صحيفة الاستقلال

 صحيفة الاستقلال

الشعب يريد

 

“هياكل أمنية”.. لماذا تحفر إيران شبكة أنفاق محصنة في البادية السورية؟

2021/07/28| | تقارير
تستعيد إيران من التاريخ تكتيك حفر الأنفاق لربط مراكز نفوذها في سوريا

ذكر التاريخ الإسلامي طويلا نصح الصحابي سلمان الفارسي لنبي الإسلام بحفر خندق حول المدينة كي يوقف تقدم كفار مكة، في تكتيك عسكري لم يكن للعرب خبرة سابقة به.

ولكن وبعد نحو 14  قرنا، يبدو أن إيران تستعيد تكتيك حفر الأنفاق من تاريخها العسكري لتنفيذ مخططاتها العسكرية والإستراتيجية في الأراضي السورية.

وتواصل إيران تحصين وجودها العسكري في سوريا بما يدعم خطتها للبقاء على المدى الطويل في البلاد، مستغلة عنصر الوقت في تنفيذ خطط لحماية مليشياتها قبل أي تصعيد محتمل عليها مستقبلا.

واليوم، باتت طهران تدرك أكثر أن الطريق إلى البحر المتوسط الذي ركزت خلال 10 سنوات على تأمينه -من البوكمال إلى دمشق ثم بيروت- ما يزال ضمن الخطوط الحمراء للدول الرافضة للوجود الإيراني بسوريا.

رغم هذا الوضع إلا أن طهران ماضية في استكمال ترسيخ وجودها العسكري على الأراضي السورية، وعدم الاكتراث بتأكيد واشنطن أن المليشيات الإيرانية "تهدد الأمن الإقليمي" وتؤدي دورا "مزعزعا للاستقرار في سوريا".

إضافة إلى تركيز إسرائيل الدائم على مسألة أن ما يثير قلقها هو "نفوذ إيران في سوريا"، ولا سيما أن "إسرائيل مضطرة للبحث عن خيارات جديدة للتعامل مع الوجود الإيراني في سوريا"، وفق ما نقلت صحيفة "جيروزاليم بوست".

الصحيفة الإسرائيلية، قالت منتصف يوليو/ تموز 2021: إن "إسرائيل أمام مفترق طرق فيما يتعلق بسياستها تجاه إيران في سوريا للعام 2022، في ظل استمرار سعي دول منطقة الشرق الأوسط للتطبيع مع النظام السوري".

تكتيك جديد

وأمام هذه المؤشرات، فإن تعرض مواقع المليشيات الإيرانية لقصف متكرر خاصة في البادية السورية؛ دفع طهران لاتباع تكتيك عسكري جديد.

وأظهرت الوقائع الميدانية قيام مليشيا "الحرس الثوري" الإيراني بحفر سلسلة من الأنفاق لربط مقارها ومراكزها وسط البادية السورية بعضها ببعض. 

شبكة "عين الفرات" رصدت يوم 13 يوليو/ تموز 2021، بناء مليشيا حركة النجباء العراقية المدعومة إيرانيا شبكة أنفاق تصل 3 مستودعات للذخيرة عند حدود ديرالزور والرقة بالبادية السورية.

وأضافت الشبكة أن المليشيا استقدمت خبراء وآليات حفر لإتمام العملية بشكل سريع ولتحصين الأنفاق تجنبا لانهيارها.

وأشارت إلى أن العملية تهدف لضمان سهولة التنقل بين المستودعات بشكل سري وتجنبا لاستهداف حمولات الذخيرة والعناصر.

بدوره أكد موقع "تلفزيون سوريا" أن مليشيا "فاطميون" و"حركة النجباء" بدأتا أيضا بحفر الأنفاق انطلاقا من مستودعات الذخيرة والنقاط العسكرية في الأطراف الشرقية لمدينة تدمر بحمص.

وأوضح الموقع يوم 17 يوليو/ تموز 2021، أن الحرس الثوري الإيراني قدم تكاليف ونفقات عمليات الحفر.

وبين الموقع أن العملية تهدف إلى تنفيذ شبكات أنفاق مرتبطة ببعضها في مدينة تدمر ومحيطها في المرحلة الأولى، والانتقال إلى بلدة السخنة الإستراتيجية والقرى المجاورة لها في المرحلة الثانية.

"تلفزيون سوريا" أشار إلى أن المليشيات تعتمد في عمليات الحفر على ورش حفر مدنية من أهالي مدينة تدمر والقرى المجاورة لها في ريف حمص الشرقي الخاضع لسيطرة قوات النظام السوري.

ونقل عن أحد عمال حفر الأنفاق قوله: "إنهم يتلقون مبلغا ماليا قدره 5 آلاف ليرة سورية (دولار ونصف) على المتر الواحد ونعمل 10 ساعات يوميا".

ونوه العامل إلى "أنهم يمنعون من جلب هواتفهم المحمولة وارتداء الساعات في يدهم تجنبا لزرع أجهزة تحديد مواقع وأجهزة تنصت صوتية داخل الأنفاق".

دراسة لـ"المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية" صدرت في نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، أكدت إن إيران تولي أهمية عسكرية وإستراتيجية لمليشياتها المنتشرة بالمنطقة أكثر من برنامجيها الصاروخي والنووي.

الدراسة حملت عنوان "شبكات نفوذ إيران في الشرق الأوسط"، وقدرت نفقات إيران على أنشطة مليشياتها في سوريا والعراق واليمن بـ16 مليار دولار، منها 6 مليارات دولار سنويا على العمليات السورية.

واستثنت الدراسة المساعدات النقدية والنفطية التي تقدمها إيران للنظام السوري غير المعلوم قيمتها.

كما استثنت ما يسمى بطريق "الخط الائتماني" الذي منحته إيران لنظام الأسد بقيمة مليار دولار في يناير/ كانون الثاني 2017 لدعمه اقتصاديا.

مقابل ذلك عمل النظام السوري على تقديم تسهيلات كبيرة لإيران على شكل عقود واستثمارات مكنتها من التغلغل بمرافق الحياة السياسية والاقتصادية السورية.

شبكة أنفاق متقدمة

حماية المليشيات الإيرانية مقارها العسكرية وتسهيل عمليات التنقل بشكل غير مكشوف؛ يأتي بدافع أهمية سوريا الإستراتيجية لإيران، ودورها في ضمان استمرارية الممر البري من طهران إلى بيروت مرورا بالعراق وسوريا.

المتخصص بالملف الإيراني الصحفي السوري حسن الشريف، يفصل لـ"الاستقلال"، أبرز الأهداف من لجوء إيران لحفر شبكة ضخمة من الأنفاق في البادية السورية.

ويقول: "البادية السورية باعتبارها مفتوحة فإن هذه الأنفاق للحماية من قصف طائرات التحالف وكذلك للتقليل من هجمات خلايا تنظيم الدولة المنتشرة في البادية".

ويضيف: "فضلا عن لعب تلك الأنفاق دورا كبيرا في تنقل عناصر المليشيات الإيرانية والابتعاد عن الطرق الرئيسة".

الشريف، يبين أن "المليشيات الإيرانية تتبع تكتيكا عسكريا جديدا للتمويه وتخزين الأسلحة بعد سحب 50 بالمئة من نقاط تمركزها بالبادية السورية وتسليمها للروس لإصرار موسكو على أخذ بعض النقاط".

وينوه إلى أن "انكفاء المليشيات الإيرانية في مواقع محددة يعود لرغبة روسية قوية في دخول بعض المدن الإستراتيجية التي تسيطر عليها إيران كالبوكمال الحدودية مع العراق".

الصحفي السوري يوضح أن ذلك "من خلال عرض روسي بتقديم خدمات وتعويضات للأهالي وإعادة إعمار الأجزاء المدمرة".

ويلفت الشريف إلى أن "خبرة إيران في بناء الأنفاق وتحويلها إلى مصانع أسلحة ومنشآت يسهل عليها تكرار التجربة في سوريا عبر تنفيذ شبكة متقدمة وحديثة وسريعة".

"وذلك بالاعتماد على أيادي محلية رخيصة تستغل طهران حالة العوز المالي لديهم وتشغلهم في حفر تلك الأنفاق لقاء مبالغ زهيدة".

مراقبون يرون أن هناك تقاسما مدروسا من الناحية العسكرية لتحجيم النفوذ الإيراني في سوريا.

إذ يعتقدون أن إسرائيل تركز على قصف أنفاق ومقرات وورش تستخدمها المليشيات الإيرانية في تصنيع أو تخزين الأسلحة ونقل أنظمة عسكرية متقدمة إليها.

وتتولى الطائرات الأميركية مهمة استهداف مواقع وتجمعات المليشيات الإيرانية وتنقلاتها بحيث تمنعها من اغتنام أي فرصة لملء الفراغ شرق سوريا.

وذلك بزرع الخوف في صفوف عناصرها المحليين وتحذيرهم بأنهم تحت دائرة الرصد والتعقب الأميركي.

مناورة إيرانية

وكالة "رويترز"، نقلت عن مصادر مخابراتية إسرائيلية وغربية قولها: "إيران تحاول الاستفادة من تحالفها القديم مع سوريا بنقل عناصر من صناعة الصواريخ والأسلحة المتقدمة لديها إلى مجمعات أقيمت سلفا تحت الأرض.

وهدف طهران في ذلك وفق تقرير الوكالة الصادر في إبريل/ نيسان 2021، تطوير ترسانة أسلحة متطورة يصل مداها إلى المراكز العمرانية الإسرائيلية.

ولهذا تخشى إسرائيل من تعاون "مركز البحوث والدراسات العلمية" المتخصص بالصناعات العسكرية التابع للنظام السوري، والعلماء والمهندسين الإيرانيين القادمين إلى سوريا من شركات منتسبة لوزارة الدفاع الإيرانية.

ومن هنا يمكن التدليل على حجم تأثير الضربات الإسرائيلية على مواقع مليشيا إيران بسوريا.

رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي، أفيف كوخافي أكد أن أكثر من 500 ضربة صاروخية إسرائيلية في عام 2020 وحده "أبطأت التمدد الإيراني في سوريا".

كما قال 12 مسؤولا من العسكريين في سوريا وأجهزة المخابرات الغربية: إن على رأس قائمة الأهداف الإسرائيلية أي بنية تحتية يمكن أن تعزز مساعي إيران لإنتاج المزيد من الصواريخ دقيقة التوجيه.

خاصة وأن تلك الصواريخ يمكن أن تضعف التفوق العسكري الإسرائيلي في المنطقة، وفق رويترز.

 وهذا ما ترجم على الأرض السورية بطبيعة وشكل الإجراءات الاحترازية العالية المستوى التي عملت وتعمل عليها إيران؛ لتجنب قصف التحالف الدولي وإسرائيل على مواقع مليشياتها.

وأبرز تلك الإجراءات عقد مليشيا الحرس الثوري الإيراني اتفاقا مع قوات الأسد لتبادل مناطق السيطرة والمقرات في ريف حمص الشرقي منذ يوليو/ تموز 2021.

إضافة إلى طلب مليشيات إيران من قوات النظام السوري إخلاء بعض المقرات في ديرالزور لكي تستخدمها بشكل مموه.

فضلا عن لجوء المليشيات كذلك إلى تكتيك تغيير ملابس عناصرها واستبدالها بزي مشابه لقوات الأسد.

وتذهب الرواية الإسرائيلية إلى أن تعرض مواقع المليشيات الإيرانية في سوريا لضربات جوية "يعود لمنع طهران من تحويل سوريا إلى قاعدة إيرانية قريبة من إسرائيل".

وحول هذه الجزئية، تؤكد مجلة "جينز" المتخصصة في شؤون الدفاع أن إسرائيل استخدمت خلال ثلاث سنوات 4239 سلاحا لاستهداف 955 هدفا للمليشيات الإيرانية بسوريا، في حملة شارك بها 70 بالمئة من الطيارين الإسرائيليين.