صحيفة الاستقلال

 صحيفة الاستقلال

الشعب يريد

 

30 شهرا من الحجب.. لماذا قضت محكمة تركية بعودة ويكيبيديا؟

2020/01/08| | تقارير
ويكبيديا سمحت بنشر مواد تتهم أنقرة بالتعاون مع منظمات إرهابية ومجموعات مسلحة في سوريا، من بينها تنظيم الدولة

قضت المحكمة الدستورية العليا في تركيا مؤخرا بإلغاء الحجب المفروض على موقع ويكيبيديا على شبكة الإنترنت.

في 26 ديسمبر 2019، قالت المحكمة الدستورية (أعلى محكمة في تركيا): "الحظر المفروض على الوصول الكامل إلى ويكيبيديا ينتهك الحق في حرية التعبير المكفولة بموجب المادة 26 من الدستور".

وأمرت المحكمة الدستورية، المحكمة الابتدائية برفع الحظر على الفور استجابة لطلب عريضة مقدم من ويكيبيديا. ومن المقرر أن ترفع أنقرة الحظر عن الموقع  تنفيذا لأمر المحكمة الدستورية.

حملة تشويه

نهاية أبريل/نيسان 2017، أعلنت هيئة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات التركية حجب موقع ويكيبيديا، بعد تحذيرها إدارة الموقع ومطالبتها بإزالة المواد المنشورة التي قالت: إنها "معلومات مضللة تستهدف تركيا وتسعى عبر حملة منظمة لتشويه سمعة البلاد".

وأوضحت هيئة الاتصالات التركية في بيان حجب الموقع "تم تطبيق قرار حجب الوصول إلى موقع ويكيبيديا، وفقا للمادة 8/أ من القانون رقم 5651، بشأن تنظيم البث في شبكة الإنترنت ومكافحة الجرائم،  بناء على طلب السلطات التركية المختصة، فيما يتعلق بالمحتويات التي تحاول إظهار تركيا في تعاون مع التنظيمات الإرهابية"، وتم التصديق على القرار بموافقة الدائرة الأولى من محكمة الصلح والجزاء بأنقرة.

ونقلت وكالة الأناضول عن مسؤولين أتراك من إدارة الاتصالات قولهم: إن "ويكيبيديا بدأت العمل كجزء من الدوائر التي تنفذ حملة تشهير ضد تركيا على الساحة الدولية، بدلا من أن تكون متعاونة في الحرب ضد الإرهاب".

وأضافت الوكالة أن "السلطات قد اتخذت قرار حجب الموقع بعدما رفضت ويكيبيديا سحب مقالات وضعت فيها تركيا على المستوى عينه مع مجموعات متطرفة، واتهمتها بالتعاون معها".

وكان موقع ويكيبيديا قد سمح بنشر مواد تتهم أنقرة بالتعاون مع منظمات إرهابية ومجموعات مسلحة في سوريا، من بينها تنظيم الدولة.  

من جانبه نشر الموقع بيانا، قال فيه: إنه "قام بإجراء تعديلات على المقالات التي تزعج السلطات التركية، غير أن أنقرة قالت إن الموقع لم يجر التعديلات بالشكل الذي يزيل التضليل والتشويه المتعمد للحكومة التركية، وأن إدارة الموقع مستمرة في اتهام أنقرة بالتعاون مع التنظيمات الإرهابية، وأن حذف المعلومات المضللة شرط لرفع الحجب عن الموقع".

وفيما بدا أنه مقامرة، غرد مؤسس ويكيبيديا جيمي ويلز على تويتر: "الوصول إلى المعلومات حق أساسي من حقوق الإنسان، سأقف معك أيها الشعب التركي دائما لتكافح من أجل هذا الحق". 

بعدها، وفي مطلع مايو/آيار 2017، أزالت بلدية إسطنبول اسم مؤسس ويكيبيديا "جيمي ويلز" من قائمة ضيوف معرض المدن العالمية للمدن الذكية الذي عُقد في المدينة من 15 إلى 18 مايو/آيار من نفس العام، قائلة في بيان: "تم استبعاد مؤسس ويكيبيديا جيمي ويلز من حدث معرض المدن العالمية وتم إبلاغه بالقرار".

حسابات سياسية 

كانت قضية حجب الموقع قد أخذت بعدا دوليا فيما يتعلق بحرية التعبير، ففي حين تصر تركيا على أن الموضوع يتعلق بتقديم معلومات مضللة تسعى لتشويه الحكومة التركية، قالت وسائل إعلام غربية: إن "تركيا تنتهك حرية التعبير وحقوق الصحافة".

ومع أن الصين تحظر موسوعة ويكيبيديا بجميع إصداراتها ولغاتها، وتحظرها روسيا أيضا بشكل مؤقت بالتزامن مع دعوات من قبل الرئيس بوتين باستبدالها بموسوعة روسية، إلا أن الحظر الكامل في الصين والمؤقت في روسيا لم يأخذا القدر من النقاش والجلبة لدى وسائل إعلام غربية بالقدر الذي أخذه في تركيا.

وبقدر ما أخذت القضية بعدا دوليا، دخلت أيضا ضمن أجندة الأحزاب السياسية المتنافسة في انتخابات الرئاسة التركية عام 2018، وكان حجب الموقع مادة للحديث عن الحريات الصحفية وحقوق التعبير.

ميرال أكشنار، مرشحة حزب "إيي" استعرضت حالة الحريات الصحفية وقالت: إن حزب العدالة والتنمية ينتهك حرية التعبير، وتعهدت في حملتها الانتخابية، بإعادة فتح ويكيبيديا في اليوم التالي للانتخابات في حال فوزها.

كما تعهد محرم اينجه، مرشح حزب الشعب الجمهوري وقتها في إحدى خطاباته بإعادة فتح ويكيبيديا وضمان حق التعبير والحريات الصحفية.

نائب حزب الشعب الجمهوري سيزجين تانيكولو قدم سؤالا برلمانيا مكتوبا في يناير/كانون الثاني 2018 بشأن حظر ويكيبيديا، قائلا: إنه "ضد الدستور التركي والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان"، ليرد عليه وزير النقل والملاحة البحرية أحمد أرسلان بأن "حظر ويكيبيديا قانوني وتم بموجب المادة 22 من دستور تركيا والمادة 10 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان".

من جانبه قدم نائب حزب الشعب الجمهوري أونورسال أديجوزال استجوابا لوزير المواصلات والبنية التحتية جاهد تورهان بخصوص حجب الموقع، قائلا: إن "استمرار حجبه غير قانوني، بعد التعديلات التي قام بها الموقع".

وردت الوزارة بأن "نتيجة الفحص الأخير الذي تم إجراؤه أوضح أن المحتويات التي تسببت في حجب موقع الموسوعة الحرة ويكيبيديا في تركيا لم تتغير بالشكل الكافي من أجل رفع الحظر".

وذهب مراقبون للقول بأن تلك الأحزاب حاولت أن تخطب ود الأنظمة الغربية في الحديث عن كفالتها لحقوق التعبير والحرية الصحفية، وهو الأمر الذي يثبت بأن المسألة قد دخلت حسابات سياسية دولية، بالنسبة لتلك الأحزاب، ولم تعد شأنا محليا يتعلق بالأمن القومي التركي.

المحكمة الأوروبية

في مايو/آيار 2019، قدمت مؤسسة ويكيبيديا، وهي المؤسسة التي تندرج تحتها منصة ويكيبيديا، عريضة إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان (ECHR)، مصرحة بأن الحظر كان "انتهاكا للحق في حرية التعبير"، وفي أغسطس/آب 2019، أعلنت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أنها منحت تركيا مهلة حتى نهاية أكتوبر/تشرين الأول لتبرير الحظر.

وفي 11 سبتمبر/أيلول 2019، نظرت المحكمة الدستورية التركية (AYM) في القضية لتقرير ما إذا كان الحظر ينتهك حرية التعبير أم لا. و صرح صحفي موال للحكومة في وقت لاحق أن المحكمة قد فكرت في إلغاء الحظر، لتقضي المحكمة الدستورية التركية العليا في 26 ديسمبر/كانون الأول 2019 بعدم دستورية حظر موقع ويكيبيديا في تركيا، وأوصت السلطات برفعه في أسرع وقت ممكن.

وإلى جانب قيام منصة ويكيبيديا برفع عريضة إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان وعريضة أخرى للمحكمة الدستورية العليا قامت وبالتزامن مع مرور الذكرى الأولى لحظر الموقع في تركيا في مايو/آيار الماضي بنشر مقطع فيديو قصير، بعنوان "اشتقنا إلى تركيا"، تدعو فيه لفك الحظر عن الموسوعة الحرة، واستخدم الفيديو عبارة "العالم يخسر من دون تركيا".

موقع "بوكينغ"

لم يكن حجب موقع ويكيبيديا هو الأزمة الوحيدة بين عالم الإنترنت والدولة التركية، بل كانت هناك أزمات تتعلق بمواقع أخرى، ففي مارس/آذار 2017 أصدرت محكمة تركية قرارا بإيقاف خدمات موقع الحجز الفندقي "بوكينغ"، بسبب المنافسة غير المشروعة، في عريضة تقدم بها اتحاد وكالات السياحة في تركيا، (TÜRSAB).

وكانت السلطات التركية قد فرضت في وقت سابق غرامة بقيمة 700 ألف دولار على الموقع الذي تم انشاؤه في هولندا عام 1996، وأصبح فرعا من مجموعة برايسلاين منذ عام 2005.

وأصدرت المحكمة في إسطنبول قرارها في القضية رقم 11174 بوقف أي نشاط لحجز الغرف الفندقية في تركيا عن طريق موقع بوكينج أو أي موقع مشابه، مع إبلاغ المؤسسات التكنولوجية المعلومات والاتصالات التركية بحيثيات القرار.

وبررت المحكمة قرارها بأن هذه المواقع "لا تلتزم بدفع الضرائب، في حين تلتزم وكالات السفر التركية بدفع ضرائب على كل حجز تقوم به سواء عن طريق الإنترنت أو عن طريق الحجز المباشر، الأمر الذي يشكل فارقا في القيمة الإجمالية للحجز، ويجعل تلك المواقع هي خيار الزبائن المفضل، على حساب الوكالات التي تدفع الضرائب، وهو الأمر الذي تم اعتباره أساس المنافسة غير المشروعة".

الأمين العام لاتحاد وكالات السفر التركية "جتين كورجون" وقتها أوضح أن "الموقع إلى جانب منافسته غير المشروعة التي تسببت بإغلاق عشرات وكالات السفر التركية، فإنه يأخذ عمولات كبيرة على الفنادق التركية، وفي نفس الوقت يتهرب من دفع الضرائب التي يتوجب عليه دفعها، والتي يفرضها القانون التركي على جميع الشركات العالمية التي تحصل على أموال من الفنادق التركية".

وحذر الأمين العام لاتحاد وكالات السفر، مواقع إلكترونية عالمية مختصة بحجوزات الفنادق والسفر مثل "Expedia" و"trivago" و"tripadvisor" ، باتخاذ إجراءات قانونية ضدها، لقيامها بمنافسة غير مشروعة ومشابهة لما كان يقوم بها موقع بوكينج، وقال كورجون: إنه في حال عدم الالتزام بالتحذيرات التي أرسلت لها، "سيتم البدء باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة".

حظر "أوبر"

وإلى جانب مواقع الحجز الفندقي، حظرت تركيا تطبيق أوبر التابع لشركة "أوبر" (UBER) الأمريكية،  وكما هو الحال في دول أخرى حول العالم، أثار تطبيق أوبر غضب سائقي سيارات الأجرة منذ دخوله إلى السوق التركي عام 2014.

وقامت رابطة سائقي سيارات الأجرة في المدينة برفع دعوى ضد شركة أوبر، لتصدر محكمة محلية في إسطنبول منتصف أكتوبر/تشرين الأول 2019 حكما بحظر التطبيق بتهمة "المنافسة غير العادلة" التي قضت على فرص عمل مالكي سيارات الأجرة البالغ عددهم 17 ألفا و400 سيارة في إسطنبول وحدها، ومنعت السلطة الوصول إلى تطبيق أوبر عبر الهواتف المحمولة في تركيا.

وفي مايو/آيار الماضي، أعلنت شركة أوبر إنهاء خدماتها من نوع "إكس إل" المختصة بسيارات النقل كبيرة الحجم في تركيا، ولكنها استمرت في تقديم خدماتها عبر التاكسي الأصفر والتركوازي إلى سكان إسطنبول والسياح، قبل أن تصبح محظورة بشكل نهائي.