إشكالية الالتباس بين الإسلام والجماعات الإسلامية

منذ 2019/05/15 10:05:00| 154 مشاهدة| Link | د. عبدالله الأشعل | آراء
إن ضربت في صراع سياسي فليس ذلك ضربا للدين فالدين باق والجماعات زائلة
حجم الخط

هذه القضية أحد أهم أضلع مشكلة الجماعات الإسلامية على امتداد ستة عقود، صحيح أن الجماعات التي تنشأ على أساس الدين تمارس دورا اجتماعيا مشهودا، وفي مناخ الحرية فى النظام الديمقراطي تمارس دورا سياسيا بقدر ما يسمح به النظام الديمقراطي، ولا ضير أن تستدعي الدين في بعض المواقف.

ولكن المشكلة في مصر والعالم العربي تأخذ وضعا مختلفا لأن السلطة تحتكر المجال العام كلية اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، كما أن هذه الجماعات نشأت تحت بصر المحتل الإنجليزي والسلطة الملكية في مصر. ولكن كان هناك حذر متبادل من الطرفين، فانخرطت الجماعات الإسلامية في الحركة الوطنية ضد الإنجليز، على أساس ديني تحت شعار الجهاد في سبيل الله، من حيث أن أهم شعب هذا الجهاد، هو تحرير الوطن.

ولكن هذا الوطن في نظر هذه الجماعات ليس له نطاق جغرافي، وإنما الوطن الإسلامي الذي يجمع المسلمين عبر الحدود السياسية. هذا البعد وسعي هذه الجماعات إلى الاحتكاك بالسلطة هو الذي أحدث الصدام بينهما فترتب على ذلك نتيجتان؛ النتيجة الأولى هي أن هذه الجماعات كان لها مصلحة في إجلاء الإنجليز وتغيير الحكم ظنا منها أنها ستتولى السلطة وتنفذ منظورها ورؤيتها الدينية فاصطدمت بضباط يوليو الذين أسسوا للحكم العسكري، وتوالى على الحكم شخصيات عسكرية.

أما النتيجة الثانية؛ فهي أن القوى الكبرى اصطدمت بالإسلام والمسلمين أو حاولت استغلالهم فى صراعاتها، فعلت ذلك اليابان وألمانيا أثناء الحرب العالمية الثانية ثم انفردت الولايات المتحدة باستغلال هذه الجماعات لمحاربة الاتحاد السوفيتى، ثم أنشأت القاعدة وطالبان وداعش، لكي تكون أدوات فى سياساتها الخارجية، وإن لم تحكم السيطرة الكاملة على هذه التنظيمات كما أنها تلعب في فضاء عالمي مفتوح فلا تتحقق أهدافها كاملة بسبب التداخل بين القوى ذات المصالح. 

وفي مصر كانت مطاردة الجماعات الإسلامية سياسة ثابتة في عهد عبدالناصر، ثم تحالف معها السادات ضد اللبراليين والناصريين والقوميين، وأخيرا حاول حسني مبارك أن يضعهم فى مجال محدد يكون لهم صوت المعارض دون أن يشاركوا في الحكم. فلما قامت ثورة يناير تصدروا الساحة، ففكر المجلس العسكرى في التخلص منهم وانتهز رغبتهم في الحكم والانفراد بالسلطة، لكي يؤسس لعداء شعبي ودولي لهم وهو يستعيد السلطة التي ظلت مترددة بعد الثورة وأعد للأمر عدته.

وقد تكررت وترددت أنباء عن المصالحة بين الجماعات الإسلامية، خاصة الإخوان المسلمين، وبين القيادة العسكرية في مصر ولكن من الناحية المنطقية أصبحت السلطة هي سبب الصراع بين الطرفين ولا يمكن المشاركة بينهما فيها. صحيح أنهما يشتركان في مذهب السمع والطاعة، الذي يستبعد أي حوار أو سياسة ولكنهما يختلفان في الطبيعة والرؤية والتحالفات، وإذا استمر الأمر كما هو فإن مصر وشعبها هما الضحية، ولذلك وجب اقتحام هذه المحظورات والدعوة إلى الحوار حولها، ونبين في هذه المقالة بعض الخطوط التي تساعد على هذا الحوار.

أولاً: يجب على الفريق العسكري والفريق الديني أن يجري مراجعة أمينة لسلوكه وسجله، وأن يكون المعيار هو قدر الضرر والفائدة التي لحقت بمصر من سلوكها، وفي هذا السياق لابد أن يفكر الفريق العسكري بأن وظيفته الأساسية هي الدفاع عن الوطن وعدم الظهور في الحياة العامة، كما يجب أن يفكر الفريق الديني في أن علاقة هذا الفريق بالدين وتدينه وإيمانه لا تصلح منطلقا للحكم والإدارة فهذه قضايا أخلاقية، والمعول عليه في الدول هو القانون وليس إيمان الحاكم.

والغريب أن الفريقين لا يؤمنان بالديمقراطية ولا بالحياة السياسية، بينما مصر تحتاج إلى دولة مدنية لا أثر فيها للصفة العسكرية أو الدينية وإنما يتم تنمية المكون المدني مقابل تراجع المكون العسكري والديني في السياسة والحكم.

ثانياً: كلا الفريقين استخدم الدين بشكل تنافسي لكسب قلوب الناس، وقد سجل التاريخ المعاصر فصولا مضحكة من السوابق والأمثلة في سباق محموم على السلطة تستباح فيه القيم الدينية والأخلاقية والدماء، وقد تكلفت مصر كثيراً بسبب هذا الصراع المحموم.

ثالثاً: الإسلام دين أنزله الله سبحانه وتعالى لكل خلقه، وهو مستمر لقيام الساعة وقد أدى استغلاله من الفريقين إلى نتائج كارثية أضرت بموقف الناس من الدين وسمحت بانتشار موجة الالحاد، فكأن الفريقين ساهما بأقدار مختلفة فى هذه الجريمة.

رابعاً: أنه لابد من ميثاق وطني يلتزم به الفريقان والشعب المصري، إذ تكون مصلحة البلد الظاهرة بعيدة عن الفريقين، وأن يكون لكل دائرته الخاصة، وأن تكون السلطة في يد المدنيين وتطلق حرية التعبير وحرية العبادة، وأن يتوقف الفريق العسكري عن الاستناد إلى القوة الغاشمة في الدفاع عن سلطته في البلاد، وأن يخضع هذا الفريق لتقديرات السياسة المدنية، وأن يدرك الفريق الديني أنه لا يدافع عن الإسلام وليس مخولا بذلك، وليس وصيا عليه.

وأن يقتصر عمله على الدعوة إلى الله مقابل أن يتوقف الفريق العسكري عن القيم التي بثها عبر ستة عقود، وهي قيم سلبية قوامها أن هذا الفريق له الوصاية على الوطن والدولة، وأن يدرك أن وظيفته في حماية يأمر بها الحاكم المدني، وأن لا يجد غضاضة في أن ينصاع إلى أوامره؛ فمصر قبل الفريق الديني والعسكري وبعدهما فلا سلطان لأحد منهما عليها. ومصر دولة إسلامية منذ جاء عمرو بن العاص، وستظل كذلك إلى قيام الساعة، والجماعات الإسلامية ليست قرين الإسلام فإن ضربت في صراع سياسي فليس ذلك ضربا للدين، فالدين باق والجماعات زائلة. 

المهم كيف ننفذ ونطبق هذه المفاهيم والإيضاحات على فريقين نذر كل منهما نفسه لإفناء الآخر على حساب الشعب المصري؟ مع ملاحظة أن الحكم المستبد يبعد كل طامح ولو مشروع فى السلطة مهما كان انتماؤه الديني أو الاجتماعي.

فلو كانت هناك جماعات مسيحية تجرأت على السلطة التي يتولاها الفريق العسكرى لما تغير الموقف كثيراً، فالسلطة ليست حكرا على الفريق العسكري أو الفريق الديني، وإنما هي متاحة لمن تفرزه الانتخابات النزيهة من المصريين لتولي السلطة.

وقد كانت ثورة يناير هي الطلقة الأولى فى هذا الاتجاه الذي سوف يتحقق لا محالة كلما استوعب الشعب المصري هذه الحقائق ووضع كلا في مكانه. 


تحميل

كلمات مفتاحية :

الإخوان المسلمين الفريق العسكري ثورة يناير مصر

تعليقات ونقاش

موضوعات متعلقة