صحيفة الاستقلال

 صحيفة الاستقلال

الشعب يريد

 

مع بوادر الاستقرار.. هل تنجح ليبيا في تفعيل اتحاد المغرب العربي؟

2021/04/11| | تقارير
العلاقات بين تونس وليبيا لم تكن على ما يرام منذ 1974

بعد سنوات من تجميد "اتحاد المغرب العربي"، بدأت خلال الأيام الأخيرة تهيئة مناخ جديد في المنطقة المغاربية لإعادة إحيائه وتفعيله، خاصة من ليبيا التي حلحلت أزمتها السياسية الشائكة وتتطلع إلى دور رائد في المنطقة.

تأتي دعوة ليبيا لهذا الالتئام باعتبارها الرئيس الحالي للاتحاد، أملا في فرصة جديدة تجمعها مع الجزائر وتونس وموريتانيا وتونس، للعودة إلى المنظمة الإقليمية التي فشلت منذ تأسيسها عام 1989، في تحقيق أهدافها خاصة الاقتصادية، جراء خلافات بين بعضها، مما جعل الاتحاد مجرد "هيكل بلا روح".

ويتابع مراقبون باهتمام، "حماس" ليبيا في محاولة جمع قادة الدول الخمس في بيتهم الذي طاله النسيان، بعد نجاحها في "لملمة جراحها" الداخلية بتوافق الفرقاء، لتحمل مشعل هذه "المهمة العسيرة".

لكن التخوف هو مدى قبول باقي الدول دعوة ليبيا التي بدأت تنفض غبار سنوات الحرب، في ظل تحديات عابرة وإشكاليات تاريخية معقدة بين كل دولة وجارتها، وغياب مشروع اقتصادي مغاربي واضح المعالم؛ وسط انتظار الشعوب تحقيق وحدة تفتح آفاقا أفضل للمنطقة.

بعد إستراتيجي

في 3 أبريل/نيسان 2021، دعا رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، إلى تفعيل اتحاد المغرب العربي وعودة اجتماعاته مجددا، كاشفا أن ليبيا "ستوجه قريبا دعوة لبدء التئام تلك الاجتماعات المتوقفة على مختلف المستويات".

وأكد المنفي، في بيان صادر عن المجلس الرئاسي، "أهمية تفعيل اتحاد المغرب العربي ودعم مؤسساته"، مؤكدا أن "ليبيا ستبذل ما في وسعها خلال الفترة الحالية لتحقيق هذا الهدف بالتعاون مع الأشقاء بصفتها الرئيس الحالي للاتحاد".

وفي تعليق على هذه الدعوة، قال المحلل السياسي الليبي محمود إسماعيل: "في اعتقادي أن اتحاد المغرب العربي، بحاجة إلى عمل كثير، ومع ذلك هناك دعوات شبه متفق عليها من معظم الدول، نتحدث هنا عن ليبيا وتونس والجزائر، لكن يبقى السؤال فيما يتعلق بموقف المغرب وموريتانيا، وعموما هو أمر جيد أن يتم العمل على إحيائه".

وأضاف في حديث لـ"الاستقلال": "بداية ونهاية يجب تحديد برنامج خاص فيما يتعلق بالبعد الإستراتيجي وكيف يمكن تطوير آليات العمل، ومن زاوية ثانية يجب التوجه إلى كيف يمكن العمل على حل الإكراهات الموجودة فيما بين هذه الدول، خاصة التي تعاني من إشكاليات سياسية واقتصادية وأمنية، كما هو الحال في ليبيا وتونس".

وتابع: "ولزاما هنا القول إن هذا الاتحاد إذا ولد من جديد يجب أن يولد حيا وقويا وأن ينظم علاقات الشراكة بينه وبين الآخرين، وأن يحل مشاكله في إطار الشأن الخاص، وأن يكون منظمة معتمدة من الجميع".

بدوره، قال الخبير التونسي في الشأن الليبي بشير الجويني: إن "نجاح هذه الدعوة، غير مرتبط بإرادة دولة أو اثنين، لكن بجميع الدول مجتمعة، خاصة بنظرتها حول آفاق التعاون بين أقطار المغرب العربي، فاللقاء الوحيد اليتيم بين رؤساء الدول (عام 1994) لم يتم بعده بحث طرق تفعيل هذا الاتفاق المغاربي بشكل عملي"

وأضاف في حديث لـ"الاستقلال"، أن "الدول المغاربية خسرت كلفة الاتحاد، إذ إن كل دولة تعمل إستراتيجية لوحدها وتفاوض وتفكر في مستقبلها لوحدها، في عالم أصبح معولما وفيه تكتلات (على سبيل المثال الاتحاد الأوروبي، ورابطة آسيان (جنوب شرق آسيا) ودول الأنديز (أميركا الجنوبية) وغيرها".

واعتبر الجويني أن "جزءا من مدى قبول الدول الأخرى دعوة المنفي مرتبط بالوضع الداخلي التي تعيشها هذه الدول. في تقديري النيات جيدة، لكن النية لا تكفي حتى يفعل الاتحاد، خاصة في ظل الخلاف الجزائري المغربي (حول إقليم الصحراء)".

رهينة الانتظار

في 17 فبراير/شباط 1989، تأسس "اتحاد المغرب العربي" بمدينة مراكش المغربية، ويتألف من 5 دول تقع بالجزء الغربي من العالم العربي.

وتعد اقتصادات الدول الخمس مكملة لبعضها البعض، حيث إن الاتحاد في حال تفعيله سيحقق الاكتفاء الذاتي لكل هذه الدول في معظم حاجياتها.

 وتبلغ مساحة دول هذا الاتحاد مجتمعة 6 ملايين و14 ألفا و261 كيلومترا مربعا، وهي تفوق مساحة الاتحاد الأوروبي.

ويبلغ عدد سكان اتحاد المغرب العربي حوالي 100 مليون نسمة، 80 بالمائة منهم في المغرب والجزائر كما أن البلدين يملكان أقوى اقتصاد في هذا الاتحاد، حيث إن مجموع اقتصاد البلدين يساوي 75 بالمائة من الاقتصاد الإجمالي لدول الاتحاد.

لكن الاتحاد واجه منذ تأسيسه عراقيل لتفعيل هياكله وتحقيق الوحدة المغاربية، حيث لم تعقد أي قمة على مستوى قادة الاتحاد منذ قمة 1994 التي استضافتها تونس.

ومن بين أهم هذه العقبات، أزمة الصحراء بين الجزائر والمغرب، وقضية لوكربي، وتوتر تونسي ليبي سابق.

ويرى متابعون أن نزاع الصحراء الغربية، "دفن الاتحاد بعد أيام قليلة من ولادته"، حيث أوضح المؤرخ الجزائري رابح لونيسي، أن "السبب الرئيس في موته هو التباين في المواقف بين الرباط والجزائر تجاه هذا الملف"، حسبما نقل عنه موقع "أصوات مغاربية".

فيما ساهمت أزمة لوكربي (سقوط طائرة ركاب أميركية في أسكتلندا سنة 1988 واتهمت ليبيا بالتخطيط لذلك رغم نفيها) في عرقلة تطور الاتحاد، بعدما استاءت طرابلس من عدم دعم الاتحاد لها إبان هذه الأزمة والتداعيات التي خلفتها على البلد.

من جانبه، اعتبر المؤرخ التونسي عبد الستار عمامو أن العلاقات بين تونس وليبيا لم تكن على ما يرام منذ 1974، تاريخ توقيع اتفاق وحدة اندماجية بين الطرفين.

 وهو الاتفاق الذي سرعان ما تراجعت عنه تونس "لبروز خلافات واسعة مع الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، ما تسبب في توتر العلاقات بين البلدين"، وفق "أصوات مغاربية".

وفي محاولة لتجاوز هذه الحواجز في منطقة شهدت متغيرات عديدة بعد "الربيع العربي"، وقبل عام وتحديدا في 3 مارس/آذار 2020، قال الأمين العام لاتحاد المغرب العربي الطيب البكوش: إن "هناك إمكانية لعقد قمة تجمع رؤساء الدول المغاربية، خلال العام الجاري"، مشددا على "ضرورة تفعيل مؤسسات الاتحاد حتى لا تتعطل اجتماعاته وعمله الدوري".

وأشار البكوش إلى قبول عدة دول (لم يسمها) لعقد قمة مغاربية خلال 2020، لافتا إلى وجود بوادر إيجابية في هذا الشأن، لكن بعد عام وأكثر على هذه التصريحات التفاؤلية، لم تعقد أي قمة وظلت "البوادر الإيجابية" رهينة الانتظار.

مرحلة صعبة

وخلال الأسابيع الأخيرة، وبجانب "حماس" ليبي لانعقاد لقاءات الاتحاد المغاربي من جديد، كانت هناك أيضا دعوة تونسية من رئيسها قيس سعيد.

أزاحت تلك الدعوة الستار عن تصريحات سابقة لرئيس البرلمان التونسي راشد الغنوشي دعا فيها لاتحاد مغاربي من 3 دول (الجزائر، تونس، ليبيا)، ما أثار انزعاجا "غير رسمي" لدى باقي الدول (خاصة المغرب).

وقال المحلل الليبي إسماعيل "لا أعتقد أن هذا الطرح سيؤثر كثيرا، بل يمكن أن يعلن عن هذا الاتحاد الثلاثي الجديد، وبعدها يلتحق الباقون".

وأشار إلى أن "ليبيا تمر بمرحلة صعبة ومن الأصعب استمرارية المجلس الرئاسي الحالي".

بدوره، اعتبر الخبير التونسي، الجويني أن "الاتحاد المنبثق من 3 دول هي كلها رؤى، وفي تقديري هي من الأشياء الممكنة خاصة ما بين تونس وليبيا والجزائر".

وتابع: "على الأقل أن تكون هذه الرؤية بدايات لتكامل اقتصادي، خاصة أن الجانب الاقتصادي مهم جدا، من خلال إسناد مشترك في إطار ربح متبادل قادر أن يعطي حلا للإشكاليات العالقة المتعلقة بالمغرب العربي".

وفي 17 مارس/آذار 2021، دعا الرئيس التونسي قيس سعيد، في تصريحات خلال زيارته إلى ليبيا، إلى إعادة تفعيل اتحاد المغرب العربي.

وقال الرئيس التونسي: "سنعمل معا على أن يعود اتحاد المغرب العربي لسالف نشاطه باجتماع جديد للدول المكونة له على مستوى وزراء الخارجية، وعلى مستوى القمة".

وليبيا إحدى البلدان المهمة في سياسة تونس الخارجية، حيث تجاورها من الغرب، كما يعد التبادل التجاري أمرا مهما لاقتصاد البلدين، والذي بلغ 1.2 مليار دينار تونسي (373 مليون دولار) في 2018. 

وكانت هذه الدولة المغاربية تشهد عدم استقرار لسنوات منذ اندلاع الثورة فيها عام 2011.

وعلى مدار سنوات، عانت ليبيا صراعا مسلحا، على خلفية دعم دول عربية وغربية، مليشيا الجنرال الانقلابي خليفة حفتر، الذي كان ينازع الحكومة المعترف بها دوليا، على الشرعية والسلطة في البلاد.