صحيفة الاستقلال

 صحيفة الاستقلال

الشعب يريد

 

نظامه يمر بمرحلة حساسة.. كيف تاجر السيسي بالقضية الفلسطينية؟

"المبادرة المصرية تمنح فرصة ذهبية للسيسي بتعزيز الدعم الشعبي في مرحلة حساسة يمر بها نظامه"

قالت مجلة إيطالية إن "رئيس النظام المصري عبدالفتاح السيسي استغل الوضع بين الاحتلال الإسرائيلي وحركة (المقاومة الإسلامية) حماس الفلسطينية ليخلق لنفسه مساحات دبلوماسية ويواصل محاولات الرفع من مكانته الدولية ولأغراض داخلية أيضا".

ونقلت مجلة "فورميكي" عن أستاذة التاريخ المعاصر لشمال إفريقيا والشرق الأوسط في  جامعة سابينزا بروما، أليسيا ملكانجي، قولها إن "النظام المصري لعب دورا حاسما في وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس في 21 مايو/أيار 2021، رغم أن الولايات المتحدة ضغطت بقوة إلى حد ما على الاحتلال ليوقف عدوانه الذي استمر 11 يوما".

وترى ملكانجي، أن "هذا الاتفاق سمح للسيسي بتحقيق نجاح آخر إضافي في الإستراتيجية التي يتبعها منذ فترة على الصعيد الدولي، وهي التركيز على إحياء الموقع الدبلوماسي، بتقديم نفسه كمحاور متميز على الصعيد الإقليمي في حل التوترات التي تعصف بالشرق الأوسط، وعلى رأسها الملف الليبي".

وأضافت أن "التصعيد الذي شهدته المنطقة في الأيام الأخيرة سمح لمصر بتعزيز ثقلها الإقليمي من خلال دور كانت قد لعبته سابقا عندما سحبت إسرائيل قواتها من غزة عام 2005 وسيطرت حماس على القطاع عام 2007".

نقطة حساسة

وبينت المجلة أن "القاهرة اتخذت مسارا يتوافق تماما مع ما يحدث في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وكذلك مع رغبات أميركا برئاسة جو بايدن، خاصة دعوة واشنطن إلى تغليب الحوار في المنطقة وذلك لسعيها إلى تحقيق الاستقرار الذي يعد العنصر المركزي لإدارة منظمة للمنطقة". 

وتابعت: "تعتبر هذه الإستراتيجية ضرورية لمواصلة الالتزام الإستراتيجي نحو فك الارتباط بالمنطقة لإعادة توجيه الجهود إلى مناطق أخرى من العالم، على سبيل المثال منطقة المحيط الهندي (مجال إطلاق خطة احتواء النفوذ الصيني العالمي)".

وأكدت المجلة أن "مصر تتوافق مع هذا التوجه وتجد مساحات مباشرة وغير مباشرة، كما يوفر لها دور الوسيط فرصة لتقوية العلاقات على الجبهات المختلفة، لا سيما وأنها تعتبر لدى الأميركيين شريكا (أو بالأحرى قمر صناعي) يضم كل احتياجات القوة".

ويتجلى ذلك في أهمية المحادثة الهاتفية التي جمعت بايدن بالسيسي والتي كانت حاسمة في إتمام اللمسات الأخيرة على اتفاق وقف إطلاق النار في الأراضي المحتلة، وقد ثمن الرئيس الأميركي علنا الدور المهم الذي لعبته القاهرة في التوصل إلى هذا الاتفاق.

وأشارت المجلة إلى أن "وسائل الإعلام الإسرائيلية كانت أول من أورد أن اتفاق وقف إطلاق النار، الذي دخل حيز التنفيذ في فجر الجمعة 21 مايو/أيار 2021، قد تم بوساطة جرى العمل عليها من القاهرة". 

فيما ذكرت مصادر أخرى أن "المخابرات المصرية هي من قادت عملية التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار بين حماس والإسرائيليين، كما ستقوم بمتابعته، وقد كانت حماس أول من وافق على الاتفاق قبل أن يرضخ الاحتلال تحت ضغوط دولية من الولايات المتحدة والأمم المتحدة".

وترى الباحثة الإيطالية أن "نجاح الوساطة المصرية يمكن أن يساعد القاهرة على ترسيخ علاقاتها مع الولايات المتحدة في عهد بايدن في ظل قطيعة الإدارة الأميركية الجديدة مع نهج إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، التي انحرف اهتمامها بوضوح عن تجاه مسألة حقوق الإنسان، وهي نقطة حساسة بالنسبة لنظام السيسي".

ولفتت ملكانجي إلى أنه "أمام صمت أوروبا المطبق والتردد المحرج للعديد من الدول العربية، لا سيما الدول الموقعة على اتفاقيات التطبيع مثل الإمارات والبحرين، في مواجهة انفجار الأوضاع في فلسطين، تحصد مصر انتصارا دبلوماسيا مهما يجعلها تعزز موقعها الإقليمي أمام منافسيها، خاصة تركيا والإمارات".

فرصة ذهبية

وترى أن "اعتراف مصر بإسرائيل منذ عقود عبر اتفاقيات كامب ديفيد لعام 1978، كأول دولة عربية تفعل ذلك (قبل أن تتبعها الأردن عام 1994) يجعلها تتمتع بميزة عملية وهي التنسيق والتحاور المستمر مع الجانب الإسرائيلي، كما يشترك الطرفان في مخاوف أمنية أبرزها على الحدود بين القطاع وشمال سيناء". 

بالإضافة إلى تحالفهما في إطار نظام احتواء جيوسياسي لتركيا، وتربطهما كذلك مصالح مشتركة في مجال الطاقة في الإطار المعقد لشرق البحر الأبيض المتوسط، تشرح أستاذة التاريخ.

وأضافت ملكانجي أن هناك خطة أخرى يمكن للسيسي أن يحقق فيها نجاحا كبيرا آخر وتتعلق بالمستوى الداخلي والشعبي حيث "يقدم نفسه على أنه صانع سلام وداعم للقضية الفلسطينية، رغم موقفه الحذر من مواطنيه الذين يعارضون بشدة ممارسات إسرائيل تجاه الفلسطينيين". 

ونظرا للتعاون الاستخباراتي الوثيق بين القوات المصرية والإسرائيلية، "نادرا ما يوجه نظام السيسي انتقادات علنية إلى إسرائيل".

واستدركت ملكانجي قائلة: "إلا أن الخطاب الرسمي أظهر هذه المرة أنه أكثر حدة، مما سمح للقاهرة من التفوق على لاعبين إقليميين آخرين، كما تعهد السيسي بتقديم 500 مليون دولار كمساعدات لإعادة إعمار غزة، وكذلك فتح معبر رفح للسماح للجرحى في غزة بالعلاج في المستشفيات المصرية وتقديم المساعدة".

وفي سؤال المجلة عما إذا كان هذا الموقف المزدوج من الصراع متعلق بحماس؟ ردت الأستاذة الإيطالية بالقول إن "علاقات مصر بحماس، الفرع الفلسطيني المسلح لجماعة الإخوان المسلمين، الحركة السياسية الإسلامية المحظورة في مصر، كانت متوترة على الدوام". 

وفي نفس السياق، أشارت المجلة إلى أنه "غالبا ما تصور وسائل الإعلام المصرية الموالية للنظام، حماسا على أنها تهديد، وتواصل مصر إلى جانب إسرائيل، فرض حصار منهك لاقتصاد غزة". 

وخلصت ملكانجي إلى القول إن "المبادرة المصرية في هذه المرحلة تمنح فرصة ذهبية للسيسي خصوصا وأن التوسط في اتفاق يعني أن تتجنب القاهرة الانهيار الكامل لغزة، الأمر الذي من شأنه أن يدفع القطاع أكثر إلى أيدي حماس، ويزيد من قوة الحركة على الحدود".

وتابعت: "كما أنه يجعل مصر جهة أساسية على المستويين الإقليمي والدولي، ويسمح للسيسي بتعزيز الدعم الشعبي في مرحلة حساسة يمر بها نظامه على المستوى الاجتماعي وخاصة على المستوى الاقتصادي".