صحيفة الاستقلال

 صحيفة الاستقلال

الشعب يريد

 

مع قرب تشكيلها.. هل يلتزم الأسد بمخرجات لجنة صياغة الدستور؟

2019/02/19| | تقارير
الأسد يصفها لجنة "مناقشة" الدستور الذي وضعه عام 2012

أعادت تصريحات وزير خارجية تركيا تشاووش أوغلو، عن قرب إكمال تشكيل لجنة صياغة الدستور السوري، إثارة تساؤلات حول أهمية هذه اللجنة، وما إمكانية أن يلتزم بها النظام السوري؟ وما هي الضمانات لذلك؟

وقال تشاووش أوغلو، الأحد الماضي، إن جهود بلاده مع الدول المعنية تركّز على إنشاء لجنة لصياغة دستور جديد لسوريا، التي تضم ممثلين عن منظمات المجتمع المدني والنظام والمعارضة.

يأتي ذلك، بعد بيان سابق للخارجية الروسية أعلنت فيه أن وفدا روسيا ناقش مع نائب وزير خارجية تركيا سادات أونال، في أنقرة مسألة إطلاق اللجنة الدستورية السورية في أقرب وقت كمرحلة مهمة في حل الأزمة السورية.

مكونات اللجنة

طرحت فكرة تشكيل لجنة لصياغة دستوري سوري، خلال قمة للدول الثلاثة الضامنة في "سوتشي" على ضفاف البحر الأسود، لكن اللجنة لم تشكل بعد بسبب خلاف مع النظام السوري حول تشكيلتها.

وبحسب الخطة الأممية تضم اللجنة 150 عضوا، ويجري اختيارهم بالتساوي (50 عضوا) بين النظام والمعارضة والموفد الأممي، كما سيتم اختيار 15 عضوا من هذه اللوائح الثلاث لصياغة الدستور الجديد.

وبعد ضغوط كبيرة من الجانب الروسي، سلّم النظام السوري لائحة بأسماء 50 مرشحا للجنة الدستورية إلى سفيري روسيا وإيران في دمشق.

تبع ذلك، تسليم المعارضة قوائمها عبر الهيئة العليا للمفاوضات، في وقت كان يجري فيه إعداد قائمة ثالثة كان من الفترض أن يقدما المبعوث الأممي إلى سوريا، ستافان دي ميستورا، من المستقلين والخبراء وممثلي منظمات المجتمع المدني.

لكن المبعوث الأممي قدم اعتذاره في إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن، عن "عدم تحقيق ما يجب للمساعدة في حل الأزمة السورية"، موضحا أن إيران وتركيا وروسيا قدمت عرضا بالأسماء المقترحة لقائمة "المجتمع المدني".

وأضاف أن "الجمعية العامة للأمم المتحدة لا تشعر، بعد مراجعتها لمتطلبات الحيادية والتوازن، بأنها قادرة على منح موافقتها على كل الأسماء الخمسين".

لكن دي ميستورا، الذي يسلم مهامه للمبعوث الجديد غير بيدرسون مع بداية العام الجاري، لم يُغلق الباب أمام تشكيل اللجنة، وقال: "نجحنا في تحديد وضع العتبات الأساسية التي يمكن أن يبنى عليها العمل المستقبلي"، مؤكدا: "خلَفي يمتلك كل المهارات لمواصلة العمل في الملف السوري".

المهام الأساسية

ويختلف تفسير المعارضة والنظام السوري لمهام اللجنة، فإن الأولى تعتبرها لجنة لوضع دستور جديد كامل، تبنى عليه انتخابات برلمانية ورئاسية.

 لكن نظام بشار الأسد، يصر على مهمام اللجنة منحصرة في مناقشة دستور وضعه في العام 2012 عقب بدء الحراك الشعبي في البلاد.

وفي ظل هذا الخلاف، ينتظر من الأمم المتحدة الكشف عن اللجنة الدستورية وآلية عملها، على أن تتم دعوة اللجنة الجديدة للعمل والاجتماع في جنيف.

ويعول على اللجنة بحسب المبعوث الأممي السابق في سوريا ستافان دي مستورا، أن تكون بمثابة "نقطة انطلاق لعملية التسوية السياسية للأزمة السورية"، مؤكا أن "هناك خيارا هاما لمساعدة السوريين وهو تنظيم عمل اللجنة الدستورية".

وأضاف خلال مؤتمر صحفي عقده بجنيف في كانون الأول/ديسمبر الماضي، أنه "نحن أمام أسابيع مهمة من الاستشارات التي يمكن أن تحيي العملية السياسية للحل في سوريا".

هل يلتزم الأسد؟

وعلى الرغم من الجود التي تبذلها الأطراف الأممية، يبقى السؤال الأهم هو: ما إمكانية أن يلتزم رئيس النظام السوري في دستور تضعه هذه اللجنة التي تضم 50 من معارضية، وآخرون دوليين؟

وتعليقا على الموضوع، قال المحامي السوري المعارض إبراهيم ملكي إن "ما يهم النظام السوري، أولا وآخرا، هو البقاء في السلطة دون أي اعتبار لمستقبل سورية وشعبها، وخوفًا من أن يكون حلّ مشكلة اللجنة الدستورية مقدّمةً لإزاحة الأسد عن كرسيه وسلطته؛ يقوم النظام -مستخدمًا بنيته الأمنية- بوضع العصي في عجلة قرارات الأمم المتحدة، وعرقلة أي حل سياسي مطروح".

ورأى ملكي في مقال نشره موقع "ديرون" أن تصاعَد خطاب النظام ولغته الهجومية، في مواجهة المبعوث الدولي دي ميستورا، وأعلن اعتراضه على القائمة الثالثة (قائمة منظمات المجتمع المدني والخبراء الدوليين) أو ما يسمى "قائمة الأمم المتحدة"، زاعمًا أنها تمسّ “سيادته وهيبته”، وفق ما جاء على لسان وزير خارجيته وليد المعلم، بعد لقائه الأخير بدي ميستورا في دمشق.

والحقيقة، بحسب الباحث السوري أن "الأمر يتعدى مسألة انتهاك السيادة (التي أمست تحت أقدام المحتلين منذ استنجاد الأسد بميليشيات طهران وروسيا) إلى الخلاف الجوهري، وهو تبعات تشكيل اللجنة الدستورية التي ستشكل هيئة حكم انتقالي تقرّ مشروع الدستور الجديد، وما بعد ذلك من استحقاقات".

وأردف: "يعتقد النظام، كما أوحى له الروس، أن محور عمل اللجنة بعد تشكيلها سيتم ببعض التعديلات الطفيفة على ما يسمّى دستور 2012 الحالي. ولذلك يتمسك النظام بدستوره، الذي يعدّه (مصدر الشرعية)، وبالتالي فإن من يمنح “المشروعية” للّجنة هو النظام، وليس الأمم المتحدة وأمريكا أو الأتراك".

في مواجهة ذلك، وفقا طرح ملكي، فإن على المعارضة السورية التمسك بالحل الأممي واستقلالية قرار اللجنة، لأن الرأي المرجِّح في عمل اللجنة سيكون للخبراء الدوليين.

صراع على النفوذ

من جهته، رأى الكاتب السوري المعارض إياد الجعفري في مقال نشرته جريدة "المدن" الإلكترونية أن دلائل سنوات الصراع السوري، سنمرّ على حيثية نوعية، تتعلق بنص دستوري "روسي" مقترح لسوريا، يختلف بصورة نوعية عن ذلك النص الذي اعتمده نظام الأسد عام 2012، والذي كان مجرد تنقيح لدستور العام 1973.

وقال إن هذه الحيثية بالذات، توحي بوجود أهمية لقضية "الدستور" في حالة الصراع على السيطرة والنفوذ، بين اللاعب المحلي (نظام الأسد)، واللاعبين الخارجيين، ومن أبرزهم، روسيا. ومن اللافت في هذه الحيثية، أن "الدستور الروسي" المقترح، يقترب جدا من الرؤية الغربية للحل السياسي في سوريا، في جوانب عديدة، أهمها، صلاحيات الرئيس، ولامركزية الدولة.

وأشار إلى وجود نقطة خلاف خفية، بين الروس ونظام الأسد. ربما يصرّ البعض على اعتبارها مجرد خدعة جديدة. حيث تدعي روسيا أنها تحاول جاهدة إقناع نظام الأسد بالالتزام، في محادثاتها مع نظرائها، كالأتراك والفرنسيين والألمان، مثلاً. هذا الإدعاء، في نظر البعض، محاولة للابتزاز، واستجرار التنازلات. لكن، في الوقت نفسه، لا يوجد ما يدعم هذه النظرية، في نصوص "الدستور الروسي" المقترح، الذي يحد بشكل نوعي من صلاحيات الرئيس، والذي يشكل ضربة قاصمة لنفوذ بشار الأسد، لو تم فرضه فعلاً، وذلك حسب النصوص المسرّبة.

ونقل الكاتب رد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، على سؤال أحد الصحافيين حول مدى قدرة روسيا على إقناع نظام الأسد بالالتزام بتشكيل لجنة دستورية، خلال قمة اسطنبول، يؤكد وجود افتراق بين الطرفين. حيث أكد بوتين نيته العمل على تشكيل اللجنة الدستورية، قبل نهاية العام 2018.

وأكد الجعفري أن حديث بوتين يأتي بخلاف موقف نظام الأسد الأخير، الرافض لأي دور أممي في إدارة عملية صياغة الدستور. وكانت روسيا، ذاتها، قد وافقت قبل أقل من سنة على إحالة مهمة تشكيل اللجنة الدستورية، للأمم المتحدة، مقابل حضور مسؤولين أمميين لمؤتمر سوتشي للـ "الحوار السوري"، في مطلع عام 2018.

وأشار الكاتب إلى "النص الدستوري الروسي المُقترح، الذي لا يمكن لنا أن نظن، مطلقا، أن بشار الأسد مستعد للموافقة عليه"، متسائلا: "هل الأسد قادر أصلا على رفض مقترح الروس؟ يبدو الجواب حتى الآن، نعم. والمؤشرات على ذلك كثيرة، لا تنحصر مثلا، في محاولات النظام التصويب على الاتفاق التركي- الروسي، بخصوص إدلب، ميدانيا، عبر افتعال اشتباكات مع الفصائل المعارضة، وسياسيا، وعبر تصريحات لوزير خارجية النظام، وليد المعلم، يتهم فيها تركيا بعدم الالتزام بتنفيذ الاتفاق. وعند هذه النقطة، جاء ردّ الكرملين في تصريح للناطق باسمه، ليؤكد على الجهود التركية، ويوضح أن روسيا لا ترى حتى الآن مشكلة في اتفاق إدلب".

وحثت قمة "سوتشي" الرابعة، والتي حضرها زعماء الدول الضامنة، روسيا وتركيا وإيران في 14 من الشهر الجاري، على الاسراع في تشكيل لجنة صياغة الدستور السوري.