فساد ونزاعات وتدخلات.. ثالوث يهدد اقتصاد لبنان

منذ 2019/05/15 17:05:00| 357 مشاهدة| Link | تقارير
الضغط الاقتصادي على بيروت يأتي ضمن سياسة التأديب التي ينتهجها بن سلمان من جهة وإيران وحزب الله من جهة أخرى
حجم الخط

لا صوت يعلو في لبنان عن الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تمر بها البلاد، وهو ما دفع العديد من المنظمات الدولية الاقتصادية، إلى التحذير من وصول لبنان لحالة الإفلاس.

ورغم أن رئيس الحكومة سعد الحريري أكد أكثر من مرة خلال الأيام الماضية على استبعاد ذلك، إلا أن تصريحات الرجل أيضا، عبرت عن مدى القلق الذي تعيش فيه بلاده، التي ما أن تخرج من أزمة حتى تقع في أسوأ منها.

ووفق التحليلات التي تناولت الوضع الاقتصادي المتأزم في لبنان، فإن ثالوث الفساد والنزاعات الداخلية والتدخلات الإقليمية، هي التي أوصلت البلاد لهذه الحالة، وهي أيضا التي وضعت لبنان أمام مستقبل مجهول، يمكن أن يدفع بها إلى الانهيار، الذي سيكون له نتائج وخيمة على المنطقة العربية بأكملها.

ما هي إذن أسباب الأزمة الراهنة، ولماذا فشلت تحركات الحريري المخضرم اقتصاديا، في تجاوز خطوط الخطر المختلفة، وهل تدفع لبنان ثمن التدخلات الإقليمية في شؤونها، أم أن الضغط الاقتصادي عليها، يأتي ضمن سياسة التأديب التي ينتهجها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، من جهة، وإيران وحزب الله من جهة أخرى.

تساؤلات مشروعة

تصريحات المسؤولين اللبنانيين خلال الأيام الماضية، عولت كثيرا على الموازنة الجديدة لعام 2019، والتي تشهد عدة إجراءات يمكن أن تساعد في حل الأزمة الاقتصادية الراهنة، وهو ما أكده رئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس الحكومة رفيق الحريري، وكذلك رئيس الدولة ميشال عون، إلا أن التحليلات التي تناولت الأزمة، ترى أن الموازنة التي يعول عليها الجميع، لا تملك حلا سحريا، يمكن أن ينتشل لبنان من أزمتها الطاحنة.

التحليلات تشير إلى أن هناك أسبابا محددة هي التي أوصلت الوضع لهذه الحالة المتردية، منها أسباب سياسية وأخرى إدارية، وثالثة متعلقة بالفساد الذي تجذر في مفاصل الدولة، وبات من الصعب القضاء عليه.

وحسب الرأي السابق فإن البعض مازال يرى أن الأزمة الاقتصادية مفتعلة، وأنها نتيجة للمكايدة السياسية التي تشهدها البلاد منذ فشل الإجماع على اختيار رئيس الدولة، ثم التدخل السعودي الصريح في تشكيل الحكومة، في إطار الضغط على إيران وحزب الله، إلا أن هذا لا يعني عدم وجود أسباب فنية تطل برأسها بين الحين والآخر، لتؤكد أن الوضع أكبر من النظرة السابقة، مع عدم إغفالها كذلك.

ووفق تحليل للكاتب السياسي باسم غنوم في افتتاحية مجلة الأمان المعبرة عن الجماعة الإسلامية في لبنان (الإخوان المسلمين)، فإن تصاعد حدّة التحركات النقابية الرافضة لمشروع موازنة 2019، يطرح عدة تساؤلات عن من يحرك سلسلة الاعتراضات والإضرابات المعترضة على مشروع موازنة العام 2019 في الشارع، وهل الحكومة فعلا على موقف واحد من مشروع الموازنة وما تضمنته من بنود إصلاحية طالت مختلف الوزارات والمؤسسات؟ وهل ما يجري من تحركات اعتراضية وإضرابات له خلفيات سياسية؟ وما هي فرص الحكومة في إقرار مشروع الموازنة؟

إجابات الحريري

ولعل التصريحات التي أدلى بها رئيس الوزراء رفيق الحريري بعد اجتماعه في قصر بعبدا مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس البرلمان نبيه بري، تحمل العديد من الإجابات على التساؤلات السابقة، ولكنها أيضا تركت المجال غامضا أمام تساؤلات أخرى.

الحريري رغم استبعاده دخول البلاد مرحلة الإفلاس، إلا أنه أيضا لم يقلل من خطورة الوضع الاقتصادي، ورغم أنه أكد أن الاحتجاجات لن تقدم حلا، ولن تكون وسيلة ضغط على الحكومة، إلا أنه كذلك لم يقدم البدائل لنزع فتيل الأزمة، ولم يوضح من هم المسؤولين عن تصاعد الأحداث الأخيرة.

وحسب تصريحات الحريري، فإن تقليص الموازنة ليس موجها ضد قطاع بعينه، والموازنة الجديدة تمثل فرصة ذهبية للاتفاق على موازنة واقعية، مشددا على أنها لن تمس الفقراء، متهما البعض بنشر الشائعات والتسريبات الخاطئة لكي تظل الاحتجاجات متواصلة.

أزمات متداخلة

وحسب محللين لبنانيين فإن غياب الاستثمارات عن بلاهم، هو نتيجة طبيعية لعدم الاستقرار السياسي، وغياب الحوافز والتطمينات التي تؤمنها الدولة للمستثمرين في الداخل والخارج، ما يجعلها المسؤول الأوّل عن تراجع الوضع الاقتصادي إلى المستوى الذي وصل إليه، ولأن المطلوب من لبنان زيادة في أرقام النمو فإن هذا الأمر لا يُمكن تحقيقه من دون استثمارات، وهو ما يربك المسؤولين ويجعلهم حائرين.

وجهة نظر هذا الفريق من المحللين، ترى بأن تقاذف الاتهامات بين المسؤولين للتهرب من المسئولية، يكشف عن تفضيلهم لمصالحهم الخاصة على مصلحة البلد، وهو ما أدى بشكل واضح إلى تراجع الوضع المالي على النحو الذي هو عليه الآن، ويأتي في مقدمة ذلك عدم التزام الحكومة بالأرقام التي تنص عليها الموازنات الخاصة بالإنفاق، بالإضافة للتوظيف العشوائي الذي حدث خلال الانتخابات النيابية الأخيرة، وقبلهما الديون وفوائدها.

الرأي السابق يأتي متوافقا مع تحليل مفصل لوكالة الأنباء الألمانية، أكدت فيه أن الأزمات السياسية التي تعيشها لبنان، جعلت كل طرف من أطراف الخلاف، يهتم بتحميل الأطراف الأخرى أعباء إضافية، واستدل التحليل بالتصريحات التي أطلقها الرئيس اللبناني قبل شهر، وتحديدا عشية الاحتفال بعيد الفصح، عندما أطلق تصريحات مثلت غمزا ولمزا في الحريري، عندما دعا من اعتبرهم بلا خبرة لحل المشكلات الاقتصادية في لبنان، بأن يأتوا إليه في قصر بعبدا، وسوف يجدون الحل لديه.

المراقبون الذين تحدثوا للوكالة الألمانية، اعتبروا تصريحات عون تكشف عن حدة التصدع داخل أركان الحكم، وأنه بهذه التصريحات يريد سحب ملف الاقتصاد من الحريري، نتيجة توافق الأخير مع حركة أمل والتيار الوطني الحر، الذين دعموا خطة الحريري في فرض إجراءات تقشفية قاسية لضبط إيقاع موازنة الدولة.

المراقبون يرون أيضا أن التحالف الثلاثي بين تيار المستقبل وحركة أمل والتيار الوطني الحر، ربما أزعج عون، وبالتالي شعر بالحاجة إلى إعادة تصويب البوصلة صوب بعبدا كراعية للإصلاحات، في إشارة لإيران وحزب الله، بينما الفشل من نصيب الحريري في إشارة للسعودية.

حلول ممكنة

وتشكك تحليلات أخرى في قدرة حكومة الحريري في تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي، الذي يعتمد على سياسة التقشف، وهو ما ينطبق أيضا على أي حكومة أخرى، في ظل اتساع الهوة بين الطبقات الحاكمة أيا كان توجهها، وبين مختلف فئات الشعب اللبناني، خاصة وأن القضية لم تعد خطة حكومية، وإنما أصبحت في كيفية مواجهة ما يعرف بـ "الكارتل الحاكم" والذي يتكون من تحالف القادة الطائفيين ورجال الأعمال والأمنيين، وبالتالي فإن الإصلاحات الاقتصادية التي سيتم تمريرها ستكون محدودة.

مؤيدون لهذا الرأي يرون أن السبب في ذلك يرجع إلى انعدام المساواة الذي بلغ مستويات خطيرة في لبنان، أو مواجهة الفساد المستشري في مؤسساته، في ظل دفاع النخب السياسية والاقتصادية للحفاظ على مصالحها، خاصة وأن تطبيق إصلاحات جذرية سوف يلحق الضرر بالإيرادات التي تجنيها هذه النخب من الدين العام أو القطاع العقاري، وهو ما جعل محاولات الإصلاح خجولة خلال السنوات الماضية.

ووفق رأي الخبير الاقتصادي اللبناني "طوني طعمة"، فإن الوضع الاقتصادي في لبنان أصبح دقيقا للغاية ويتطلب 4 إجراءات عاجلة قبل أن يدخل في مرحلة أسوأ، ووضع طعمة التقشف على رأس هذه الإجراءات، خاصة أن كل التصنيفات العالمية عن لبنان جاءت سيئة للغاية، وهو ما يحتاج من الحكومة خفض عجز الموازنة لأكثر من 11 مليار دولار، وتقليل نسب القروض التي تجاوزت 150% من الناتج القومي، كما تحدث طعمة عن محاربة الفساد الذي أصبح أشبه بالغول الذي يلتهم كل إمكانيات ومقدرات الدولة.

هل تفلس لبنان؟

ورغم الآراء والتحليلات السابقة، إلا أن التساؤل الأبرز سوف يظل مطروحا، ويبحث عن إجابة مقنعة، وهو هل يمكن أن تفلس لبنان بالفعل، وتكون بذلك أول دولة عربية تشهر إفلاسها؟!

عدد من المحللين أجابوا على التساؤل السابق، بأن الحالة الراهنة التي تمر بها لبنان، ليست جديدة، حيث سبق وأن مرت بنفس الموقف خلال العقدين الماضيين، وكانت البلاد وقتها على حافة الإفلاس الاقتصادي، غير أن مؤتمرات باريس ومساعدات وقروض دول الخليج منعت ذلك.

ومن المرجح أن مثل هذا الدعم الذي تأخر هذه المرة لممارسة الضغوط السياسية ودفع خطوات الإصلاح، سيمنع مجدداً حدوث انهيار اقتصادي في بلد ما يزال يقترض ليدفع خدمة ديونه بانتظام، بالإضافة إلى حرص القوى الإقليمية والدولية التي تتقاسم النفوذ في لبنان على استمرار الوضع على ما هو عليه منذ عقود عديدة، في إطار نظام سياسي طائفي يخدم مصالح هذه القوى.


تحميل

المصادر:

  1. الوضع الإقتصادي لا يبشر بالخير لكنه لم ينهَر!
  2. موازنة العام 2019 .. بين الخلفيات السياسية والتحركات الاعتراضية
  3. الحريري: لبنان بعيد عن الافلاس وذاهبون لتنظيم الامور بالدولة
  4. هل لبنان مهدّد بالانهيار الاقتصادي والإفلاس المالي؟
  5. تفاقم الدين العام يقود الاقتصاد اللبناني نحو "الإفلاس"
  6. اقتصادي لبناني: أربعة عوامل تساهم في الخروج من الأزمة الاقتصادية
  7. صراع الزعامات يعرقل حل الأزمة الاقتصادية في لبنان
  8. الإقتصاد اللبناني كما تراه وكالة الإستخبارات الأميركية
  9. لبنان: الوضع الاقتصادي يلامس خط الخطر
  10. تحليل: إصلاح اقتصادي وإفلاس مؤجلين حتى إشعار آخر في لبنان
  11. دراسة: ما احتمالات وضع لبنان إصلاحات اقتصادية عاجلة؟

كلمات مفتاحية :

إيران اقتصاد بن سلمان حزب الله لبنان

تعليقات ونقاش

موضوعات متعلقة