صحيفة الاستقلال

 صحيفة الاستقلال

الشعب يريد

 

“نيويورك تايمز”: السيسي أسوأ من مبارك وقبضته طالت الدراما

2019/04/09| | ترجمات
العسكر يحدد ما يشاهده المصريون في رمضان

قال المدير السابق لمكتب صحيفة "نيويورك تايمز" في القاهرة والشرق الأوسط، الكاتب الصحفي الأمريكي ديكلان والش، إن "رئيس النظام المصري عبدالفتاح السيسي، في سبيل تحقيق رغبته الكبرى في ممارسة السيطرة الكاسحة، قمع المناخ السياسي المصري وأخضع كافة وسائل الإعلام لسلطته المطلقة وسجن العديد من المعارضين".

ورأى الكاتب في مقال له على "نيويورك تايمز" أن السيسي يحول سلطته الكاسحة إلى ركن جديد من أركان المجتمع المصري وهي الدراما التلفزيونية.

وأردف قائلا: "في شهر رمضان من كل عام تلتف الأسرة المصرية حول التلفزيون لمتابعة الدراما التلفزيونية التي تقوم على إنتاجها مؤسسات كبيرة في البلاد بميزانيات ضخمة، ويقوم ببطولتها كبار الفنانين المصريين، التي تشمل الميلودراما والأعمال التاريخية الكبرى والأعمال التى تركز على بطولات رجال الشرطة، وتُعد الدراما التلفزيونية المصرية هي الأكثر انتشارا ويتم عرضها في المنطقة العربية والشرق الأوسط".

وذكر مخرجون وممثلون، بحسب المقال، أن الحصيلة النهائية من الأعمال الدرامية الرمضانية التي في طور الإنتاج حاليا تخضع لرقابة خانقة، إذ "يقوم رجال السيسي بإملاء السيناريو عليهم وتقليص أجورهم، ومما يجدر ذكره أن شركة إنتاج وثيقة الصلة بالمؤسسة العسكرية تتولى إنتاج أغلب الأعمال الفنية الرمضانية الكبيرة".

وأضاف الكاتب في مقاله، أن الفنانين ذكروا أنه تم إجبارهم على اتباع الموضوعات التي حازت على موافقة الرقابة العسكرية، مثل تعظيم دور الجيش والشرطة، وذم جماعة الإخوان المسلمين المحظورة، ومن لا يلتزم منهم بهذه القواعد، فإن أعمالهم لن يتم عرضها على شاشات التلفزيون.

"يعيد تربية الشعب"

ونقل المقال قول الكاتب والدبلوماسي السابق، عز الدين شكري فشير، الذي تم قبول رواياته كدراما تلفزيونية، إن "الأمر بالنسبة للسيسي لا يتعلق فقط بالسلطة والقوة، ولكنه يعيد تربية الشعب المصري".

وأوضح والش في مقاله، أن القيود الصارمة التي يفرضها السيسي على الدراما التلفزيونية، تمثل نهاية الاستبداد غير المسبوق والبعيد المدى الذي مد جذوره في كل مناحي الحياة في مصر، بعد أن وصل إلى مرحلة غير مسبوقة في بلد كانت على الدوام تُحكم من قِبل رجال مدعمين من المؤسسة العسكرية على مدار عقود.

وبحسب"نيويورك تايمز"، فإن حسني مبارك، الذي حكم مصر طيلة 30 عاماً حتى إسقاطه في عام 2011 في ثورات الربيع العربي، كان يترأس نظاماً قمعيا في مصر، وعلى الرغم من ذلك كان يُفسح المجال لبعض السلطة في مؤسسات الحكم الأخرى مثل الحزب الوطني الذي كان يترأسه والمجلس الأعلى للقضاء؛ ما كان يفسح المجال لحدوث أحداث مفاجئة.

وتابع الكاتب، فقد كان القضاة يصدرون بين الحين والآخر أحكاماً تُسبب له الازعاج. وبدرجات متفاوتة، كانت الصحف توجه له انتقادات لاذعة. ففي عام 2005، فازت جماعة الإخوان المسلمين المعارضة بثُلث مقاعد البرلمان.

لا فسحة للحرية

أضاف والش في مقاله، أن هذه المساحة المحدودة من الحرية قد أُغلقت تماماً في عهد السيسي، الذي جاء إلى السلطة إثر انقلاب عسكري عام 2013. مبيّنا أن "السيسي يحكم من خلال زمرة صغيرة من المستشارين، ينحدر أغلبهم من خلفية عسكرية ومن الأجهزة الأمنية بالإضافة إلى أسرته التي تتمتع بنفوذ اقتصادي كبير، حيث ترى هذه المجموعة الصغيرة العالم من خلال منظور أمني ضيق وتسعى للقضاء على أي خروج ولو شكلي للمعارضة".

واستطرد كاتب المقال، "من الممكن أن يتعرض المصريون للاعتقال بسبب بوست سياسي معارض على الفيسبوك".

واستشهد المقال بتصريح كبير الباحثين في معهد كارنيجي للشرق الأوسط، يزيد صايغ، الذي قال إنه يشعر بالأمان في دمشق أكثر من القاهرة عند حديثه في السياسة. مضيفا أن الاستبداد الشخصي للسيسي يحاول أن يغلق كل المجال العام في مصر إلى الحد الذي لا يجرؤ فيه أي شخص التصريح بقول أي شيء، حتى لو بشكل خاص ومنفرداً لأن ذلك يُعتبر معارضة لأولئك الذين في السلطة.

وختم الصايغ كلامه للصحيفة: "هذا الذعر الذي تحاول دائما الأنظمة الشمولية أن تغرسه في نفوس شعبها إلى درجة أنه على الجميع أن يقتنع أنه إن لم يتصنت عليه النظام، فمن المؤكد أنه يسمعه".

وقال الكاتب إنه حاول الاتصال بالمتحدث الرسمي للحكومة المصرية ولكنه لم يجب على اتصالاته أو استفساراته.

وفي سياق متصل، أفاد والش أن سياسات السيسي لا تلقى سوى معارضة بسيطة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي من المنتظر أن يستضيفه البيت الأبيض الأسبوع القادم. وتابع المقال، أن "واشنطن حاولت ذات مرة ممارسة ضغوط متواضعة على تجاوزات رجل مصر القوي، لكن ترامب كان يُثني عليه بحفاوة في لقاءات سابقة دون أن يأتي على ذكر تشديد وازدياد القمع في مصر".

جدير بالذكر أن الولايات المتحدة ليس لها سفير في القاهرة منذ يوليو/ تموز 2017، بحسب الصحيفة.

وقال والش شارحاً طبيعة نظام حكم السيسي، أن "دوائر حكم السيسي يتم السيطرة عليها من قِبل عسكريين يوليهم ثقته الكاملة، إذ تم تكليف الهيئة الهندسية في القوات المسلحة بالإشراف على تنفيذ العديد من المشروعات الكبرى التي تبلغ ميزانيتها مليارات الدولارات، بما في ذلك مشروع قناة السويس الجديدة التي اكتمل تنفيذها في عام 2015 وكذلك مشروع العاصمة الإدارية الجديدة التي يتم انشاؤها حاليا في الصحراء شرق القاهرة".

"أسوأ من مبارك"

وانتقل والش في مقاله للحديث عن المحاكم العسكرية، وأفاد أن "هذه المحاكم لا تتمتع بأي قدر من الرقابة على أحكامها، إذ يُحاكم أمامها فنانون ومعارضون سياسيون بنفس الأليات والبيئات التي تحاكم المشتبه في ضلوعهم بأعمال إرهابية.

وتابع المقال "على الجانب الآخر تقوم أجهزة مخابرات السيسي بتشديد الرقابة على أعمال البرلمان، الذي يناقش حالياً تعديلات على الدستور المصري بحيث يُسمح للسيسي بتمديد حكمه حتى عام 2034، كما أنها ستضع المجلس الأعلى للقضاء تحت سلطة السيسي المباشرة بينما مبارك لم يمتلك أبداً هذه الصلاحيات".

بالعودة إلي الجانب الإعلامي والفني، ذكر والش في مقاله على "نيويورك تايمز" أن البرامج التلفزيونية الحوارية، التي كانت سمتها الأساسية الصخب والمناقشات الحامية، قد تحولت إلى وسيلة لتأييد سياسات الحكومة للحد الذي يجعل من السهل توقع مسارات النقاشات فيها وإلي أي مدى أصبحت هذه البرامج بوقاً للترويج لسياسات السيسي.

وذهب الكاتب إلى حد وصف مؤسسات الحكم في مصر بالتدهور، ومن مظاهر ذلك حسب رأيه؛ أصبحت وزارة الخارجية المصرية التي كانت عنواناً للتقاليد والسياسات الدبلوماسية المصرية القوية وبعد أن كانت مثار فخر المصريين على مدار عقود طويلة، (أصبحت) أداة في يد السيسي ولم تعد لها القوة السابقة.

إلى أين يجر مصر؟

واستعان المقال بقول العاملة في مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط، ايمي هاوثورن، التي قالت إن السيسي لم يصل إلى درجة كين جونج أون أو صدام حسين، ولكنه في الوقت ذاته يجر مصر إلى مثل هذا النوع من الأنظمة المستبدة.

وعلى جانب آخر ذكر والش أن يد الأجهزة الأمنية تمتد بعمق في الاقتصاد مستخدمين الخط الفاصل بين الاقتصاد والأمن القومي.

وبحسب الصحيفة، قال مسؤول مطلع على تفاصيل المحادثات بين الحكومة المصرية وشركة "أوبر" في مصر؛ إن الشركة واجهت مطالب من الأجهزة الأمنية المصرية للسماح لهذه الأجهزة بالوصول إلى المعلومات الشخصية لعملاء الشركة من المصريين. وقامت أجهزة الأمن المصرية بتصعيد هذه المطالب إلى الشركة، في الوقت الذي تعرض التطبيق الإلكتروني للشركة في مصر إلى التعطيل المتعمد.

وذكر والش أن السيسي في سعيه للسيطرة على الفن والثقافة يقف ثابتاً كمن يسعى وراء تحقيق حلم شخصي له.

التنكيل بالمثقفين

ودلل والش على مقولته السابقة بالتنكيل الذي تعرض له الكاتب والروائي علاء الأسواني مؤلف رواية "عمارة يعقوبيان"، عندما قال إن محكمة عسكرية كانت قد اتهمته بالتحريض على الكراهية ضد النظام الحاكم، الاتهام الذي أثار الكثير من الاستهجان والسخرية في ذات الوقت لكون الأسواني أحد مؤيدي السيسي السابقين.

واستمراراً لحوادث التنكيل بالفنانين والمثقفين علي يد السيسي، أضاف والش أن الفنان المصري المشهور عمرو واكد، الذي شارك في بطولة الفيلم الأمريكي "سيريانا" كان قد قال في يناير/ كانون الثاني الماضي، أنه تعرض لحكم بالسجن لثماني سنوات جراء انتقاده السيسي. وتعرض واكد، الذي يعيش في أوروبا، والفنان شهير آخر خالد أبو النجا للفصل من نقابة المهن التمثيلية في مصر بعد حضورهم جلسات استماع في الكونجرس الأمريكي حول التعديلات الدستورية المزمع إجراؤها في مصر.

واختتم والش مقاله بذكر مقولة يزيد صايغ،"إن ترأس السيسي لمثل هذا النظام القمعي، الذي أدي إلى عزل قطاعات عريضة من المجتمع المصري، قد يتسبب في إضعاف وعزل السيسي نفسه في يوم سيواجه فيه نظامه صدمة غير متوقعة".