Wednesday 21 April, 2021

صحيفة الاستقلال

منظومة “القبة الحديدية” للاحتلال الإسرائيلي.. كيف فشلت مجددا؟

منذ 2019/05/08 10:05:00 | تقارير
القسام قالت إنها تجاوزت القبة الحديدة بإطلاق عشرات الصواريخ في آن واحد
حجم الخط

حالة من الهدوء الحذر تسيطر على المناطق الحدودية بين قطاع غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة، بعد يومين من الاشتباكات المتبادلة راح ضحيتها عدد من المدنيين الفلسطينيين، لكن داخل أروقة الاحتلال ووسط صناع القرار فيه ربما لا يبدو الأمر هادئا.

منظومة "القبة الحديدية" الإنجاز العسكري الذي يتفاخر به جيش الاحتلال كانت مبعث القلق لدى قادته، لم لا وقد فشلت في اعتراض العديد من صواريخ المقاومة، ورسبت مجددا في اختبار أقل فعالية بكثير مما أُنشئت لأجله.

تكتيك جديد

"أبو عبيدة"، الناطق باسم "كتائب القسام" الجناح المسلح لحركة "حماس"، قال إن الكتائب استطاعت تجاوز القبة الحديدية الإسرائيلية، من خلال تكتيك إطلاق عشرات الصواريخ من غزة "دفعة واحدة".

وتابع: "لقد نجحت كتائب القسام بتجاوز ما يسمى القبة الحديدية، من خلال اعتماد تكتيك إطلاق عشرات الصواريخ في رشقة واحدة"، مضيفا: "كثافة النيران العالية والقدرة التدميرية الكبيرة للصواريخ التي أدخلتها القسام على خط المعركة، نجحا في إيقاع خسائر ودمار لدى العدو، مما أربك حساباته".

تصريحات أبو عبيدة، جاءت بعد ساعات من الإعلان عن التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار برعاية مصرية وأممية، رأى مراقبون أنه يشير إلى صدمة إسرائيلية من قدرة صواريخ المقاومة على اختراق القبة الحديدية.

ولهذا، فإن موافقة الاحتلال التي تشبه الرضوخ على الهدنة، جاءت في سياق رغبته بوقفة جادة يفيق فيها بداية من الصدمة، ومن ثم يفكر في كيفية تدارك الأمر، وإعادة الحسابات التي تبين خطؤها.

قناة "كان" العبرية الرسمية، ألمحت إلى الرضوخ الإسرائيلي، عندما أعلنت أن شروط اتفاق وقف إطلاق النار، تتضمن سماح سلطات الاحتلال لدولة قطر بإدخال 30 مليون دولار أمريكي إلى قطاع غزة، مقابل تعهد حماس بتخفيض تظاهرات العودة الأسبوعية على حدود غزة.

المثير بالموضوع، أنه وقبل اندلاع الاشتباكات بأيام، نقلت تقارير إعلامية عبرية عن مصادر مطلعة قولها، إن جيش الاحتلال نشر بطاريات جديدة لمنظومة القبة الحديدية في مختلف المدن المحتلة، استعدادا لهجمات متوقعة.

وفي منتصف أبريل/نيسان الماضي، قال الموقع الإلكتروني العبري "مفزاك لايف"، إن قوات الاحتلال أنهت، من جديد، نشر بطاريات منظومة "القبة الحديدية" في منطقة الجنوب الموازية لقطاع غزة.

وأكد الموقع، أنه على الرغم من الحديث عن التهدئة بين حركة حماس وإسرائيل في غزة، فإن جيش الاحتلال لم يعره اهتماما وإنما عمد إلى نشر المنظومة الدفاعية في منطقة الجنوب بوجه عام، استعدادا لأي عمليات من القطاع.

خسائر بالجملة

لكن الحديث عن تحديات أمنية جديدة تواجهها سلطات الاحتلال بعد عدوانها الأخير يكون قاصرا، إذا لم يتضمن الخسائر الاقتصادية والسياسية التي تسببت فيها صواريخ المقاومة الفلسطينية للاحتلال.

موقع "ستراتفور" الأمريكي الاستخباري، قال إن كل من يسافر أو لديه عمل تجاري داخل إسرائيل يجب عليه مراجعة خطط الطوارئ الموضوعة لمواجهة صواريخ المقاومة الفلسطينية القادمة من قطاع غزة، كما توقع اندلاع صراع عسكري كبير بين الجانبين.

وأوضح، أن القصف الصاروخي الفلسطيني ربما يعرقل فعاليات مسابقة "يوروفيجن الموسيقية" التي تُنظم خلال الفترة من 14 إلى 18 مايو/أيار الجاري واحتفال إسرائيل بـ "يوم الاستقلال".

وبحسب الموقع، فإنه رغم أن تهديد صواريخ "المقاومة" الفلسطينية يكون أكبر كلما اقتربنا من حدود قطاع غزة، فإن معظم إسرائيل باتت في مرمى نيران "الصواريخ الأكثر تطورا الموجودة بترسانة حركة المقاومة الإسلامية حماس".

وأشار إلى أن صراعا عسكريا شاملا بين الجانبين يطلق فيه الفلسطينيون آلاف الصواريخ وترد إسرائيل بغزو بري واسع، سيضع كامل إسرائيل تحت تهديد نيران الصواريخ ووقف الحركة الجوية وإغلاق غالبية، إن لم يكن كل، الأنشطة التجارية وحركة السكان بوسط وجنوب إسرائيل.

الضرر الآخر يأتي مع قرار وزير الطاقة "يوفال شتاينتس" وقف ضخ الغاز الطبيعي من حقل "تمار" لاستخدام مصادر طاقة أخرى، ما سيتبعه أيضا تكاليف مالية طائلة ستنفقها المؤسسة الإسرائيلية وشركة الكهرباء.

وبحسب صحيفة "ذي ماركر" الاقتصادية، فإن أي حرب تخوضها إسرائيل ستكون تكلفتها الاقتصادية من ثلاثة أنواع: مسّ مباشر بالاقتصاد جراء فقدان نشاط اقتصادي وأيام عمل، إضافة إلى إلحاق أضرار بالأملاك وإنفاق عسكري يشمل ذخيرة ومخزون أسلحة وتعطيل قوات الاحتياط عن العمل.

القبة ترسب مجددا

بالعودة إلى الحديث عن فشل القبة الحديدية في اعتراض صواريخ المقاومة، نجد أن الأمر ليس وليد الاعتداءات الأخيرة بل تكرر سابقا في مرات عديدة، أثبتت خلالها المنظومة الدفاعية أنها لا تساوي تكلفتها الباهظة.

في أواخر مارس/آذار الماضي، وللمرة الثانية في غضون أقل من شهر تقريبا فشلت منظومة القبة الحديدية في اعتراض صواريخ أطلقت من قطاع غزة باتجاه تل أبيب، بينما أعلنت سلطات الاحتلال حينها أن الجيش يحقق في سبب الفشل.

الصاروخ الذي تحاول سلطات الاحتلال منذ ذلك الحين بحث أسباب اختراقه للقبة الحديدية، يسمى "جي-80"، تيمنا بزعيم الجناح العسكري للحركة أحمد الجعبري، ووفقا لحركة حماس بشأن هذا الصاروخ، فإنه لا يمكن تعقبه نظرا لأنه لا يتخذ مسارا خطيا أثناء تحليقه في الجو، بل يتخذ مسارا متعرجا يجعل من الصعب على المنظومة الدفاعية رصده.

وفي أكتوبر/تشرين أول الماضي، قال الموقع الإلكتروني الاستخباراتي "ديبكا"، إن منظومة "القبة الحديدية" الدفاعية الإسرائيلية لم تجد نفعا، ولم تقدم شيئا أمام صواريخ حركة حماس، وكشفت عيوبا كثيرة في الجيش الإسرائيلي".

وتساءل الموقع المقرب من جهاز الاستخبارات الإسرائيلي "الموساد" عن كيفية وصول صواريخ "تورنيدو" لقطاع غزة، وهو النوع الذي أطلق حينها من القطاع على مدينة بئر السبع.

وأوضح، أنه من الطبيعي أن تتصدى المنظومة الدفاعية الإسرائيلية لمثل هذه الصواريخ، ولكن "القبة الحديدية" لم تتصد لها، ومن هنا، قرر جيش الاحتلال نشر المزيد من بطاريات "القبة الحديدية" بمنطقة بئر السبع ومحيطها، وفي أماكن أخرى في المناطق المحتلة.

وأشار الموقع إلى أن أجهزة المخابرات الإسرائيلية فشلت في معرفة مدى وجود مثل هذه الصواريخ لدى الفلسطينيين في قطاع غزة من عدمه، خاصة وأنها صواريخ جديدة من نوعها لدى الطرف الفلسطيني، وهي صواريخ "تورنيدو".

وكان صاروخ "تورنيدو جي Tornado-G" حينها هو الصاروخ الأول من نوعه الذي يطلقه الفلسطينيون على الداخل الإسرائيلي من قطاع غزة.

وفي يونيو/حزيران 2018، أطلقت فصائل المقاومة الفلسطينية أكثر من 15 قذيفة صاروخية من قطاع غزة باتجاه البلدات الإسرائيلية، اعترضت منظومة القبة الحديدة ثلاثا منها فقط، وهو ما اعترف به جيش الاحتلال على صفحته في موقع "تويتر".

حكاية القبة الحديدية

"القبة الحديدية"، منظومة دفاع جوي ضد الصواريخ قريبة المدى وقذائف الهاون، وغالبا ما توجد قريبا من المناطق المأهولة بالسكان، لتحدد الصواريخ القادمة نحوها، ومن ثم تطلق صواريخ مضادة؛ لتفجير الصواريخ الأولى في الجو قبل سقوطها.

في عام 2007، اختار وزير الدفاع الإسرائيلي عمير بيريز نظام القبة الحديدية كحل دفاعي لاعتراض الصواريخ قصيرة المدى. أتى ذلك بعد حرب الـ2006 وبعد الـ4 آلاف صاروخ "كاتيوشا" تقريبا (قصيرة المدى) التي أطلقها "حزب الله" من لبنان باتجاه حيفا ومناطق أخرى في الشمال.

كما أتى البحث حول تطويرها بموازاة آلاف الصواريخ (معظمها "قسام") التي أُطلقت بين عامي 2007 و 2008 باتجاه مناطق الجنوب، وهي صواريخ يقع في مداها حوالي مليون إسرائيلي.

تولّت شركة "رافائيل لأنظمة الدفاع المتقدمة" تطوير النظام الذي هدف إلى اعتراض الصواريخ قصيرة المدى (بحدود 70 كيلومترا) والقذائف المدفعية، ومنذ عام 2007، بدأ العمل على تطوير النظام بالتعاون مع "ريثيون" (Raytheon) الأمريكية، وتم اختباره للمرة الأولى عام 2008 وللمرة الأخيرة عام 2010، قبل أن يدخل في الخدمة منتصف عام 2011.

ومنذ ذلك الحين، بدأ جيش الاحتلال في تطوير النظام كحل دفاعي لإبعاد خطر الصواريخ قصيرة المدى عن مستوطناته، ولا يختلف النظام من ناحية المبدأ عن فكرة "الدرع الصاروخي الأمريكي"، مع فارق أن الثاني مجاله أوسع، ويعتمد على تقنيات متطورة مرتبطة بشبكات تعقب بواسطة الأقمار الصناعية، للتصدي للصواريخ بعيدة المدى، والعابرة للقارات.

تقوم فكرة القبة الحديدية على أن النظام يرصد الصواريخ القادمة نحو منطقة تغطيته، فيحدد موقعها ثم يرسل معلومات تتعلق بمسارها إلى مركز التحكم، الذي يقوم بدوره بحساب الموقع الذي يمكن أن يضربه به، فإن كان الموقع المحدد يتيح مقدارا من الضرر، يتم اعتراضه بصاروخ مضاد، وإلا فإنه يترك ليسقط.

ويحتوي الرأس الحربي لكل صاروخ يطلقه هذا النظام، على 11 كغم من المواد عالية الانفجار، ويتراوح مدى صواريخه بين 4 كلم إلى 70 كلم، حسب معلومات من مجموعة التحليلات الأمنية "آي إيتش إس جاين".

عقب إطلاق إسرائيل لمشروع القبة الحديدية، تبنته الولايات المتحدة الأمريكية بشدة، وفي مايو/ أيار 2010 وافق مجلس النواب الأمريكي على خطة لتحديد ميزانية قدرت بـ 205 ملايين دولار أمريكي لدعم المنظومة.

وفي يوليو/ تموز من العام نفسه، حدد الرئيس الأمريكي حينها باراك أوباما ميزانية قدرت بـ 70 مليون دولار من خزينة الدولة لهذا البرنامج، الذي قال عنه إنه "لطالما كان أساسيا في توفير الأمن والحماية للعائلات الإسرائيلية".

أكبر عملية احتيال

وانتقد خبراء إسرائيليون "القبة الحديدية" لتكلفتها الباهظة، إذ تصل كلفة كل بطارية إلى 125 مليون دولار، إضافة إلى الكلفة التشغيلية إذ تتراوح كلفة صاروخ "تامير" بين 50 ألف و150 ألف دولار.علما أن اعتراض هدف واحد قادم وتفجيره في الجو يحتاج إلى صاروخَي تامير. بمعنى آخر، فإن اعتراض صاروخ آت من غزة، قد لا تكون تكلفة تصنيعه المحلية تتعدى الألف دولار، تصل كلفته إلى 300 ألف دولار.

كما حذر خبراء إسرائيليون من الاعتماد على منظومة القبة الحديدية بشكل أساسي، إذ إنها تعاني من نقاط ضعف، كسائر أنظمة الدفاع الصاروخية المستخدمة، وكان من أبرز الانتقادات التي جاءت من علماء يعملون لحساب رايثيون (شركة عالمية رائدة في صناعة السلاح)، ورافائيل (الشركة المصنعة للقبة الحديدية).

ومن أبرز تلك الانتقادات ما قاله المحلل العسكري روفين بيداتزور عام 2010، حين وصف القبة الحديدية بأنها "أكبر عملية احتيال"، مشيرا إلى أن زمن رحلة "القسام" إلى سديروت مثالا هو 14 ثانية، بينما يحتاج نظام القبة كي يحدد الصاروخ ثم يعترضه إلى 15 ثانية، ما يعني أن النظام لا يمكنه اعتراض صواريخ ذات مدى أقل من خمسة كيلومترات.

تجددت الانتقادات حين دخل باحثون من "رايثون" و"رافائيل" على الخط عام 2013، وقالوا إن نسبة الاعتراض منخفضة جدا مقارنة بالنسبة التي تدعيها الحكومة الإسرائيلية، فالاعتراض الناجح يعني القدرة على رؤية انفجارين (انفجار "تامير" وانفجار الصاروخ المستهدف)، لكن أشرطة الفيديو تظهر عادة انفجارا واحدا هو انفجار "تامير".

وقبل أشهر قليلة، كتب موشيه آرينز ينتقد القبة الحديدية قائلا: إنها ليست حلا كاملا مقارنة بكلفتها التشغيلية العالية التي تجعلها أساسا غير قابلة للاستمرار على المدى الطويل. وشرح بالقول، إن إنقاذها لأرواح كثيرة اليوم مقارنة بعدد القتلى قبل بدء العمل بها صحيح، لكنها لا تقوم بالوظيفة المنوطة بها وهي حماية الإسرائيليين، فبعض الصواريخ تخترقها وآلاف الصواريخ الأخرى تدفع بالمدنيين إلى الملاجئ وتثير الهلع.

على غرار الأساطير، لم تكن القبة الحديدية التي يروج لها الاحتلال كإنجاز عسكري كبير تسعى الدول الكبرى للحصول عليه، أولى الأساطير التي صنعتها إسرائيل وتبين بعد ذلك أنها كذبة كبرى.

لعل الأمر يعيد إلى الأذهان نكسة عام 1967 التي احتلت إسرائيل بعدها القدس وغزة وسيناء والجولان وجنوب لبنان وأجزاء كبيرة من دولتها الحالية، بقوة عسكرية كبيرة مدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية، مقابل ضعف وهوان عربي غير مسبوق.

تمكن الاحتلال حينها من بناء مفهوم "الجيش الذي لا يقهر"، والترويج لتسليحه وعتاده وضباطه وجنوده وما يملكونه من "قدرات خارقة" تحدث عنها العرب، خاصة في دول المواجهة، كثيرا. بعدها بست سنوات فقط تحطمت تلك الأسطورة في حرب العاشر من رمضان السادس من أكتوبر/تشرين الأول 1973، وذاق هذا الجيش مرارة الهزيمة المذلة.

وعمد الجيش المصري إلى نشر العديد من الفيديوهات والصور التي تظهر قادة وجنود جيش الاحتلال في هيئة رثة ومهينة. في تلك الحرب أيضا انهارت أسطورة إسرائيلية أخرى وهي "خط بارليف" الذي عده الاحتلال أقوى خط دفاعي في العالم، والمكون من دشم ونقاط حصينة للغاية على طول الجانب الشرقي لقناة السويس.


تحميل

المصادر:

1

“كتائب القسام”: تجاوزنا القبة الحديدية بعشرات الصواريخ دفعة واحدة

2

خشية اندلاع تصعيد جديد.. جيش الاحتلال ينشر منظومة القبة الحديدية

3

نشر “القبة الحديدية” بالقرب من غزة

4

ستراتفور: هل تعرقل صواريخ غزة فعاليات يوروفيجن في إسرائيل؟

5

الخسائر الاقتصادية تدفع بإسرائيل إلى التهدئة

6

لماذا لم تستطع القبة الحديدية إسقاط “صاروخ تل أبيب”؟

7

موقع عبري: “القبة الحديدية” فشلت في التصدي لـ”صواريخ الفجر”

8

القبة الحديدية تسقط أمام صواريخ المقاومة بغزة

9

“القبة الحديدية” الإسرائيلية.. ما هي وما أثرها؟

10

“أسطورة” إسرائيل التي تُكبّدها مليارات وتعجز أمام “ألف دولار”

كلمات مفتاحية :

إسرائيل الاحتلال القبة الحديدة المقاومة حرب حماس صواريخ ضحايا فلسطين