صحيفة الاستقلال

 صحيفة الاستقلال

الشعب يريد

 

أميركا تدخل على خط الصراع شرقي المتوسط.. هل تغير قواعد اللعبة؟

2020/08/25| | تقارير
دخول شركات أميركية على الخط شرق المتوسط له دلالات سياسية كبيرة في ظل التواجد الروسي بسوريا وليبيا

في صفقة قد تغير قواعد اللعبة وتزيد أطراف الصراع حول حقول الغاز في منطقة شرق البحر المتوسط، من المقرر أن تستحوذ شركة "شيفرون" إحدى كبريات شركات النفط والغاز الأميركية على شركة "نوبل إنرجي" (الأميركية أيضا) إحدى اللاعبين في قطاع الغاز بالمنطقة.

ومن المقرر أن تستحوذ  "شيفرون" بعد إتمام الصفقة في الربع الأخير من 2020، والبالغة نحو 5 مليارات دولار على ما تملكه "نوبل إنرجي" من نسبة كبيرة من الغاز الخاص بإسرائيل ومصر وقبرص، شرق المتوسط.

الشركة الأميركية بدأت غزو السوق المصري قبل عامين وحصلت على بعض الامتيازات للتنقيب بمناطق جديدة بالبحر الأحمر وغرب الإسكندرية.

وفي 12 فبراير/ شباط 2020، وقعت مصر، وشيفرون العالمية، اتفاقا، للتعاون التجاري والفني في مجالات التكرير والنقل والتوزيع للمنتجات البترولية والزيت الخام.

وفي 21 يونيو/ حزيران 2020، وقعت القاهرة 12 اتفاقية بقطاع البترول مع عدد من الشركات العالمية الكبرى، بينها "شيفرون"، باستثمارات بلغت أكثر من مليار دولار، وتقديم منح قيمتها 19 مليون دولار لحفر 21 بئرا، بشرق البحر المتوسط ومنطقة غرب المتوسط.

الصراع يتصاعد

تركيا من جهة واليونان وقبرص الرومية ومصر من جهة ثانية تتنازعان السيطرة على المناطق الاقتصادية بشرق المتوسط، أكثر المناطق البحرية صراعا واشتعالا على النفوذ منذ 20 عاما، وفق مجلة "فورين بوليسي" في تقريرها الصادر في 18 أغسطس/آب 2020.

ذلك التنازع وصل حد تصادم سفينة حربية تركية ويونانية بشرق المتوسط​​، إثر نشر أنقرة سفينة لاستكشاف الطاقة مع أخرى تابعة للبحرية التركية للبحث عن النفط والغاز الطبيعي بالقرب من جزيرة كاستيلوريزو التي تدعي أثينا أنها أراضيها البحرية الخاصة بها.

وأشارت "فورين بوليسي" إلى أن التصعيد الحالي بين تركيا من جهة وقبرص واليونان من جهة أخرى هذه المرة يختلف عن السنوات الماضية، فهو يهدد بتحول الصراع بشرق المتوسط لصراع متعدد الجنسيات، لافتة لمحاولات فرنسية لدعم اليونان ضد تركيا، بإرسال سفن حربية للمياه المتنازع عليها، إلى جانب تضامن مصر وإسرائيل، مع أثينا.

وفي مفاجأة من العيار الثقيل، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الجمعة، اكتشاف أكبر حقل غاز بالبحر الأسود، بنحو 320 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، يبدأ الإنتاج منه بحلول عام 2023.

وفي نفس الوقت، تعهد أردوغان بالمضي بعمليات البحث والتنقيب، بما في ذلك بالبحر المتوسط، مكررا اتهاماته لأطراف أوروبية بالسعي لحرمان بلاده من حقوقها المشروعة.

"صفقة شيفرون"

الخبير الاقتصادي إبراهيم نوار، أكد أن أهمية دخول "شيفرون" الجيوإستراتيجية تفوق مبلغ الاستحواذ بكثير، مشيرا إلى أنها "المرة الأولى في تاريخ الصراع على الغاز في شرق البحر المتوسط الذي بدأ نهاية العقد الأول من القرن 21، تخطو أميركا بقوة إلى ساحة المنافسة، وتقتحم شرق البحر المتوسط عن طريق شيفرون".

وفي مقال نشره عبر صفحته بـ"فيسبوك"، في 19 أغسطس/آب 2020، اعتبر نوار، أن "دخول الشركة الأميركية إلى ساحة الصراع على تقسيم ثروة النفط والغاز في شرق المتوسط تحول مهم في خريطة توزيع المصالح في المنطقة الأشد سخونة في العالم من حيث تشابك وتضارب أهداف القوى الطامحة للحصول على نصيب أكبر من تلك الثروة".

وأضاف الخبير والمستشار الأممي السابق: أن "دخول شيفرون إلى ساحة الصراع يعني أن الولايات المتحدة قد تصبح إحدى القوى الحاضرة مباشرة، في صراع انتقل من مجرد المنافسة الاقتصادية بين الشركات، إلى محاولة للسيطرة باستخدام القوة المسلحة من جانب الدول، تتصدرها تركيا في الوقت الحاضر".

وشرح نوار، أوضاع الشركات العالمية بشرق المتوسط بقوله: "قبل صفقة شيفرون كانت نوبل إنرجي المسجلة في تكساس، وإيني الإيطالية أهم اللاعبين في حلبة السباق على ثروة شرق المتوسط من النفط والغاز، ومعهما عدد من الشركات الأخرى الكبرى مثل روسنفط الروسية وبريتش بتروليوم البريطانية، وشل الهولندية - البريطانية، وتوتال الفرنسية إلى جانب شركات أصغر مثل إديسون الإيطالية ومبادلة الإماراتية".

لاعب رئيسي

وأكد أنه "بإضافة الامتيازات الجديدة التي حصلت عليها شيفرون في مصر سواء في مناطق الامتيازات البحرية في البحر المتوسط أو في البحر الأحمر، فإن شيفرون ستصبح لاعبا رئيسيا في ساحة المنافسة والصراع على ثروة الغاز والنفط في شرق المتوسط والشرق الأوسط عموما".

ورجح نوار أن "تصبح واشنطن أكثر انخراطا في صراعات النفوذ في شرق المتوسط إلى جانب كل من إيطاليا وروسيا وفرنسا وبريطانيا"، مؤكدا أنه "ومع حضور السفن التركية إلى المشهد، فإن الدبلوماسية الأميركية قد تلعب دورا نشطا أكثر فاعلية". 

والسؤال: هل دخول "شيفرون" الأميركية بمنطقة شرق البحر المتوسط يغير قواعد اللعبة ويزيد أطراف الصراع حول حقول الغاز طرفا قويا؟، وهل يعني استحواذها على "نوبل إنرجي" دخول الولايات المتحدة في صراع الغاز بشرق المتوسط؟.

مراقب دائم

في إجابته على السؤال من وجهة نظر سياسية، قال المحاضر بمعهد الشرق الأوسط بجامعة سكاريا التركية، الدكتور محمد الزواوي: "الولايات المتحدة ليست بعيدة عن لعبة الطاقة بشرق المتوسط، فشركة (نوبل إنرجي) هي بالأساس أميركية، بالإضافة إلى (إكسون موبيل)، والآن تدخل (شيفرون) العملاقة".

الباحث والأكاديمي المصري، أضاف خلال حديثه لـ"الاستقلال": أن "الولايات المتحدة انضمت أيضا لمنتدى غاز شرق المتوسط بصفة مراقب دائم"، مشيرا إلى أنها "بالأساس ليست بعيدة عن عمليات هندسة وتخطيط التحالفات الجديدة التي أوكلت لإسرائيل قيادتها بالمنطقة لاحتواء كل من روسيا وتركيا وإيران".

ولفت إلى "إعلان أميركا كذلك عن نيتها تصدير الغاز لأوروبا بعد أن اعتلت عرش الطاقة متجاوزة كلا من روسيا وقطر بكل من النفط والغاز، بعد اكتشافات الغاز الصخري الهائلة".

وخلص الزواوي، للقول: إن "الولايات المتحدة لم تبتعد يوما عن المنطقة، كما أنها ضاعفت من وجودها البحري بأساطيلها وفرقاطاتها وحاملات الطائرات، ولا شك أن غاز شرق المتوسط بات على قمة لائحة اهتمامات واشنطن بالمنطقة".

لكن مع هذا الحضور الأميركي الزائد بشرق المتوسط في توقيت الصراع بين تركيا من جهة، واليونان وقبرص الرومية ومصر المدعومين من فرنسا، كيف سيكون الدور الأميركي في هذا الصراع وهل يتقارب من تركيا أم يأخذ الطرف المقابل لأنقرة؟.

أجاب المحاضر بجامعة سكاريا التركية، قائلا: "لا شك أن كل دول شرق المتوسط تسعى لإيجاد حلول سلمية لأن الصراع العسكري ليس بصالح أحد، فاشتعال المنطقة يعني حرمان كل الأطراف من ثروات شرق المتوسط، وقد استثمرت فيه الشركات العملاقة مليارات الدولارات بعمليات البحث والرصد والتنقيب والحفر حتى قبل أن تجني أية أموال من مرحلة التصدير".

وأضاف: "ومن ثم فأعتقد أن الدور الأميركي سيعزز فرص تقارب وجهات النظر ومحاولة الوصول لحلول قانونية لترسيم الحدود، مع استمراره بمحاولة تقليص النفوذ الروسي سواء العسكري أو تقليل حصته من تصدير الغاز لأوروبا بهدف تقليص موارده بمجال الطاقة، وهي السياسة التي تتبعها واشنطن منذ فترة بالمشاركة مع حلفائها بالمنطقة وعلى رأسها السعودية".

أجندة مخابراتية

وحول تأثير دخول الشركة الأميركية اقتصاديا على شرق المتوسط ومصر، يرى الخبير الاقتصادي أحمد ذكر الله، أن "الشركات الأجنبية تستفيد من تعاونها مع مصر فمعظم عقود التنقيب عن البترول أو الغاز تنص على أن ما يقارب 50% من إجمالي الاحتياطيات الموجودة بهذه الآبار تذهب لشركات التنقيب عن الغاز".

الأكاديمي المصري، أضاف بحديثه لـ"الاستقلال": أن "بعض العقود تنص أيضا على استرداد مبلغ تكاليف البحث والتنقيب والاستخراج المبدئي أولا قبل أن تحصل الدولة صاحبة الحق والحقل على أية أموال وبالتالي فهذه الشركات تربح أرباحا كبيرة".

ويعتقد أن "تخارج بعض الشركات يكون بهدف إعادة ترتيب أوضاعها، وتخارج (إنرجي) ودخول (شيفرون) هو إعادة ترتيب أولويات لهذه الشركات التي تتحرك وسط أجندة سياسية ومخابراتية بامتياز وبالتالي فإن بيع حصة من شركة وشراء أخرى لها يعكس أوضاعا سياسية معينة ويرتب أوضاعا أمنية معينة، قد نرى نتائجها في المستقبل القريب".

رئيس قسم الدراسات الاقتصادية، بأكاديمية العلاقات الدولية، بتركيا، أكد أن "دخول الشركات الأميركية على الخط في شرق المتوسط ومصر وهي لم تكن إلى حد كبير ذات حصة كبرى بهما أعتقد أن له دلالات سياسية كبيرة خاصة في وسط الوجود الروسي المكثف في سوريا وليبيا".