات سياسية أخرى إلى مقاطعتها، لأنها "غير شفافة ومن شأنها الالتفاف على إرادة التونسيين"[45].

وقال المحلل السياسي أيمن البوغانمي، إن "هذه الاستشارة وضعت على المقاس لخدمة رئيس الجمهورية، وهي وسيلة للتنميق وفرض المشروعية ولتمرير مشروع سياسي خاص به"[46].

وتابع البوغانمي: "أنا أستغرب ممن يستغرب استغلال سعيد للاستشارة الوطنية وتوظيفها لتوجيه الرأي العام، فليست لهذه الاستشارة أي مشروعية دستورية ولا أي قيمة قانونية ولا علمية".

وأوضح أن "الاستشارة وضعت في شكلها ومضمونها لخدمة هذا المشروع، ولا يجب أن نفاجأ أو نستغرب من أي استغلال سياسي سواء من رئيس الجمهورية أو من حكومته، أو من محافظيه أو من أنصاره".

من جانبه، اعتبر القيادي في حزب "ائتلاف الكرامة"، المنذر بن عطية، أن "هذه الاستشارة مجرد مسخرة وضحك على ذقون التونسيين، في غياب أي شفافية أو عملية رقابة على مختلف مراحلها، تدور أطوارها تحت وطأة انقلاب غاشم غيب أي شكل من أشكال المشاركة الديمقراطية والتعددية".

جلسة افتراضية للنواب ورفض قرارات قيس سعيد

عقد البرلمان التونسي المعلقة أعماله اجتماعا افتراضيا، في 27 يناير، دعا خلاله رئيسه راشد الغنوشي إلى حوار وطني شامل على أن يسبق ذلك إلغاء للأوامر الرئاسية الأخيرة التي أصدرها الرئيس سعيد، واصفا تلك الأوامر بأنها سببت تعميق أزمات البلاد[47].

وتزامنت الخطوة مع إعلان أحزاب سياسية معارضة لسعيد اقتراحها برنامجا للخروج من الأزمة واعتزامها التقدم بشكوى به لدى محكمة المحاسبات.

وعبر نواب مشاركون في هذه الجلسة عن رفضهم "التام" لجميع المراسيم والقرارات التي أعلنها سعيد باعتبارها "لا دستورية وغير قانونية". كما حملوا الرئيس المسؤولية القانونية والأخلاقية لكل ما يحدث في تونس.

وقال راشد الغنوشي، رئيس البرلمان وزعيم حزب النهضة الإسلامي، خلال الاجتماع، إن تونس أصبحت في عزلة دولية خانقة ومهددة بانفجار اجتماعي بعد ستة أشهر مما وصفه بانقلاب الرئيس قيس سعيد على الدستور[48].

كما أضاف الغنوشي أن هناك 75 نائبا وقعوا على عريضة لعقد جلسة أخرى للبرلمان، وهو ما يعني أن "المجلس مازال حيا" وفقا لحديثه.

وقاطعت عدة أطراف أخرى الاجتماع، من بينها التيار الديمقراطي، وحركة الشعب، والحزب الدستوري الحر، إضافة إلى مستقلين قالوا إنهم غير معنيين بالدعوة.

وبشأن الاجتماع الافتراضي الذي عقده البرلمان التونسي، أوضح أستاذ القانون الدستوري بالجامعة التونسية، جوهر بن مبارك، أن اللوم وجه للنواب لعدم تحركهم بالشكل السريع، لكنه أشار إلى أن النواب تعرضوا لشيطنة كبيرة هم ومجلسهم، مما أربك أعدادا كبيرة منهم، إضافة إلى أن عددا منهم موالون للانقلاب ويتعاطون معه.


المحور الثالث: الاقتصاد العربي

مصر تستمر في طبع النقود والتوسع في الديون من الداخل والخارج، وتونس تعاني أزمة تمويلية، ولم تصل بعد إلى حلول ممكنة مع المؤسسات المالية والدولية، والسودان يواجه مشكلات اقتصادية واجتماعية بسبب سوء الأوضاع السياسية، أما الخليج فقد صار تحت تهديد هجمات الحوثيين، وبخاصة كل من السعودية والإمارات.

ويعد الاستقرار السياسي والأمني، مطلبا عزيزا في المنطقة العربية، على ما فقدانه أصبح إرثا حتميا للمنطقة.

فبعد توصل مصر لاتفاقية سلام مع الكيان الصهيوني نهاية السبعينيات، حلت أزمات الخليج الثلاث على مدار الفترة من 1979 وحتى 2003، وما يزال العراق يعاني عدم الاستقرار.

وما إن حلت ثورات الربيع العربي منذ نهاية عام 2010، حتى بدأت الانقلابات العسكرية والثورات المضادة، لتحول العديد من الدول العربية لمناطق نزاع مسلح.

فالمنطقة تدفع ثمن امتلاكها للعديد من الثروات الطبيعية، ومواقعها الإستراتيجية، وكذلك وجود حكومات تتسم بالدكتاتورية، فكان نصيب المواطن كافة المظاهر المتعلقة بمشكلات اقتصادية واجتماعية، من فقر وبطالة، وتبعية للخارج في تدبير الغذاء والدواء والسلاح، ولا ينتظر أن تخرج المنطقة من هذه الدائرة الجهنمية في المديين القصير والمتوسط.

وفي ظل هذه الأجواء، يركز محور الاقتصاد العربي، على موضوعين رئيسيين هذا الشهر، الأول عن ارتفاع سعر النفط، وكيف يضيع الصراع السعودي الإماراتي مع الحوثيين في اليمن، ثمار هذه الفرصة، التي ينتظرونها منذ أكثر من ثمان سنوات، عندما انهارت أسعار النفط منتصف عام 2014.

والموضوع الثاني عن تراجع مستويات المعيشة في السودان، وهما موضوعان يتعلقان بحالة عدم الاستقرار السياسي والأمني بالمنطقة.

هجوم الحوثيين على الإمارات وتفويت فرصة الاستفادة من ارتفاع أسعار النفط

تجاوزت أسعار النفط في 31 يناير 2022، سقف الـ 90 دولارا للبرميل[49]، وهو مستوى كان متوقعا، حسب تقديرات سابقة صدرت خلال الأشهر الأولى من عام 2021.

في الوضع الطبيعي، يعد هذا الارتفاع في صالح اقتصادات الخليج، التي تعاني أزمة تمويلية منذ منتصف عام 2014، وتفاقمت بحلول جائحة فيروس كورونا في نهاية عام 2019 وبداية 2020.

ولكن في ظل الأجواء الملبدة بالتحديات التي تعيشها كل من السعودية والإمارات، فإن هذا الارتفاع قد لا يستفاد منه على الصعيد التنموي، على مستوى كبير.

ويعود ذلك إلى حالة التحديد العسكري والأمني، التي فرضتها مليشيا الحوثيين، من خلال استهداف منشآت حيوية في البلدين، تركزت مؤخرا على دولة الإمارات.

فاستمرار هذه التهديدات من قبل الحوثيين، من شأنه أن يربك الأوضاع الاقتصادية على الأقل في السعودية والإمارات، فضلا عن منطقة الخليج ككل، من حيث استقبال الاستثمارات الأجنبية الجديدة، أو مغادرة الاستثمارات القائمة حاليا.

واقتصرت عمليات مليشيا الحوثيين خلال السنوات الثلاث الماضية على المملكة العربية السعودية على وجه التحديد، حيث استهدفت بعض منشآت "أرامكو"، أكبر شركات النفط في العالم، وكذلك بعض المطارات الداخلية وقصور بعض الأمراء.

لكن الحوثيين بدأوا في الفترة الماضية توجيه ضربات منتقاة في الإمارات، مع تهديدات باستمرارها وتوجيه خطاب للأجانب بمغادرة البلد الخليجي وعدم الاقتراب أو الوجود من المنشآت الحيوية.

ووجود هذا الصراع المستمر منذ مارس 2015 وحتى الآن، من شأنه أن يضع كلا من السعودية والإمارات في حرج بالغ، حيث إن البلدين من أكبر مستوردي السلاح على مستوى منطقة الشرق الأوسط، بل والعالم.

إذ تحل السعودية في المرتبة الثالثة، والإمارات في المرتبة الرابعة، على مستوى العالم في الإنفاق على استيراد الأسلحة.

 وحسب أرقام عام 2020، فإن إجمالي الإنفاق الدفاعي لدول الخليج الست بلغ 155.1 مليار دولار[50]، فما بالك بإجمالي ما جرى إنفاقه على هذا المجال منذ أن بدأت حرب دول بعض الخليج على اليمن، في مارس 2015، أي منذ نحو 7 سنوات.

 ولو اعتبرنا أن المتوسط بحدود 150 مليار دولار سنويا، فإن تقدير إجمالي الإنفاق على السنوات السبع نحو 1050 مليار دولار تقريبا، أي ما يزيد عن تريليون دولار.

ومع هذا، فإن تلك الدول الخليجية المجهزة بأحدث الأسلحة غير قادرة على حسم الصراع عسكريا، وهي كذلك غير عازمة على التوصل إلى حل سياسي، ما يعني إهدار المزيد من الأموال والأرواح، حتى تضع الحرب أوزارها.

وتعد السعودية والإمارات صاحبتا أكبر معدلات للإنفاق على الدفاع بين دول الخليج، ومع ذلك فهما الأكثر عرضة لتهديدات الحوثيين.

فالأرقام تشير إلى أن الإنفاق على الدفاع في عام 2020، بلغ في السعودية 67.6 مليار دولار، وفي الإمارات 22.7 مليار دولار، وفي سلطنة عمان 8.6 مليارات دولار، وفي الكويت 6.8 مليارات دولار، وفي قطر 6 مليارات دولار، وفي البحرين 1.4 مليار دولار.

وحسب هذه الأرقام، فإن السعودية والإمارات تستحوذان على نسبة تتجاوز الـ 90 بالمئة بقليل من حجم الإنفاق على الدفاع في منطقة الخليج.

وكون دول الخليج تمتلك نحو 40 بالمئة من احتياطيات النفط في العالم، فإن ذلك يعني مرور المنطقة بحالة تهديد، من قبل الحوثيين، حال عدم التوصل لحل سياسي أو حسم عسكري.

وهو ما يعني أن هذا الوضع سيؤدي إلى رفع أسعار النفط في السوق الدولية، ليصل إلى 100 دولار للبرميل، أو أكثر، حسب السيناريوهات العسكرية التي سيفضي إليها الصراع.

فهل ستستمر تحديات وأهداف الحوثيين باليمن، لآبار النفط ومؤسساته، أو ناقلاته كما حدث من قبل، منذ عدة سنوات، حينما استهدفوا ناقلات نفط لدولة الإمارات؟

وتحمل ضربات الحوثيين للإمارات رسائل بتهديد الاقتصاد الإماراتي، وخاصة المنشآت النفطية، كما يركز خطابهم بعد توجيه ضرباتهم، لكل من دبي في الإمارات وجازان في السعودية، على ضرورة خروج الشركات الأجنبية من تلك المناطق.[51]

يعني ذلك أن الحوثيين يحاولون أن تكون ضرباتهم ذات أثر مزدوج، من حيث النيل من المنشآت الإماراتية، وفي نفس الوقت العمل على خروج الاستثمارات الأجنبية من الإمارات، وهو مجال تعتمد عليه الدولة الخليجية بشكل كبير، وخاصة في دبي، التي تضم الشركات الأجنبية، منذ ما يزيد عن ثلاثة عقود.

وحسب الأرقام فإن الاستثمارات الأجنبية المباشرة التراكمية في الإمارات، بلغت 174 مليار دولار[52]، في مجال النفط والغاز والاقتصاد الرقمي والعقارات وغيرها.

كذلك تحظى الإمارات بقطاع سياحي نشط، ومن شأن استمرار هجمات الحوثيين عليها أن تتضرر تلك الاستثمارات، سواء القائم منها، أو المنتظر أن يأتي. فرؤوس الأموال عادة ما تبحث عن الأمن والاستقرار. 

ولن تكون خسائر الإمارات في ظل استمرار هجمات الحوثيين، مقتصرة على الأضرار الداخلية من إصابة منشآت النفط، أو تهديد الاستثمارات والشركات الأجنبية، ولكن ستشمل أيضا رد فعل الدولة الخليجية على الاستهداف.

فعادة ما تنفذ طائرات التحالف الإماراتي السعودي هجمات مشتركة، لتستهدف منصات الصواريخ والطائرات المسيرة للحوثيين داخل اليمن.

هذا فضلا عن منصات الصواريخ الدفاعية داخل الأراضي الإماراتية والسعودية، التي تترصد صواريخ الحوثيين ومسيراتهم، وهي حالة استنفار دائمة، وتكلف البلدين أموالا طائلة.

وكلتا الدولتين، ترفضان التصريح بأي معلومات عن تكاليف هذه الحرب منذ نشوبها، وأن معظم الأرقام المعلنة حول هذه الأمر، تخضع للتقدير من قبل خبراء.

ولا تمتلك كلتا الدولتين برلمانات، أو مجتمعا مدنيا، يمكنه مطالبة الحكومتين بالكشف عن ميزانية هذه الحرب، أو كيفية تمويلها، وأثر ذلك على مستوى معيشة المواطن، فغياب الديمقراطية في كلا البلدين لا يدع مجالا للحديث عن هذه الأمور.

المستفيد من استمرار هذه الحرب:

لا شك أن هناك أدوارا سياسية خلف الكواليس في حرب الإمارات والسعودية على الحوثيين في اليمن، منذ مارس 2015، ولكن الجانب الاقتصادي للحرب له أهميته كذلك.

 فأميركا وأوروبا مستفيدتان من استمرار هذه الحرب، للحصول على المزيد من صفقات السلاح لكل من السعودية والإمارات.

الحد الأدنى للأجور بالسودان يعكس أزمتها الاقتصادية

الوضع الطبيعي، أن العلاقة بين الأجور والأسعار لا بد أن تكون إيجابية، بحيث يصبح الأفراد قادرين على تلبية احتياجاتهم الأساسية، دون مشقة، وأن تكون الزيادة السنوية في الرواتب تفوق معدلات التضخم.

 ولكن حسب ما هو منشور في وسائل الإعلام مؤخرا، فقد حددت الحكومة السودانية الحد الأدنى للأجور عند 12 ألف جنيه، بعدما كان 3 آلاف. والحد الأدنى بعد زيادتها بنحو ثلاثة أضعاف، سيعادل 27 دولارا فقط  لا غير.

وإذا كان نصيب اليوم لمن يحصلون على الحد الأدنى للأجور، أقل من دولار؟ فماذا عن أولئك الذين لا يحظون بدعم دائم، أو تشملهم سوق العمل غير المنظم؟

والأرقام المعلنة عن الحد الأدنى للأجور، بلا شك تعبر بوضوح عن ارتفاع معدلات الفقر بالسودان.

إذ تقدر بيانات الأمم المتحدة أن الفقر بالسودان عند معدل 46 بالمئة تقريبا، وتدعي الحكومة أن المعدلات عند 36 بالمئة، بينما يذهب خبراء اقتصاديون لأرقام أكبر من ذلك بكثير تصل إلى 80 بالمئة[53]. وقد تكون تقديرات الخبراء هي الأقرب في ضوء الأرقام المعلنة للحد الأدنى للأجور.

في المقابل، فإن معدلات التضخم عند 318 بالمئة في ديسمبر 2021، بعد أن كانت 339 بالمئة في نوفمبر من نفس العام أي أن معدل التضخم انخفض بنسبة 21 بالمئة[54].

وهو أمر غير مفهوم في ظل ما تعانيه الحكومة من مشكلات في تدفق المساعدات والقروض، بسبب موقف العسكر الذين انقلبوا على المسار المدني، وأفشلوا محاولة تشكيل حكومة مدنية.

ففي ظل أوضاع مماثلة للسودان، يرتفع التضخم، ولا ينخفض، لما تعانيه الحكومة من مشكلات في تدفقات النقد الأجنبي، وكذلك صعوبة توفير الاحتياجات الضرورية للبلاد، ولكن في ظل حالة الفساد التي يعيشها السودان بنسب كبيرة، لا يستبعد أن تكون الأرقام المعلنة من قبل الحكومة مزيفة وغير حقيقية.

تشير بيانات منظمة الشفافية الدولية، عبر مؤشرها لمدركات الفساد لعام 2020، أن السودان حل في المرتبة 164 من بين 180 دولة يشملها المؤشر.

ولم تقر موازنة 2022 بعد، كما أن ما ذكر عن رفع الحد الأدنى للأجور، سيطبق مع رواتب شهر فبراير من ذات العام وأن ما يخص يناي سيصرف فيما بعد، في صورة فروقات.

وعدم اعتماد موازنة عام 2022 في السودان، يعكس عدة أمور، على رأسها حالة الاضطراب السياسي، وكذلك الأزمة التمويلية التي تخنق الحكومة، كما يعكس في نفس الوقت حالة اللامبالاة من قبل الحكومة.

 فحتى لو جرى إقرار نفس الموازنة ودون زيادة لمواجهة التضخم، فلا بد من الإعلان عن موازنة قبل بداية العام.

ولعل من أهم أسباب عدم إقرار الموازنة الخاصة لعام 2022، غياب الدعم الخارجي، الذي كان من المفترض أن يمول عدة مشروعات ترتبط بالحماية الاجتماعية، التي تمثل ضرورة للفئات المهمشة، التي زادتها الإجراءات الاقتصادية، الخاصة بحكومة حمدوك، فقرا على فقر.

وفي مطلع يناير 2022، حين تقدم حمدوك باستقالته، تعقد وضع المساعدات الدولية للسودان، كما أصبح الغموض حول تخفيض ديون البلد الخارجية سيد الموقف.

وقد لا تستفيد الخرطوم من هذه الفرصة، في ظل تمسك المانحين بشروطهم، بوجود حكومة مدنية، بينما يرفض هذا الأمر العسكريون بقيادة البرهان على أرض الواقع.

وقد تسبب موقف العسكر وتمسكهم بالسلطة، في عودة المظاهرات والاحتجاجات، للشارع السوداني، وبلا شك فإن هذه الأوضاع غير مناسبة، لكونها تؤجج عدم الاستقرار السياسي والأمني، ويفقد الاقتصاد تحقيق النمو المطلوب في بلد أحوج ما يكون للنمو، ومحاربة البطالة والفقر.

كما أوقف تعنت العسكريين بالسودان وموقفهم الرافض لوجود حكومة مدنية، تنفيذ نحو 17 مشروعا، كانت رهن التنفيذ من قبل البنك الدولي[55].

والغريب أن العسكر في السودان، ليس لديهم بديل يعوض الناس عما هم فيه من عوز اقتصادي، فقد تسبب موقفهم في توقف تدفق الدعم الخارجي، ولم يقدموا البديل. 

وفي الوقت الذي يصر فيه المانحون والأمم المتحدة على تولي المدنيين السلطة في السودان، يتمسك العسكر بموقفهم، على الرغم من تأزم الوضع الاقتصادي بالنسبة للمواطنين.


المحور الرابع: الحالة الفكرية

من واقع التعليم العام في الوطن العربي.. بمناسبة اليوم العالمي للتعليم

اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا بإعلان 24 يناير يوما دوليا للتعليم، احتفاء بالدور الذي يضطلع به التعليم في تحقيق السلام والتنمية في العالم. ودعت العالم بأكمله حكومات ومنظمات حكومية وغير حكومية، ومؤسسات وأفرادا للاحتفال باليوم الدولي للتعليم.
وأكد المسؤولون في اليونسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة) أن التعليم لا يمثل هدفا رئيسا في حد ذاته في خطة التنمية لعام 2030 فحسب، وإنما يعتبر أيضا هدفا من الأهداف التي توفر للناس الوسائل الكفيلة بتحقيقها.

وقالوا في هذا الصدد: "إن اكتساب المعارف والمهارات والقيم والاتجاهات لتنفيذ التنمية المستدامة وإيجاد حلول مبتكرة يكتسب أهمية حاسمة في بلوغ الأهداف العالمية".

كما أن اليونسكو حددت إسهام التعليم في القضاء على الفقر، وتحسين النواتج في مجال الصحة، وتعزيز المساواة بين الجنسين، والاستدامة البيئية وبناء المجتمعات السلمية والقادرة على التكيف، وبناء الجسور لا الجدران[56].

والتعليم مكون أساسي من مكونات الشخصية الإنسانية، فهو يعمل على غرس القيم الثقافية والاجتماعية والوطنية في المواطن، ويساعده على فهم الحقوق والواجبات التي يجب أن يدركها.

 كما يتيح له فرصة التعرف على ثقافته وتاريخه وحضارته وقيم مجتمعه، ويعمل على تحسين الوعي لدى الأفراد، لأن الوعي السليم يغير من طريقة التفكير عند الأشخاص، مما يؤدي إلى التقدم والنجاح، ويتأتى ذلك من خلال تلقي التعليم المناسب، الذي يسهم في تطوير القدرات والكفاءات والمؤهلات لدى الأفراد، والتي يتطلبها سوق العمل[57].

لا يحتاج الإنسان العربي، على الأرجح، إلى دليل على القصور المعرفي في بلدان الوطن العربي؛ فكل الشواهد تظهر أن هذه البلدان لم تتهيأ بعد لدخول الموجة الثالثة (موجة اقتصاد المعرفة).

فما زالت مؤسساتنا التعليمية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وغيرها تعتمد في سياساتها وإستراتيجياتها وخططها وبرامجها على أطر أو منظومات معرفية بالية تجاوزها الزمان والمكان.

ومن أهم التحديات التي تواجه نقل المعرفة في الوطن العربي وتوطينها، عملية استنزاف العقول العربية وهجرة الشباب من المنطقة العربية، التي تعتبر من أكثر المناطق تضررا فيما يتعلق بخسارة وفقدان الكفاءات والمهارات الجامعية والعلمية.

ومن التحديات المطروحة ضعف مؤسسات التعليم والتدريب والبحث العلمي، وتضخم القطاع العام الحكومي، وضعف القطاع الخاص، وبطالة الشباب وهجرتهم، وإغفال الإصلاح والدعم للغة العربية[58].

ولعل من أخطر التهديدات التي تواجه المجتمعات العربية المعاصرة، ما أفرزته الأحداث الداخلية والإقليمية والدولية وانعكاسها في بنية المجتمعات العربية، والمتمثلة بالاحتلال والتدخل الأجنبي، وأحداث الربيع العربي الذي اجتاح المنطقة، فكرا وحراكات مجتمعية شتى، هددت منظومة التعايش والمذهبية، التي ترسخت في الثقافة العربية وحياة مجتمعاتها.

وما استتبع ذلك من قهر الشعوب في اختياراتها، ووصول حكام مستبدين، بدعم غربي، إلى السلطة، بعد أن كانت شعوب العالم العربي تتوق إلى الحرية، والتخلص من أغلال الماضي المتمثلة في السلطات الديكتاتورية.

هناك علاقة طردية بين الحرية والتعليم، وعلاقة عكسية بين التعليم والاستبداد. فالإبداع والتفوق المعرفي لا يمكن له أن يظهر كمنظومة متنامية في المجتمعات، في ظل القهر والسلطات الغاشمة.

وإذا كانت المجتمعات العربية في أشد الحاجة أكثر من أي وقت مضى لبناء نسيج مجتمعي يتسم بالأواصر الاجتماعية القوية، وتعميق الانتماء والوطنية؛ فإن الاستبداد يستمد بقاءه في السلطة من انقسام المجتمع، ولا يشغله النتائج التي ستترتب على ذلك مستقبلا، طالما أن كرسي الحكم أصبح الغاية لدى هذه الأنظمة المستبدة في العالم العربي.

ويمكن القول إن التباطؤ في الإصلاح التعليمي هو السمة العامة للمنظومات التعليمية العربية؛ حيث اعتماد النهج التقليدي في رسم السياسات التربوية، وضعف ارتباطها بالسياسات المجتمعية الأخرى، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وبطء تفاعلها مع متطلبات مجتمع المعرفة، فرديا واجتماعيا ومؤسسيا، واكتسابا للمهارات عالية الكفاءة، وإنتاجا للمعرفة، وقدرة على التنافسية العالمية لدى مخرجات المنظومات التعليمية. ومع أن الوطن العربي يمتلك إمكانات ضخمة؛ سكانية وطبيعية وجغرافية تؤهله لأداء دور مؤثر إقليميا ودوليا، وعلى مختلف الصعد التنموية، فإنه يعيش حالة لا تنسجم مع تلك الإمكانات.

تشير معظم التقارير الصادرة عن الجهات الدولية المعنية إلى تدني مستويات المخرجات التعليمية في الوطن العربي، مقارنة بالدول النامية الأخرى في العالم.

ومن ذلك التقرير الذي صدر عن البنك الدولي، والذي حذر فيه من تخلف التعليم في العالم العربي. ومن أهم ما جاء فيه ما يلي[59]:

مستوى التعليم في الوطن العربي متخلف مقارنة بالمناطق الأخرى في العالم.

يحتاج نظام التعليم العربي إلى إصلاحات عاجلة لمواجهة مشكلة البطالة وغيرها من التحديات الاقتصادية.

على الرغم من أن معظم الأطفال في العديد من الدول العربية استطاعوا الاستفادة من التعليم الإلزامي، وتقلصت الفجوة بين تعليم الجنسين؛ فإن الدول العربية ما زالت متخلفة عن كثير من نظيرتها النامية في هذا المجال.

ضعف الميزانية المرصودة للإنفاق على التعليم في المنطقة العربية مقارنة بالدول الأخرى النامية والمتقدمة.

توجد فجوات كبيرة بين ما حققته الأنظمة التعليمية في العالم العربي، وبين ما تحتاجه المنطقة في عملية التنمية الاقتصادية.

أشار التقرير إلى أن أحد أسباب ضعف العلاقة بين التعليم وانخفاض النمو الاقتصادي هو تدهور مستوى التعليم.

ذكر التقرير أنه برغم كل الجهود العربية للقضاء على الأمية، ما زال معدل الأمية في الوطن العربي يماثل المعدل في دول شرق آسيا وأميركا اللاتينية.

خلص التقرير إلى أن جميع البلدان العربية تحتاج إلى مسارات جديدة في إصلاح أنظمتها التعليمية؛ من أجل الحوافز والمساءلة العامة، إلى جانب اتخاذ الإجراءات الفاعلة لتحسين مستويات المخرجات إلى سوق العمل.

تفيد تقارير دولية أخرى، صدرت في السنوات القليلة المنقضية، أن أهم العوامل التي تفسر المستوى الحالي لمردودية النظم التربوية في بعض الدول العربية، مقارنة بمجموعات أخرى شبيهة، مثل دول أميركا اللاتينية وبعض دول آسيا، هي مدى اعتماد قواعد الحوكمة، وخصوصا الشفافية والتشاركية والمساءلة، ومدى تبني رؤى واضحة ومعايير دقيقة، تهدف إلى تجويد الفعل التربوي، وترسيخ ثقافة التقويم والمتابعة، باعتبارها ثقافة مؤسساتية، تضمن تلك النظم وفاعليتها[60].

وسائل الارتقاء بقطاع التربية والتعليم في العالم العربي:

وضع العلماء المختصون بعض التوصيات التي يمكن أن تساعد في الارتقاء بالتربية والتعليم في العالم العربي ومنها:

مراجعة المناهج التعليمية وإصلاحها، وذلك يكون بتحويلها من مناهج نظرية عقيمة إلى أخرى عملية نافعة.

الانتقال من طرق التدريس التلقينية الجامدة إلى الطرق الحديثة التفاعلية، التي تعلم الإنسان النقد والتفكير السليم، بحيث يصبح الطالب قادرا على التمييز بين الصح والخطأ.

الإصلاح السياسي والاجتماعي الذي ينعكس على حركة التعليم كاملا. 

رفع رواتب المعلمين وتحسين ظروف عملهم حتى يساعدهم ذلك على إعطاء العملية التعليمية كل ما بوسعهم.

الاهتمام بتكوين المعلمين ورفع مستواهم المهني، وتحسين جودة التعليم.

إعادة النظر في أساليب التربية في مجتمعاتنا العربية، من خلال التركيز على دور الأسرة في تربية الطفل وإعطاء أهمية بالغة لمادة التربية الأخلاقية في مدارسنا، والاستفادة من تجارب الدول المتقدمة في هذا المجال.

ترسيخ مبدأ الحرية الأكاديمية ونشره بين المعلمين والمتعلمين على حد سواء، لأنه لا يمكن أن يكون هناك إبداع بدون حرية تفكير.

فتح المجال للمؤسسات التعليمية الخاصة لتنافس المؤسسات التعليمية العامة بغية تحسين المستوى والرقي بالمنظومة التعليمية.

امتلاك الآلية المناسبة لفحص أنماط وأشكال الثقافة الوافدة وملاءمتها للبيئة العربية الإسلامية، والاستفادة من الموروثات الثقافية المحلية والوطنية والقومية، لمتطلبات الحاضر والمستقبل[61].

أولويات المنطقة العربية في مجال التعليم:

ووفقا لبعض الدراسات، فإن التعليم العربي بحاجة إلى تحديد أولويات المنطقة العربية في مجال التعليم ، ليكون قادرا على مواجهة التحديات ومعالجة القضايا، ومن أهمها[62]:

تكثيف الجهود لتحقيق (التعليم للجميع)، وهو مالم يتحقق رغم توافر الإمكانات المادية للوطن العربي كوحدة متكاملة.

معالجة الاختلالات التي أعاقت خطط التطوير التربوي، حيث تسود المنطقة أحداث أدت إلى عدم الاستقرار، وهو ما يزيد الأمور تعقيدا.

التنسيق الفعال بين الأقطار العربية في مجال تنفيذ الإستراتيجيات التربوية، وبخاصة تحديد أولويات الإصلاح.

الترابط والتكامل بين إستراتيجيات التطوير التربوي ومتطلبات التنمية الشاملة المستدامة.

إحكام تكامل أدوار القطاعات المجتمعية الثلاثة: العام والخاص والمدني، من أجل التحسين النوعي والمستمر للتعليم، وزيادة الإنفاق على التعليم.

أهمية تأكيد الإرادات السياسية العليا على جعل التعليم قضية مجتمعية وطنية ذات أولوية.


الإسلام والفن.. التحذير من العبث بمنظومة القيم

الإسلام دين يحب الجمال ويدعو إليه فى كل شيء، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله جميل يحب الجمال". والفن في حقيقته إبداع جمالي لا يعاديه الإسلام.

وغاية ما في الأمر أن الإسلام يجعل الأولوية للمبدأ "الأخلاقي" على "الجمالي"، بمعنى أنه يجعل الثاني مترتبا على الأول ومرتبطا به. وهذا هو الموقف المبدئي للإسلام إزاء جميع أشكال الفنون.

وهناك معيار إسلامي للحكم على أي فن من الفنون يتمثل فى قاعدة تقول: حسنه حسن وقبيحه قبيح. والقرآن الكريم فى العديد من آياته يلفت الأنظار إلى ما في الكون من تناسق وإبداع وإتقان، وما يتضمنه ذلك من جمال وبهجة وسرور للناظرين. ومن هنا لا يعقل أن يرفض الإسلام الفن إذا كان جميلا.

أما إذا اشتمل على القبح بما يعنيه ذلك من قبح مادي ومعنوي، فإن الإسلام يرفضه ولا يوافق عليه.
وترتيبا على ما تقدم فإن الفن إذا كان هدفه المتعة الذهنية، وترقيق الشعور، وتهذيب الأحاسيس، فلا اعتراض عليه؛ ولكن إذا خرج عن ذلك وخاطب الغرائز الدنيا في الإنسان، وخرج عن أن يكون فنا هادفا فإنه حينئذ لا يساعد على بناء الحياة، بل يعمل على هدمها، وبذلك يخرج عن أن يكون فنا، بل يصير نوعا من اللهو المذموم والعبث المرفوض. وهذا أمر لا يقره الإسلام[63].

والغاية التي يستهدفها الإسلام في تحريم ما حرم من ألوان الفنون، هي أن يحول بينها وبين فساد المجتمع، بتأثيرها الشديد الذي يستميل النفوس، ويغريها بالإخلاد للمتاع، والتهالك على الشهوات[64].  

بين الدكتور محمد عمارة رحمه الله أن الفنون يجب أن تكون جميلة في ذاتها، وجميلة في تأثيراتها ووظائفها ومقاصدها، وأن "فنون الدعة والبطالة والتواكل، والاسترخاء والسطحية والتفاهة، غير فنون الحمية والعمل والعزم والانتماء والنهوض"؛ الأولى فنون جميلة بناءة، والثانية فنون، ولكنها ليست جميلة بل هدامة.

ويرى أن "الفن الجميل مهارة يحكمها الذوق الجميل والمواهب الرشيدة، لإثارة المشاعر والعواطف". ويذهب إلى أن خروج المهارات والفنون عن المقاصد الرشيدة يجردها من شرف الاتصاف بالجمال.

 واستشهد على ذلك بقول ابن سينا: "جمال كل شيء وبهاؤه هو أن يكون على ما يجب له".

وينتهي الدكتور عمارة إلى أن الفن المتسق مع الإسلام هو الذي يحقق مقاصده في أمته وفي الإنسانية، عندما تشيع فيه الصبغة التي صبغت بها عقيدته وميزت بها أيديولوجيته إبداع الإنسان الفنان، إنها خيوط غير مرئية تلك التي تربط الوضع الإلهي بالإبداع الإنساني الجميل"[65].

المقاصد الإسلامية للفنون:

للفنون، كما يقول د. إبراهيم البيومي غانم، مهمات لا غنى عنها في كل حضارة من الحضارات وإن اختلفت مرجعياتها الفلسفية، أو تباينت غاياتها النهائية، وتكاد أغلب الرؤى الحضارية والفلسفية تشترك في أن أهم مقاصد الفنون تتمثل في:

1- تنمية العاطفة والوجدان.

2- تنمية مهارات الحواس وتدريبها على الإجادة والإتقان.

3- تحفيز الإنسان على الإبداع والابتكار وتأكيد الذات.

4- ضبط الانفعالات وترويض النزعات الجامحة ووضعها في حالة اتزان.

5- تقدير العمل اليدوي ومهارات الصناعة.

6- فتح المجال أمام الخيال واستثماره في خدمة الإنسان والعمران.

وكلها مقاصد تندرج تحت الإطار العام لمقاصد الشريعة، بل ربما تدخل الفنون بما هي وسيلة إلى باب العقائد ومقاصده، والعبادات ومقاصدها، والآداب ومقاصدها، والجهاد ومقاصده، والسياسة ومقاصدها، كل هذا بحسب موضوع الفن وما يتناوله، فهو وسيلة، وللوسيلة حكم مقصدها[66].

ماذا يريد الذين يعبثون بالقيم في المجتمع العربي المسلم؟

إن أهم ما يكشف عنه التاريخ الحديث والمعاصر للفنون في مجتمعاتنا الإسلامية، هو أنها أصبحت في خدمة عمليات إعادة تشكيل الوجدان الفردي والجماعي بعيدا عن المرجعية الإسلامية ومقاصدها العامة، بل على نحو معاد لهذه المرجعية. ونعتقد أن "الفنون الحديثة" في بلادنا بجملتها، قد أسهمت في تعميق حالة الانقسام الثقافي بين اتجاهات متعارضة، بعضها يتمسك بهويته الموروثة، وبعضها ينفتح على هويات وثقافات أخرى وافدة.

وكان من نتائج ذلك أن مجتمعاتنا عاشت، وما تزال، ضمن سيناريوهات سياسية وثقافية واجتماعية واقتصادية ليست فاعلة فيها ولا منتمية وجدانيا إليها، بل كانت في أغلب الأحوال مادة استعمالية لتلك السيناريوهات[67].

وما سمعنا عنه من انتهاك للقيم والمبادئ التي يحض عليها الإسلام، بل الإساءة إلى مجتمع عربي مسلم محافظ كالمجتمع المصري، ما هو إلا تخطيط شيطاني، وعولمة استعمارية تريد أن تدمر الفضائل في المجتمعات، وتصادم الفطرة السوية التي فطر الله الناس عليها، وتنزع عن الأمة العربية والإسلامية خصوصيتها العقائدية والفكرية والثقافية، حتى يسهل بناء الأجيال القادمة على قالب تلك الحضارة الغربية، ومن لف لفهم من بني جلدتنا.

هذا التسارع الذي يهدفون من ورائه إلى التطاول على كل ما هو ديني، والدعوة إلى الإباحية والانحلال والشذوذ، الذي يؤدي إلى تفسخ المجتمعات، وإشاعة الفاحشة فيه (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة ۚ والله يعلم وأنتم لا تعلمون) [النور: آية 19].


خاتمة

تثبت الأحداث في عالمنا العربي أن الثورة كالنار تحت الرماد، تنتظر من ينفخ فيها لتشتعل وتأكل وكلاء الاستعمار الذين تسلطوا على رقاب الشعوب العربية.

وإذا كانت الثورة قد وئدت في دول عربية فإن الأحداث في السودان، الذي يشهد رفضا شعبيا جارفا للانقلاب وتشبثا بالحق في الحكم المدني، دليل على أن الشعوب لم تخرج من المعادلة بعد، وأن الثورة إذا أخمدت في مكان فستطل برأسها من مكان آخر.

وإذا كانت تونس قد حملت لواء ثورات الربيع العربي، وتجاهد الآن لاسترداد ثورتها السليبة، فإن السودان مرشح لأن يكون هو الملهم في الفترة القادمة بشهدائه الذين يخطون بدمائهم صفحة جديدة من صفحات النضال العربي ضد المستبدين الذين أغرقوا البلاد في دوامة من الفساد والفقر والجهل.


المصادر
[1] إيلاف، إحصائيات فيروس كورونا في العراق، 30 يناير/كانون الثاني 2022، https://bit.ly/3jwyL0e
[2] المصدر السابق.
[3] الروضة، ارتفاع حاد بأعداد إصابات كورونا في العراق، 10 يناير/كانون الثاني 2022، https://bit.ly/3rfCP8P
[4] وكالة الأنباء السعودية، العراق تشدد الإجراءات الصحية تحسبا لأومكيرون، 13 يناير/كانون الثاني 2022، https://bit.ly/3Gke8fN
[5] المصدر السابق.
[6] إيلاف، إحصائيات انتشار فيروس كورونا في الأردن، 30 يناير/كانون الثاني 2022، https://bit.ly/3x5bW84
[7] المرجع السابق.
[8] المصري اليوم، وزير الصحة الأردني يتحدث عن موجة فيروس كورونا، 8 نوفمبر/تشرين الثاني 2021، https://bit.ly/3FZvA9x
[9] الغد، نصف سكان الأردن معرض للإصابة بأوميكرون، 6 يناير/كانون الأول 2022، https://bit.ly/3HlTZqO
[10] الجزيرة، اتفاق سياسي يعيد حمدوك للحكومة، 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2021، https://bit.ly/3paEmdY
[11] الحرة، السودان حمدوك يكشف أسباب عودته إلى منصبه، 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2021، https://arbne.ws/3IcIp2n
[12] وكالة الأناضول، الاتفاق السياسي يمهد لمعالجة قضايا الانتقال الديمقراطي، 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2021، https://bit.ly/315aJT4
[13] الشرق الأوسط، إصرار حمدوك على الاستقالة بعد خلط الأوراق في السودان، 22 ديسمبر/كانون الأول 2021، https://bit.ly/3sMJ9WA
[14] الحرة، أين تتجه الأزمة السياسية في السودان، 26 ديسمبر/كانون الأول 2021، https://arbne.ws/3EBQbjf
[15] CBB، هل تمثل استقالة حمدوك تعقيدا للأزمة أم انفراجة لها، 2 يناير/كانون الثاني 2022، https://bbc.in/3Gc5sI7
[16] المصدر السابق.
[17] بلدي، بعد استقالة حمدوك تظاهرات تطالب بحكم مدني، 6 يناير/كانون الثاني 2022، https://bit.ly/3g9Bo5u
[18] المصدر السابق.
[19] الدستور، مظاهرات جديدة في السودان تحت شعار الوفاء للشهداء، 21 يناير/كانون الثاني 2022، https://bit.ly/3GqnVRD
[20] الجزيرة، بعد استقالة حمدوك.. مجلس السيادة السوداني يبحث تشكيل حكومة كفاءات وقوى الحرية والتغيير تتعهد بهزيمة "الانقلاب"، 4 يناير/كانون الثاني 2022، https://bit.ly/3Gemu8L
[21] وكالة الأناضول، البرهان يعلن عن تسمية 15 وزيرا بحكومة تصريف الأعمال، 20 يناير/كانون الثاني 2022، https://bit.ly/3GirkS5
[22] الخليج أون لاين، تركيا تتهم الإمارات بإثارة الفوضى والفتنة باستخدام دحلان، 16 فبراير/شباط 2020، https://bit.ly/32Ij2oY
[23] المصدر السابق.
[24] مركز الفكر الإستراتيجي، التقاربات الخليجية وانعكاساتها على المنطقة، 19 ديسمبر/كانون الأول 2020، https://bit.ly/3u9SMzh
[25] مركز الفكر الإستراتيجي، قطر ومصر أبعاد التفاهمات وانعكاساتها العربية، 15 يونيو/حزيران 2021، https://bit.ly/3ud9SMr
[26] مركز الفكر الإستراتيجي، تقدير موقف، التقارب التركي الإماراتي بين المعطيات التكتيكية والتطلعات الإستراتيجية، 27 أغسطس/آب 2021، https://bit.ly/3H8L2RH
[27] وكالة الأناضول، أردوغان نسعى لتحسين العلاقات مع السعودية ومصر، 1 ديسمبر/كانون الأول 2021، https://bit.ly/3KUQFVM
[28] سكاي نيوز عربي، استئناف المحادثات بين مصر وتركيا، 31 أغسطس/آب 2021، https://bit.ly/343OBKG
[29] صدى البلد، وزير الخارجية التركي يزور البحرين للمرة الأولى منذ خمس سنوات، 30 يناير/كانون الثاني 2022، https://bit.ly/3L9U03E
[30] وكالة الأناضول، زيارة محمد بن زايد إلى تركيا، 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2021، https://bit.ly/3s5sEmz
[31] سكاي نيوز عربية، تفاصيل الاتفاقيات الموقعة أثناء زيارة محمد بن زايد لتركيا، 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2021، https://bit.ly/34nf4mm
[32] وكالة الأناضول، الرئيس أردوغان يعلن عن زيارة الإمارات، 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2021، https://bit.ly/3HhEsIP
[33] RT عربي، البرلمان الليبي يقر قانون الانتخابات الرئاسية، 9 سبتمبر/أيلول 2021، https://bit.ly/3zUvnkz
[34] RT عربي، الدبيبة اتركوا الشعب الليبي يختار، 23 يناير/كانون الثاني 2022، https://bit.ly/3rfZ52k
[35] بوابة الوسط، نصية: لجنة خارطة الطريق توصلت لمسارين للانتخابات والتعديلات الدستورية، 24 يناير/كانون الثاني 2022، https://bit.ly/3riyGB8
[36] فرانس 24، مجلس الأمن يمدد تفويض البعثة الأممية في ليبيا 3 أشهر، 31 يناير/كانون الثاني 2022، https://bit.ly/3AJXapX  
[37]  RT عربي، مجلس الأمن يمدد البعثة الأممية لمدة 3 أشهر، 31 يناير/كانون الثاني 2022، https://bit.ly/3IW75eH
[38]  RT عربي، ليبيا.. تحركات سياسية لتقرير مصير الحكومة، 31 يناير/كانون الثاني 2022، https://bit.ly/33ZvnpG
[39] المصدر السابق.
[40] RT عربي، الرئيس التونسي: الدساتير ليست أبدية ولا مكان لمن يتلقى تمويلات من الخارج، 13 ديسمبر/كانون الأول 2021 ، https://bit.ly/32OjWQI
[41] RT عربي، "حركة النهضة" التونسية تصف قرارات سعيد الأخيرة بـ"الاعتداء السافر"، 14 ديسمبر/كانون الأول 2021، https://bit.ly/3sH9vJm
[42] العربي الجديد، هل تنجح المعارضة التونسية في فرض حوار وطني، 30 يناير/كانون الثاني 2022، https://bit.ly/3GbZOWp
[43] فرانس 24، تونس.. قيس سعيد يطلق منصة إلكترونية، 1 يناير/كانون الثاني 2022، https://bit.ly/3ugR0fx
[44] العربي الجديد، انتقادات لاذعة للاستشارة الإلكترونية في تونس: "فصلت على مقاس سعيد"، 28 يناير/كانون الثاني 2022، https://bit.ly/34lB2WH
[45] فرانس 24، تونس: مبادرة "مواطنون ضد الانقلاب" تدعو لمقاطعة الاستشارة الإلكترونية التي يريدها قيس سعيد، 30 ديسمبر/كانون الأول 2021، https://bit.ly/3HlUYHM
[46] العربي الجديد، انتقادات لاذعة للاستشارة الإلكترونية في تونس: "فصلت على مقاس سعيد"، 28 يناير/كانون الثاني 2022، https://bit.ly/34lB2WH
[47] فرانس 24، تونس نواب يعقدون جلسة افتراضية بإشراف الغنوشي ويشددون على رفض قرارات قيس سعيد، 27 يناير/كانون الثاني 2022، https://bit.ly/3gfNFp8
[48] euronews، الغنوشي تونس أصبحت في عزلة دولية ـ 27 يناير 2022، https://bit.ly/3HktTo6
[49] روسيا اليوم، أسعار النفط تواصل تسجيل المكاسب، 31 يناير/كانون الثاني 2022، https://bit.ly/3sbduMF
[50] SUPTNIK عربي، 6 جيوش خليجية تنفق 155 مليار دولار سنويا.. حقائق وأرقام عن مجلس التعاون، 10 يناير/كانون الثاني 2021، https://bit.ly/3Heh6Ue
[51] عربي 21، قصف حوثي جديد يستهدف دبي وجازان والتحالف يرد، 24 يناير/كانون الثاني 2022، https://bit.ly/3sa3U9JR
[52] الخليج أون لاين، ما تداعيات استمرار الهجمات الحوثية على الاقتصاد الإماراتي، 24 يناير/كانون الثاني 2022، https://bit.ly/3AM05OK
[53] العربي الجديد، 80% من السودانيين يسقطون في بئر الفقر: الشارع يدفع ثمن تصاعد الاضطرابات، 15 يناير/كانون الثاني 2022، https://bit.ly/3rjzaHb
[54] العربي الجديد، السودانيون ينتقدون الزيادة الزهيدة للأجور: التضخم سيلتهمها، 31 يناير/كانون الثاني 2021، https://bit.ly/3HlaEuD
[55] DW، حمدوك.. استقالة في وقت حرج تثير قلقا بشأن مستقبل السودان، 3 يناير/كانون الثاني 2022، https://bit.ly/3of4QLO
[56] اليونسكو، أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 24 كانون الثاني/ يناير اليوم الدولي للتعليم، 5 ديسمبر/كانون الأول 2018، https://bit.ly/3um172G
[57] الوطن، اليوم العالمي للتعليم، 25 يناير/كانون الثاني 2019، https://bit.ly/3GmgKKc
[58] المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، واقع التعليم العام في الوطن العربي وسبل تطويره، تونس 2014، وعمان 2016، ص9.
[59] لها أون لاين، التعليم في العالم العربي.. الأزمة والعلاج، 6 فبراير/شباط 2010، https://bit.ly/3KZZaz9
[60] العربي الجديد، من واقع التعليم في الوطن العربي، 25 سبتمبر/أيلول 2018، https://bit.ly/3ueDQjq
[61] ساسة بوست، التعليم في العالم العربي.. المشاكل المطروحة والحلول المقترحة، 14 سبتمبر/أيلول 2020، https://bit.ly/3Hj2gvH
[62] برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقرير التنمية البشرية: المضي في التقدم.. بناء المنعة لدرء المخاطر، 2014.
[63] الدستور، ما موقف الإسلام من الفن؟ د. محمود حمدي زقزوق، 31 يوليو/تموز 2009، https://bit.ly/3AOQyGW
[64] الألوكة الثقافية، نظرة الإسلام إلى الفنون كما يراها المعاصرون، 7 يونيو/حزيران 2014، https://bit.ly/3Gfvdav
[65] د. محمد عمارة. الإسلام والفنون الجميلة، دار الشروق، القاهرة 1411هـ/1991م، ص 7، 11.
[66] مجلة المجتمع، الفنون في الإسلام.. نظرة مقاصدية، 5 يناير/كانون الثاني 2019، https://bit.ly/35w4fPf
[67] د. إبراهيم البيومي غانم. مقاصد الشريعة بمذاق الفنون الجميلة، البناء الحضاري، العدد 44، قضايا فكرية، 1765.
حمل الموضوع كاملاً بصيغة pdf

كلمات مفتاحية :

الأردن الإمارات البحرين السعودية السودان العراق اليمن تونس فلسطين قطر