صحيفة الاستقلال

 صحيفة الاستقلال

الشعب يريد

 

أقرب لتركيا وتتبع اليونان.. هل تشعل جزيرة “ميس” الصراع بين البلدين؟

2020/08/05| | تقارير
الجزيرة تبعد عن تركيا 2 كيلو مترات وعن اليونان 580 كيلو مترا وتتبع أثينا بموجب اتفاقيات سابقة

تزايدت المخاوف والتحذيرات حول إمكانية اندلاع صراع بين تركيا واليونان، في وقت يعيش البلدان الجاران سلسلة من التوترات والخلافات التاريخية منذ عدة عقود.

سبب التحذيرات الأخيرة هو قيام أنقرة بمسوحات زلزالية ضمن جهودها البحثية للتنقيب عن النفط قبالة سواحلها في شرق المتوسط، وهي المنطقة التي تضم جزيرة "ميس" التي تبسط أثينا سيطرتها عليها.

وعقب المسوح التركية، نشرت البحرية اليونانية بوارج في بحر إيجه وأعلنت حالة "التأهب" بسبب ما سمته الأنشطة التركية لاستكشاف موارد الطاقة، ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن مصدر عسكري قوله: إن الوحدات البحرية نُشرت في جنوب وجنوب شرق بحر إيجه، مشددا على أن الوحدات "مستعدة للرد على أي نشاط".

وبالتزامن مع تلك التحركات، قامت الخارجية اليونانية بالاحتجاج رسميا لدى أنقرة عبر بيان قالت فيه: "نطالب تركيا بأن توقف فورا أنشطتها غير القانونية التي تنتهك حقوقنا السيادية وتقوض السلام والاستقرار في المنطقة"، لكن أنقرة أكدت مجددا أن الموقع البحري يقع "ضمن الجرف القاري التركي".

وفي مقابل التحركات العسكرية اليونانية، انتشرت عدد من السفن العسكرية والفرقاطات الحربية التركية وطائرات الاستطلاع والطائرات الحربية لحماية ومرافقة السفينة "أوروج رئيس" التي تقوم بأعمال المسح والتنقيب.

ورد المجلس القومي التركي برئاسة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن تركيا عازمة على حماية مصالحها وحقوقها التي كفلتها القوانين الدولية في شرق المتوسط، وأنها لن تسمح بأي تحركات تلحق الضرر بأجواء الأمن والاستقرار في قبرص.

وتقع جزيرة "ميس" كما هو اسمها بالتركية، أو كما يسميها اليونانيون "كاستيلوريزو" قبالة سواحل مدينة أنطاليا التركية، على بعد نحو 2 كيلو مترات من منطقة كاش بولاية أنطاليا، في حين تبعد عن أقرب أراض يونانية نحو 580 كيلو مترا، لكن اليونان تبسط سيطرتها على الجزيرة البالغة مساحتها 10 كيلو مترات، بموجب الاتفاقيات التي وقعت عقب انهيار الإمبراطورية العثمانية.

القانون الدولي

الادعاء اليوناني قائم على أساس أن تركيا تقوم بمحاولة الاعتداء على الجرف القاري التابع لها، أي الجرف القاري التابع لجزيرة "ميس" الخاضعة لسيطرتها، والتي تمثل امتدادا ليابستها وفقا لمبدأ "بعد المسافة" المنصوص عليه في القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وفقا لوجهة النظر اليونانية.

في حين ترد تركيا بأنه لا سند قانونيا يثبت تبعية الجزيرة لليونان، وأن القاعدة الأساسية في كل من القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، هي مبدأ "التقاسم العادل"، وأن مبدأ "بعد المسافة" في تقييد الجرف القاري لا يتم ذكره كقاعدة في القانون الدولي، ووفقا لمبدأ التقاسم العادل فإنه يتم أخذ عوامل عديدة في الاعتبار، كمساحة الجزر وطول جبهاتها، ومواقعها، ومدى بعدها عن اليابسة.

وتشدد تركيا على أنه ليس من المعقول أن تكون جزيرة على بعد 2 كيلو مترات من أراضيها، وعلى بعد 580 كيلو مترا من الأراضي اليونانية، تابعة لليونان، وتعتبر ذلك طرحا غير مناسب للعقل وغير متوافق مع القانون الدولي.

ويعد النزاع على هذه الجزيرة، بالإضافة إلى جزيرتي  "رو" و "ستروغيلي" إحدى ملفات الخلاف بين البلدين الجارين على عدد من الجزر المنتشرة على بحر إيجه وشرق البحر المتوسط، التي لم تشملها الاتفاقيات التي رسمت الحدود التركية عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى وأفول نجم الإمبراطورية العثمانية.

غير أن الخلاف على هذه الجزيرة هو الأشد حساسية حيث تعد أقرب الجزر (الخاضعة للسيطرة اليونانية) قربا من السواحل التركية، فلا يفصلها عن مدينة أنطاليا التركية سوى 2 كيلو مترات.

الجرف القاري

وتتهم تركيا اليونان بأنها تعمل على محاصرتها بحريا، وذلك بمحاولة توسيع منطقة الجرف القاري الخاص بها، عبر جزرها في بحر إيجه والمتوسط وحبس تركيا في شبه جزيرة الأناضول.

من ناحية أخرى، فإن وجود جزيرة يونانية بمحاذاة السواحل التركية يحرم أنقرة من الحصول على المنطقة الاقتصادية الخالصة ويجعلها في حالة حصار بحري.

والمنطقة الاقتصادية وفق القانون الدولي، هي منطقة بحرية تشمل الحقوق المتعلقة بالموارد الحية في المسطحات المائية، مثل صيد الأسماك، فضلا عن الحقوق السيادية في استكشاف واستخراج النفط والغاز الطبيعي، التي يمنحها الجرف القاري للدولة الساحلية.

وحسب قانون البحار التابع للأمم المتحدة والصادر عام 1982، فإن المنطقة الاقتصادية الخالصة تسمح للدولة صاحبة الحق، في إجراء عمليات التنقيب واستخراج المواد الغازية والنفطية في تلك المناطق.

ويمكن للمنطقة الاقتصادية الخالصة أن تمتد حتى 200 ميل بحري، شريطة مراعاة التقاسم العادل بين الدول.

وكانت اتفاقية ترسيم الحدود البحرية التركية الليبية، التي وقعت بين أنقرة  وحكومة الوفاق المعترف بها دوليا في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2019، قد أحبطت مخططات اليونان في محاولة توسيع جرفها القاري، وغيرت قواعد اللعبة لصالح تركيا، بحسب وكالة الأناضول.

"التقاسم العادل"

يرى مختصون أن مثل هذه الحالات من النزاع يجب أن تحل عن طريق محكمة العدل الدولية، ذلك لأن القانون الدولي لا يكون له أثر مباشر في حسم الخلاف.

خصوصا أن النزاع على الجزيرة قانوني، حيث تداخل مبدأ "التقاسم العادل" مع مبدأ "بُعد المسافة" وفق القانون الدولي، ويتطلب حكما منصفا من قبل محكمة العدل الدولية.

وتعتبر تركيا استغلال ضعفها ورغبتها القديمة في ترسيم حدودها والحفاظ على أراضيها، في وقت حساس بالنسبة لها، من غير إدخال الجزر التي تعد امتدادا طبيعيا لها ضمن الأراضي التركية أمرا غير عادل وغير منصف، ويجب أن يعود الحق لأهله.

الدكتور هاقان قاران، عضو هيئة التدريس في كلية الحقوق بجامعة أنقرة، ومدير مركز البحث وتطبيق القانون البحري في الجامعة، قال لوكالة الأناضول: "القرارات في تقييد الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة بين الدولتين والأوضاع الخاصة بذلك، يجب أن تكون متوافقة مع القوانين الدولية وقرارات المحكمة الدولية واتفاقية الأمم المتحدة".

وأضاف البروفيسور قاران: أن تلك القرارات الدولية "يجب أن تنسحب على الجزر البعيدة عن اليابسة الرئيسية التابعة لدولة ما، والقريبة بصفة خاصة من الأراضي التابعة للدولة المقابلة".

أثر القانون الدولي في موضوع الجزر البعيدة عن أراضي الدولة التابعة لها والقريبة من الدولة المقابلة وهو ما ينطبق على مثل حالة جزيرة ميس، "ضئيل أو ليس له أي تأثير في وضع الحدود، ومن الأمثلة النموذجية على ذلك جزيرة كاستيلوريزو، فادعاء اليونان أن لها تأثيرا في ترسيم الحدود، مخالف للعدل والإنصاف"، وفق قاران.

وأكد  قاران أن محكمة العدل الدولية أكثر تأثيرا من القانون الدولي، مشيرا إلى تأثير قرار محكمة العدل الدولية في مسألة مماثلة، في نزاع حدودي بين رومانيا وأوكرانيا على جزيرة الأفعى (الثعبان)، القريبة من رومانيا، والخاضعة للسيطرة الأوكرانية.