صحيفة الاستقلال

 صحيفة الاستقلال

الشعب يريد

 

على خطى السودان.. واشنطن بوست: ليبيا قد تتعرض للتقسيم

2020/06/16| | ترجمات
بدون إرادة دولية حقيقية للتوصل إلى سلام دائم فإن التقسيم الفعلي لليبيا سيصبح واقعا

تساءلت صحيفة واشنطن بوست الأميركية عن مصير ليبيا جراء الحرب الأهلية التي تغذيها تدخلات دولية وإقليمية، وعن مدى إمكانية إنقاذ البلد الممزق من التقسيم.

وقال محلل الشؤون الخارجية في الصحيفة، اشان ثارور: إن الحرب الأهلية في ليبيا تدخل في هذه الآونة مرحلة حاسمة، فالهجوم المتواصل الذي ينفذه الجنرال المنشق خليفة حفتر ضد قوات حكومة الوفاق المعترف بها دوليا بدأ يتراجع بعدما مُني بهزائم متتالية خلال الأسابيع الماضية.

وبدعم من القوات التركية، أوقفت حكومة الوفاق الوطني ومقرها طرابلس مكاسب حفتر، واستولت على قواعد إستراتيجية، وهي في خضم بدء عملية في مدينة سرت الساحلية.

وسرت هي المدينة التي حوصر فيها الديكتاتور الراحل معمر القذافي في عام 2011، حيث جرى قتله علي يد قوات المعارضة المدعومة من الغرب.

ويقول الكاتب: "أثبتت السنوات التي تلت الإطاحة بالقذافي أن مقتله مثل كارثة للدولة الغنية بالنفط في شمال إفريقيا، بالتزامن مع فوضى من الفصائل والقبائل التي بدأت تتصارع على الإقطاعيات السياسية والسيطرة على أصولها النفطية المربحة".

ولفت إلى أن تلك الفصائل، كافحت الحكومات الهشة من أجل الشرعية خارج المدن التي تتمركز فيها، بينما انتشر المتطرفون والمتاجرون بالبشر على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط، وأدت النزاعات إلى تشريد عشرات الآلاف من الليبيين، في الوقت الذي مات فيه الآلاف.

حرب بالوكالة

ويُشير الكاتب إلى أن المعارك بين ما يسمي "الجيش الوطني الليبي" بقيادة حفتر وبين قوات حكومة الوفاق الليبية، المعترف بها دوليا بقيادة فايز السراج، تحولت إلى حرب بالوكالة.

فحكومة الوفاق، على الرغم من الاعتراف بها دوليا، تدعمها تركيا وقطر في المقام الأول؛ بينما مليشيات حفتر، التي تقع في شرق ليبيا، تدعمها مصر والإمارات العربية المتحدة وروسيا وحتى فرنسا، ولكل دولة أسباب مختلفة للانخراط في الصراع، ولا يمكن لأي منها إنهاؤها من تلقاء نفسها.

ومع ذلك، يبدو أن حفتر في مشكلة، بعد أن فقد مؤخرا آخر معقل له في الغرب بمدينة ترهونة، على بعد 40 ميلا جنوب شرق طرابلس، وكان ذلك بمثابة تحول كبير في موقف اللواء المنقلب، الذي كان في وقت ما حاصر طرابلس بقواته، والتي تضمنت انفصال المرتزقة الروس والسودانيين.

قال ولفرام لاشير، الخبير في الشأن الليبي من المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، لسودارسان راجافان: "سقوط ترهونة يعني نهاية هجوم حفتر على طرابلس، لم يعد لديه الآن فرصة واقعية للاستيلاء على السلطة".

وأضاف: أنه "سيكون لهذا تأثيرات كبيرة على تحالفه، الذي كان يعتمد على فكرة أنه سيكتسح السلطة. الآن وقد تم هزيمة قواته، سيعيد الكثيرون في تحالفه النظر في انحيازاتهم".

وفي بداية يونيو/حزيران، ظهر حفتر في القاهرة، برفقة رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي، وأعلن التزامه من جانب واحد بوقف إطلاق النار، بينما قبل أيام قليلة، في حين ظهر خصم حفتر، رئيس الوزراء فايز السراج، في أنقرة إلى جانب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وتعهد بالقضاء على "العدو".

من ناحية أخري، قال طارق مجريسي، المحلل في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، لصحيفة نيويورك تايمز: "جميع نقاط القوة والضعف لدينا تتغير، من غير الواضح كيف ستبدو الأمور بمجرد أن يستقر الغبار، ولكن حفتر يرقص على الحبال".

وشددت كل من تركيا وروسيا التزامهما بالحل السياسي للصراع، ولكن بعد عدة جولات من المفاوضات الفاشلة، لا يزال الحل السلمي بعيدا.

وكتب إميليانو أليساندري من معهد الشرق الأوسط للدراسات: "مع مطالبة دوائر حفتر الآن بوقف العنف، فقد يعود الحل الدبلوماسي إلى الطاولة، لكن كما يظهر هجوم سرت من حكومة الوفاق الوطني، فإن المواجهة بالكاد تنتهي، ولن تبدأ محادثات ذات مغزى إلا بعد استنفاد المكاسب العسكرية".

ملعب إقليمي

وفيما يخص اللاعبين الإقليميين المعنيين، فإن ليبيا ملعب هام لممارسة أجنداتهم، وقد لعبت تنافسات الممالك الخليجية دورا عنيفا بين المليشيات الليبية المتناحرة، في حين أن انتشار موسكو وأنقرة جعل أوروبا متفرجة إلى حد كبير.

ويقول أليساندري: "يستدعي المسؤولون الأتراك العلاقات العثمانية مع طرابلس لتبرير تدخلهم العميق، لكن العائد الجيوسياسي الرئيسي لتركيا كان اتفاقا مع حكومة السراج حول حقوق التنقيب عن النفط في شرق البحر الأبيض المتوسط".

في غضون ذلك، كتب روبين ديكسون في صحيفة واشنطن بوست: "روسيا تلعب لعبة مزدوجة، ففي حين تشجع  الدبلوماسية لمحاولة التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار وتقاسم السلطة، نراها ترسل طائرات ومرتزقة لدعم حفتر في الشرق الغني بالنفط ولتعزيز موقعه العسكري وقدرته التفاوضية".

حفتر، الذي عاش لسنوات عديدة في الولايات المتحدة، هو شخصية استقطابية، يحتفي بها البعض في العالم العربي، إضافة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي جمعته به مكالمة هاتفية واحدة، بالنظر إليه على أنه "رجل قوي صارم يحارب الإسلاميين".

لكن المحللين يشيرون إلى أن السلفيين والفصائل الإسلامية الأخرى موجودة على جانبي ساحة المعركة بالفعل، وحفتر، الذي قادته انتهازيته إلى متابعة صفقات نفطية "غير مشروعة" في أماكن بعيدة مثل فنزويلا، قد لا يحظى بقبول الحكومات التي دعمته ذات مرة.

حتى ذلك الحين، لن تكون حكومة الوفاق الوطني قادرة على استعادة كامل البلاد بقوة السلاح.

وقالت فيرجيني كولومبير من معهد الجامعة الأوروبية في فلورنسا الإيطالية يوم 9 يونيو/حزيران خلال ندوة عبر الإنترنت: "لا يزال هناك انطباع قوي بأن العديد من هؤلاء الممثلين ينظرون إلى الصراع في ليبيا على أنها مواجهة صفرية، وليسوا مستعدين حقا لتقديم أي نوع من التنازل".

وحذر كريم مزران من المجلس الأطلنطي خلال ندوة عبر الإنترنت في مايو/أيار من أنه بدون إرادة دولية حقيقية للتوصل إلى سلام دائم، فإن التقسيم الفعلي لليبيا يصبح واقعا.

وكتب تيد جالين كاربنتر من معهد كاتو الليبرالي في واشنطن "السيناريو المرجح في ليبيا قد يشبه الانفصال الفوضوي للمنطقة الجنوبية في السودان، الذي خلق جنوب السودان، وقد تكون الخلافات حول السيطرة على إنتاج النفط الليبي بين مدن شرق ليبيا وغربها كافية بحد ذاتها لإحداث توترات خطيرة مستمرة".

يأمل مسؤولو الأمم المتحدة والدبلوماسيون الدوليون ألا يتحقق ذلك. وأضاف كريم مزران أن إرغام الأطراف المتحاربة في ليبيا على إيجاد حل سياسي سيتطلب سلطة دبلوماسية مركزية.

لكنه أضاف أن إدارة ترامب المشتتة وغير المبالية نوعا ما قد لا تمتلك القدرة أو الاستعداد أو الرؤية السياسية للتعامل بشكل كاف مع أزمة استمرت ما يقرب من عقد من الزمان.