صحيفة الاستقلال

 صحيفة الاستقلال

الشعب يريد

 

حظرته ثم رفعته مع “كورونا”.. لماذا تغير موقف أوروبا من الأذان؟

2020/04/17| | تقارير
بعد منعه لسنوات في عواصم أوروبية أذنت السلطات مع بدء جائحة كورونا برفع الأذان عبر مكبرات الصوت

لم تعد كلمات الأذان وعبارة "الله أكبر" إرهابا كما كان رائجا في أوروبا قبل تفشي جائحة كورونا، بل أصبح جالبا للأمان والراحة النفسية والسلام الروحي.

بعد منع الأذان لعدة سنوات في عواصم ومدن أوروبية، أذنت السلطات أخيرا في ألمانيا وإسبانيا وبريطانيا وفرنسا وبلجيكا وهولندا وغيرها من عواصم ومدن أوروبا برفع الأذان عبر مكبرات الصوت.

كانت البداية من مسجد دار السلام في برلين، حيث تم رفع الأذان عبر الميكرفونات، بعد أن وافقت السلطات الأمنية على رفعه بشكل يومي، حتى تنتهي أزمة كورونا، قبل أن تعود وتحظره بدعوى وقوع احتكاكات أمام أحد المساجد في العاصمة الألمانية.

برلين لم تكن وحدها من رفعت الأذان، فبحسب المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا، فإن الأذان رفع في أكثر من 20 مسجدا بمدن ألمانية مختلفة، بما فيها مدينة ديسبورغ.

وفي الوقت الذي بررت فيه السلطات الألمانية ذلك الإجراء بأنه "يبعث على الأمل والثقة ويحث على روح التضامن"، فإن الأوروبين قد وقفوا لتصوير وتوثيق لحظة رفع الأذان، إلى جانب مسلمين آخرين، مبدين ارتياحهم وانسجامهم مع ذلك الإجراء غير المعهود.

ردود فعل

كانت هولندا هي الأخرى التي سمحت برفع الأذان، وقد صدح الأذان في أجواء مدينة أمستردام، منطلقا من مأذنة المسجد الأزرق في منطقة نيو فيست، وأثار هذا الإجراء ردود أفعال إيجابية لدى عدد من الهولنديين القاطنين في محيط المسجد، حيث قال البعض: إنه جميل ولا مانع لديهم في سماعه.

هولندا هذه هي التي منعت الأذان عبر مكبرات الصوت عام 2016 ، ورفضت السلطات هناك طلبا تقدمت به الجالية الإسلامية لوضع مكبرات صوت على مئذنة بارتفاع 42 مترا، على أحد المساجد الكبيرة بعاصمتها أمستردام.

وزعمت السلطات الهولندية أن رفع الأذان عبر مكبرات الصوت يسبب الإزعاج والضوضاء، وأن ذلك القرار بهدف الحفاظ على الهدوء في العاصمة، التي يسكنها عدد من المواطنين هو الأكبر في الدولة.

بلاد الأندلس

من بين المدن الأوروبية التي رفعت الأذان، مدينة غرناطة الإسبانية، حيث رفعت الأذان لأول مرة منذ ما يقارب 528 عاما.

وعلاوة على ذلك، رفع المسلمون الأذان من منازلهم، في محيط مسجد البيازين في غرناطة، حسب ما أظهرته مقاطع فيديو متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، حازت على ملايين المشاهدات.

فخر الدين ألطون، رئيس دائرة الاتصال بالرئاسة التركية، نشر مقطع فيديو للرئيس رجب طيب أردوغان أثناء استماعه لصوت الأذان من مدينة غرناطة الإسبانية.

مدينة ليون الفرنسية هي الأخرى، رفع فيها الأذان وشق الصوت الصادر من مأذنة المسجد الكبير صمت أحياء المدينة لأول مرة في تاريخها، وانتشرت مقاطع فيديو التقطها المارة توثق رفع الأذان في ثالث أكبر مدينة بعد باريس ومارسيليا.

وتداولت حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، مقطعا مصورا لرفع الأذان للمرة الأولى في العاصمة البلجيكية بروكسل، التي تشهد حملات كراهية ضد الإسلام هي الأعلى من بين كل الدول الأوروبية.

مبررات واهية

كانت عدة دول أوروبية قد فرضت قيودا على رفع الأذان، تحت مبررات حقوقية أو دينية أو حتى بيئية أيضا، من بينها قانون الحد من الضجيج.

وقضت بعض المحاكم الأوروبية بأن تركيب مكبرات الصوت في المآذن أو في الباحات الخارجية للمساجد يعتبر أمرا مخالفا للقانون. 

الأمر الذي دفع الرافضين لتلك القوانين أو القرارات إلى وصفها بالعنصرية والجائرة، اتهامها بأنها "تقوم على أساس من التمايز في حرية العقيدة التي تمنع رفع الأذان وفي نفس الوقت تأذن بقرع أصوات أجراس الكنائس".

في عام 2015، قضت المحكمة الإدارية في مدينة غيلزنكيرشن شمال غرب ألمانيا بمنع رفع الأذان عبر مكبرات الصوت بناء على دعوى تقدم بها مواطن ألماني ضد المسجد بحجة أن  صوت الأذان عبر مكبرات الصوت إلى خارج المسجد "يقلل من شأن إيمانه المسيحي"، وحكمت المحكمة لصالحه.

وفي مارس/آذار 2018، قررت إدارة مدينة أوير إركنشفيك الألمانية استئناف قرار المحكمة بمنع رفع الأذان عبر مكبرات الصوت في مسجد بالمدينة، وظلت القضية محل نزاع قانوني غير أن المسجد قرر بسبب ذلك النزاع التخلي عن رفع الأذان عبر مكبرات الصوت.

جدل انتخابي

وفي السويد  تحظر السلطات رفع الأذان، بموجب قرار السلطات المحلية، لا بموجب قوانين عامة، غير أن هناك بعض الاستثناءات من قبل الشرطة في بعض المدن، وهي استثناءات تقع ضمن صلاحيتها بمنح ترخيص لبعض المساجد، وهو ترخيص سنوي لا بد من تجديده كل عام.

في مطلع عام 2018، وافقت الشرطة في بلدية فيكخو التابعة لمحافظة سمولاند على السماح برفع الأذان،  فتمكنت الجمعية الإسلامية في فيخو، من رفع أذان الجمعة بمكبرات الصوت من مسجد المنطقة.

وحسب موقع راديو السويد، جاء قرار الشرطة بعد طلب الجمعية، السماح لها برفع الأذان مرة واحدة في الأسبوع، ومنحت الشرطة في المدينة تصريحا لعام واحد في يوم الجمعة فقط، ولمدة 3 دقائق و45 ثانية، هي مدة الأذان.

وعقب ذلك الاستثناء، وجهت زعيمة الحزب الديمقراطي المسيحي في السويد، إيبا بوش ثور، دعوة لأعضاء حزبها  في المجالس البلدية بالتصويت لإصدار قانون بمنع رفع الأذان من مساجد المسلمين.

الدعوة أحدثت جدلا انتخابيا في مجلس البلديات، ففي حين قاد الحزب المسيحي دعوات متطرفة لمنعه، رفض ممثلون عن الحزب الليبرالي الدعوات إلى حظره ودعوا إلى ضرورة التسامح، وأضافوا أن السماح برفع الأذان سوف يمكن المسلمين من الاندماج بشكل أفضل في المجتمع السويدي.

ونشرت صحيفة Nyheteridag السويدية، مقابلة مع شخص يدعي أنه إمام سابق، وكتبت الصحيفة عنوانا للمقابلة: "هل يفترض أن تسمح السويد برفع الأذان أم لا؟".

وفي حين يبدو العنوان محايدا، فقد استضافت الصحيفة أحد الذين يعارضون رفع الأذان، حيث أفاد بأن الأذان يعني شيئين: هو الدعوة للصلاة، وكذلك إعلان أن سكان هذه المدينة مسلمون، وهو الأمر الذي أراد من خلاله أن يحرض على المسلمين الذين ينادون بالسماح برفع الأذان في البلد الذي يمثل المسلمون فيه حوالي 8% من عدد السويديين البالغ نحو 10 ملايين نسمة.

بناء المآذن

في سويسرا، لم يقتصر الأمر على رفع الأذان أو تركيب مكبرات الصوت، بل طال حتى مآذن المساجد، فقد صوّتت الأغلبية من الشعب السويسري في نوفمبر/تشرين الثاني 2009 على قانون يحظر بناء المآذن، وبقيت 4 مساجد هي الوحيدة التي تحتوي على مآذن، من قبل الاستفتاء على قانون حظر بناء المآذن.

وأعلنت وكالة أنباء أيه تي اس السويسرية أن ما يقرب من 57.5 بالمئة من الناخبين و22 كانتونا وافقوا على الاقتراح في استفتاء أجري في سويسرا أيده حزب الشعب السويسري اليميني.

وجاء ذلك التصويت بعد حملة شنتها الأحزاب اليمينية في سويسرا، ومع أن الحكومة والبرلمان السويسريين رفضا المبادرة باعتبارها انتهاكا للدستور السويسري ولحرية الديانات والتسامح الذي تتمسك به البلاد، وبكون الحظر قد "يخدم مصالح الدوائر المتطرفة"، إلا أن ذلك لم يؤثر على نتائج التصويت التي لم تكن في صالح الأقلية المسلمة، حيث قالت الحكومة: إنها ستحترم قرار الشعب ولن يسمح ببناء مآذن جديدة.

وعقب صدور القانون بمنع بناء المآذن في سويسرا، ومنع رفع صوت الأذان،  تم الإعلان عن مؤتمر في ألمانيا باسم "مؤتمر التصدي لبناء المآذن"، حيث تدفقت وفود أحزاب يمينية في عدد من الدول الأوروبية على ألمانيا، من أجل المشاركة في المؤتمر والمطالبة بالمضي على خطى سويسرا في منع بناء المآذن في أوروبا بأكملها.

استضافت المؤتمر جماعة (Pro-NRW) اليمينية المحافظة، ودعت إلى تعميم ذلك الإجراء بمنع المآذن على كامل الدول الأوروبية، وشارك فيه أحزاب يمينية متطرفة مثل "فلامز بلانج" البلجيكي، والحرية الهولندي، والشعب الدنماركي، والجبهة القومية الفرنسي، إضافة إلى أحزاب أخرى نمساوية وسويدية وشرق أوروبية.


 انسجام وألفة

برأي متابعين، فإن رفع الأذان كظاهرة إسلامية، تقطع حالة النكران التي حملتها الأوساط الغربية والأوروبية وخصوصا التيارات اليمينية المتشددة لكل ما هو إسلامي، وتخفف من حدة المواقف العدائية ضد الإسلام، كما تحقق حالة من الانسجام مع كلمات الأذان، على نحو يأتلف هذا المظهر الإسلامي ولو على نحو جزئي.

يأتي ذلك في وقت تتنامى فيه مظاهر الكراهية ضد الإسلام، وتتزايد فيه حملات  التحريض على الجاليات المسلمة في الغرب، لربط الإسلام بالإرهاب، وتبرير حملات التنمر والعنصرية بحق المسلمين.