صحيفة الاستقلال

 صحيفة الاستقلال

الشعب يريد

 

بعد فشل الجملي.. الخيارات المتاحة أمام رئيس تونس لتشكيل الحكومة

2020/01/16| | تقارير
يقرّ الدستور التونسي منح مدة أقصاها 10 أيام لرئيس الجمهورية من أجل تكليف شخصيّة جديدة لتشكيل الحكومة

مساء يوم الاثنين 13 يناير/كانون الثاني الجاري، وجّه رئيس الجمهورية التونسية قيس سعيّد إلى الأحزاب والائتلافات والكتل البرلمانية، رسالة من أجل تقديم مقترحاتها حول الشحصية أو الشحصيات التي ترى أنها الأقدر من أجل تكوين الحكومة الجديدة.  

وفشلت الحكومة التي اقترحها الحبيب الجملي بالحصول على ثقة البرلمان، في جلسة مطولة يوم 10 يناير/كانون الثاني الجاري، حيث صوت 134 نائبا ضد الحكومة، في حين صوت 72 لصالحها، وتحفظ ثلاثة نواب. 

ويقر الدستور التونسي أنه في حال عدم نيل الحكومة التي كلف بتشكيلها الحزب الفائز في الانتخابات التشريعية ثقة البرلمان، يتولى رئيس البلاد تكليف الشخصية الأقدر لتشكيل حكومة جديدة.

وكلف قيس سعيّد منتصف نوفمبر/تشرين الثاني الماضي الحبيب الجملي بتشكيل الحكومة، عقب طرح اسمه من جانب حركة النهضة التي تصدرت نتائج الانتخابات التشريعية في 6 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وذلك بعد أن تحصّلت على 52 نائبا من مجموع 217 نائبا، واستجابت لاشتراط عدد من الأحزاب باقتراح شخصية مستقلة لتشكيل الحكومة.

كما يقر الدستور التونسي منح مدة أقصاها 10 أيام لرئيس الجمهورية من أجل تكليف شخصية جديدة لتشكيل الحكومة تحظى بقبول غالبية أعضاء البرلمان من أجل نيل الثقة، مما يجعل الرئيس أمام عدة سيناريوهات في ظل تحركات سياسية وسط البرلمان وحديث عن تشكيل جبهات برلمانية قد تغيّر التوازنات داخله.


استتباعات السقوط

للمرة الأولى منذ سقوط نظام الرئيس الراحل زين العابدين بن علي، تفشل حكومة بنيل الثقة في البرلمان التونسي على الرغم من تعدد هذه الحكومات.

وتداول على الحكم في تونس منذ 14 يناير/كانون الثاني 2011 ، 7 رؤساء حكومات، 5 منهم بعد انتخابات العام 2011 في ظل نظام شبه برلماني يعتبر فيه رئيس الحكومة صاحب الصلاحيات الأكبر في النظام السياسي التونسي.

وحظي الحبيب الجملي وحكومته بـ 72 صوتا فقط، غالبيتها من أصوات كتلة حركة النهضة (54 نائبا) وكتلة ائتلاف الكرامة (18 نائبا)، بينما رفضت بقية الكتل هذه التركيبة الحكومية.

وأعلنت حركة النهضة تقبُلها "بكل ديمقراطية قرار حجب الثقة عن حكومة الحبيب الجملي، باعتباره يدخل ضمن العملية الديمقراطية، وضمن الآليات الدستورية المعتمدة في تكوين الحكومة بعد الانتخابات".

إلا أن نتيجة التصويت التي أظهرت عزلة لحركة النهضة وعدم قدرتها على الإقناع بالحكومة التي شكلها مرشحها، فتح الباب أمام أشد معارضيها للحديث عن خيارات أخرى.

وأعلنت رئيسة الحزب الدستوري الحر والنائب في البرلمان عبير موسي أن تونس الآن أمام "فرصة تاريخية للتخلص من هيمنة الإخوان (تقصد النهضة) وتكوين حكومة دون خوانجية (الإسلاميين)".

كما دعت موسي في كلمة بثتها على صفحتها في "فيسبوك" القوى السياسية التي صوتت ضد حكومة الجملي إلى التعالي عن أحقاد الماضي، والتفكير في مصلحة البلاد التي تعتبرها ممكنة بالتجمع من أجل تشكيل حكومة تستثني حركة النهضة وائتلاف الكرامة.

وعقدت موسي ندوة صحفية بمجلس نواب الشعب قدمت خلالها عريضة أطلقتها كتلة حزبها لسحب الثقة من رئيس البرلمان راشد الغنوشي على خلفية زيارته إلى تركيا مباشرة بعد فشل التصويت على حكومة الجملي وإجرائه لقاءا خاصا دون حضور الإعلام مع رئيس دولة أجنبية، وهو ما يتنافى مع الأعراف الدبلوماسية والنظام الداخلي للمجلس ويرتقي إلى درجة التخابر مع دولة أجنبية.

وبحسب النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب، فإن قبول عريضة سحب الثقة من رئيس مجلس النواب لعرضها على جلسة المساءلة يتطلب ثلث أعضاء البرلمان أي 73 نائبا.
 

الجبهة البرلمانية 

مباشرة إثر انتهاء الجلسة البرلمانية للتصويت على نيل الثقة لحكومة الجملي المقترحة، خرج رئيس حزب قلب تونس والمرشح الرئاسي السابق نبيل القروي في ندوة صحفية وسط البرلمان للإعلان عن ولادة جبهة برلمانية جديدة تضم أكثر من 90 نائبا.

وكان القروي محاطا في هذه الندوة بأعضاء وقيادات من حركة الشعب وحركة تحيا تونس بالإضافة إلى كتلة المستقبل وكتلة الإصلاح الوطني.

وقال رئيس حزب قلب تونس: إن الجبهة الجديدة تأتي كرد على حجج مساندي حكومة الجملي بأن التصويت ضدها يعني الذهاب إلى المجهول، وأن هذه الجبهة ستقدم مقترحها لرئيس الجمهورية من أجل تشكيل حكومة جديدة.

إلا أن الساعات التي تلت هذه الندوة توالت فيها التصريحات التي تنصلت من إعلان القروي عن جبهة برلمانية، حيث سارعت حركة الشعب (القومية) لنفي الانتماء لهذه الجبهة المعلن عنها.

ونفى نائب رئيس الكتلة الديمقراطية بالبرلمان، والقيادي بحركة الشعب عبد الرزاق عويدات أن تكون الندوة الصحفية للإعلان عن جبهة برلمانية جديدة، مشيرا إلى أن حضور النائب عن حركة الشعب هيكل المكي الندوة، كان بهدف الطمأنة وليس دليلا على أن الحركة انخرطت في أي جبهة.

وقال عويدات في تصريح صحفي: إنه "بالنسبة لحركة الشعب فهي ليست منضمة لأي جبهة برلمانية أو كتلة غير الكتلة الديمقراطية، وأي انضمام لجبهة أو غيرها لا يتم إلا بعد التشاور مع مؤسسات الحركة وعلى رأسها المجلس الوطني، فضلا عن التشاور مع شركائنا في الكتلة أي التيار الديمقراطي".

كما نفى سليم العزابي الأمين العام لحركة تحيا تونس على قناة الحوار التونسي، ما تم تداوله حول تكوين جبهة برلمانية، وأكد أن اللقاءات والمشاورات التي تضم كلا من كتلة حركة تحيا تونس والإصلاح الوطني وكتلة قلب تونس كانت في إطار تنسيقي لمواقف هذه الكتل. 

وأضاف العزابي في نفس السياق أن دور حركة تحيا تونس سيكون لتقريب المواقف بين الكتل البرلمانية لتكوين حزام سياسي للحكومة القادمة، مشيرا إلى أن اللون السياسي الواحد للحكومة لن يخدم مصلحة البلاد في الظروف الراهنة. 

الخيارات الصعبة

في البلاغ الذي أصدرته رئاسة الجمهورية، حدد الرئيس قيس سعيّد الطريقة التي يعتبرها مناسبة لبدء المشاورات الملزمة دستوريا حول تكليف الشخصية الأقدر.

وقال البلاغ الصادر مساء يوم 13 يناير/كانون الثاني الجاري: إنه "عملا بأحكام الفقرة الثالثة من الفصل 89 من الدستور، واحتراما لنص الدستور ومقاصده، هذا كتاب إليكم لدعوتكم لتقديم مقترحاتكم مكتوبة حول الشخصية أو الشخصيات التي ترتؤون أنها الأقدر من أجل تكوين حكومة، مع بيان دواعي هذا الاختيار والمعايير التي تم اعتمادها في ذلك، على أن يكون هذا في أجل قريب لا يتجاوز يوم الخميس 16 من شهر يناير الجاري". 

وبحكم الدستور فإن الأيام القليلة المحددة للاختيار تحتم على رئاسة الجمهورية إيجاد صيغة محددة مرضية لغالبية الكتل النيابية من أجل أن تنجح في الحصول على ثقة البرلمان بعد تشكيلها في فترة زمنية لا تتجاوز الشهر من تكليف رئيسها رسميا.

ولم تعلن الأحزاب عن مواقفها النهائية، في انتظار اجتماع هياكلها القيادية من أجل اتخاذ القرارات، وتقديم الأسماء المقترحة لترؤس الحكومة لرئيس الجمهورية.

ويبدو أن موقف الحزب الدستوري الحر لم يتغيّر كثيرا، فقد سبق وأن رفضت رئيسته عبير موسي دعوة رئيس الجمهورية للقائه، وواصلت نفس الخطاب المناكف لحركة النهضة والإسلاميين في البرلمان.

كما أنها تحافظ على موقفها الرافض للاعتراف بثورة الشعب التونسي التي يحييها التونسيون خلال هذه الفترة، وهو ما يعتبر موقفا مناقضا لتوجهات الرئيس قيس سعيّد.

وفي الوقت نفسه، يجري حزب قلب تونس مشاورات متقدمة مع حركة تحيا تونس، على الرغم من الخلافات السابقة بين الحزبين والاتهامات بالفساد وتوظيف أجهزة الدولة لصالح يوسف الشاهد في الفترة التي اعتقل فيها نبيل القروي بتهم الفساد.

وطالب حزب "قلب تونس" بقيادة نبيل القروي، بالإسراع بتشكيل الحكومة، بعد إحالة الملف لرئيس الدولة قيس سعيّد، أن يكلف شخصية مستقلة.

وفي بيان رسمي، عبّر حزب قلب تونس عن "ثقته التامة في رئيس الجمهورية قيس سعيّد لإنجاح هذه المحطة، وتكليف الشخصية الأقدر من أجل تشكيل الحكومة المرتقبة في الآجال الدستورية المحددة".

السيناريوهات المتوقعة

أمّا حزب التيار الديمقراطي فمن المتوقع أن يتخلى عن شروطه السابقة بالحصول على وزراتي العدل والداخلية والإصلاح الإداري، بالإضافة إلى أن يكون رئيس الحكومة مستقلا.

وهو ما أكده رئيس الكتلة الديمقراطية والقيادي في التيار الديمقراطي غازي الشواشي بالقول: إن اجتماع المجلس الوطني سيُحدد السيناريوهات الممكنة التي سيعمل تياره على تحقيقها.

وأشار إلى أن من بين هذه السيناريوهات، المحافظة على نفس الشروط التي أعلن عنها الحزب سابقا عند انطلاق المشاورات لتشكيل الحكومة برئاسة الحبيب الجملي.

واعتبر المحلل السياسي بولبابة سالم أن "سقوط حكومة الحبيب الجملي في البرلمان لن يؤثر على تشكيل الحكومة القادمة لأن الأطراف الحزبية التي تصدت لحركة النهضة تحاول اليوم أن تنسق معها وتتشاور قبل تكليف رئيس الجمهورية للشخصية الأقدر لرئاسة الحكومة مثل التيار الديمقراطي وحركة الشعب".

وأضاف سالم في حديث لـ"الاستقلال": "اجتمع ليلة الاثنين مثلا راشد الغنوشي مع محمد عبو (سياسي تونسي) في هذا الخصوص، كما حرصت هذه الأطراف (الشعب والتيار) على عدم التنسيق مع قلب تونس و اعتبار ما حدث في البرلمان لقاء ظرفيا فقط". 

وأكد المحلل السياسي التونسي أن "رئيس الدولة لن يطيل المشاورات وسيعين شخصية قريبة منه ويضع الجميع أمام مسؤولياتهم في البرلمان أو يهدد بتعديل القانون الانتخابي الذي أعلن عنه صراحة خلال زيارته للقصرين يوم 8 يناير/كانون الثاني الماضي".

وبحسب الدستور التونسي في فصله 89 فإنه "إذا مرت أربعة أشهر على التكليف الأول، ولم يمنح أعضاء مجلس نواب الشعب الثقة للحكومة، لرئيس الجمهورية الحق في حل مجلس نواب الشعب والدعوة إلى انتخابات تشريعية جديدة في أجل أدناه خمسة وأربعون يوما وأقصاه تسعون يوما".

وهو ما يجعل احتمال العودة إلى الاحتكام إلى صناديق الاقتراع أحد السيناريوهات الممكنة التي قد يلجأ لها التونسيون في صورة فشل الطبقة السياسية على التوافق على حكومة جديدة خلال الشهر المقبل.