صحيفة الاستقلال

 صحيفة الاستقلال

الشعب يريد

 

بلدية إسطنبول.. “العدالة والتنمية” يخسر الانتخابات ويكسب احترام العالم

2019/06/24| | تقارير
تعد إسطنبول المركز الاقتصادي الأهم في تركيا يقطنها نحو 15 مليون نسمة يشكلون 18.5% من إجمالي عدد السكان

أخيرا وبعد سجال كبير كان محل اهتمام وترقب داخل وخارج تركيا، أسدل الستار على سباق رئاسة بلدية إسطنبول، في 23 يونيو/ حزيران الجاري، بفوز مرشح حزب الشعب الجمهوري المعارض أكرم إمام أوغلو، برئاسة كبرى مدن البلاد.

المعركة الانتخابية الأشرس في تاريخ المدينة العريقة شهدت حالة من الاستقطابات الواسعة، لكن في النهاية أفضت إلى تجربة ديمقراطية حقيقية، حرصت الأحزاب التركية جميعها على المساهمة في إخراجها بهذه الصورة المشرقة.

رغم خسارة حزب العدالة والتنمية الحاكم، للمدينة التي يحكمها منذ قرابة عقدين من الزمن، إلا أن الرئيس التركي رئيس الحزب، رجب طيب أردوغان، حرص على تقديم التهنئة لمرشح المعارضة فور ظهور النتائج الأولية، وكذلك فعل بن علي يلدريم المرشح الخاسر مع منافسه، ما أظهر تركيا شعبا وحكومة ومعارضة في حلة ديمقراطية رائعة أمام العالم أجمع.

نتائج أولية 

غداة يوم الاقتراع، أعلن رئيس اللجنة العليا للانتخابات في تركيا سعدي غوفن، تقدم إمام أوغلو مرشح "تحالف الأمة (الشعب الجمهوري/ حزب إيي)" على منافسه، بن علي يلدريم مرشح تحالف الشعب (العدالة والتنمية/ الحركة القومية) في انتخابات الإعادة لرئاسة بلدية اسطنبول.

وأوضح غوفن خلال مؤتمر صحفي بالعاصمة أنقرة، أن إمام أوغلو  تقدم على يلدريم بفارق 9.22 بالمئة، حيث حصل الأول على 54.21 بالمئة من الأصوات، فيما نال يلدريم تأييد 44.99 بالمئة من الناخبين.

وأضاف غوفن أن إمام أوغلو حصل على 4 ملايين و741 ألفا و868 صوتا، فيما نال منافسه، تأييد 3 ملايين و935 ألفا و453 ناخبا، ولفت إلى أن اللجنة العليا للانتخابات، أدخلت جميع نتائج الصناديق إلى نظامها الإلكتروني.

نسبة المشاركة في انتخابات الإعادة بلغت 84.5 بالمئة، وبلغ عدد الناخبين الذين أدلوا بأصواتهم، 8 ملايين و925 ألفا و63 ناخبا، من أصل 10 ملايين و560 ألفا و963 ناخبا يحق لهم التصويت.

جرت العملية الانتخابية في 31 ألفًا و342 صندوق اقتراع في 39 قضاء في إسطنبول، تقدم إمام أوغلو على منافسه يلدريم بفارق تجاوز 700 ألف صوت.

وفي 6 أيار/مايو الماضي، قررت اللجنة العليا للانتخابات التركية إلغاء نتائج رئاسة بلدية إسطنبول الكبرى، في انتخابات جرت يوم مارس/آذار الماضي، وفاز فيها أيضا أكرم إمام أوغلو بفارق ضئيل (نحو 12 ألف صوت)، وإعادة إجرائها في 23 يونيو/حزيران الحالي.

وجاء قرار اللجنة استجابة للطعون المقدمة من حزب "العدالة والتنمية"، بأغلبية كبيرة، حيث وافق 7 أعضاء على الطعون، مقابل اعتراض 4.

أعلن وقتها أكرم إمام أوغلو، قبوله للإعادة، ورفع شعار "Her şey çok güzel olacak" وتعني بالعربية "كل شيء سيصبح جميلا".

وفي كلمة له عقب إعلان النتائج الأولية، أعرب إمام أوغلو، عن تمنيه أن تحمل نتيجة الانتخابات الخير لإسطنبول، وأضاف: "أتمنى أن تكون نتيجة الانتخابات وسيلة للخير بمدينة إسطنبول".

وأعرب عن امتنانه للشعب التركي ولسكان إسطنبول قائلا: "أنتم من حافظ على سمعة ديمقراطية تركيا أمام أنظار العالم بأسره"، وشدّد على أن سكان إسطنبول أعطوا درسا في أصول الديمقراطية لبعض دول العالم التي حاولت تشبيه تركيا بدول أخرى في المنطقة.

بينا قال يلدريم، في كلمته عشية الانتخابات: "منافسي أكرم إمام أوغلو يتصدر حالياً، أهنئه وأتمنى له النجاح"، وأضاف بعد رفع اللجنة العليا للانتخابات الحظر على نشر النتائج: "سوف أحرص على مساعدة إمام أوغلو في جميع الأعمال التي سيقوم بها لصالح إسطنبول".

الفائز إمام أوغلو

أصبح إمام أوغلو رئيسا لشعبة حزب الشعب الجمهوري في بيليك دوزو، واستمرت شعبيته في التوسع حتى تم انتخابه رئيسا للبلدية هناك حيث حصل على نسبة 50.85% من أصوات الناخبين بالانتخابات البلدية التي جرت عام 2014.  

وخلال وقت قصير سلط إمام أوغلو الانتباه إلى حزبه في بيليك دوزو نتيجة التوسع الحضري بالمدينة التي حقق فيها إنجازات كبيرة ظهرت عام 2015، أي بعد توليه المنصب بعام واحد فقط.

اعتمد إمام أوغلو سياسة قائمة على تزيين الشوارع وإقامة أماكن حضارية مميزة لجذب الشركات للاستثمار بها، حتى أصبحت المنطقة تتميز بتنظيم إداري جيد وشوارعها العريضة والأشجار المنتشرة في أرجائها.

وتحدثت وسائل الإعلام التركية عن المدينة باعتبارها واحدة من أكثر المناطق المفضلة لسكان إسطنبول، وذلك بسبب تنوع وتعدد مواصلاتها وتطابقها مع المواصفات والمقاييس الأوروبية، وذلك بعد تنفيذ مشاريع سكنية على الطراز الأوروبي في الآونة الأخيرة.

وفي 18 ديسمبر/كانون الأول 2018، أعلن زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كليجدار أوغلو، ترشيح إمام أوغلو عن الحزب لتولي منصب رئيس بلدية مدينة إسطنبول الكبرى، وقال وقتها: "إن نجاحه الكبير في بلدية مقاطعة بيليك دوزو خلال السنوات الماضية هو سبب الدفع به في المدينة الكبرى التي تعد رأس حربة بالانتخابات البلدية على مستوى الجمهورية".

ولد إمام أوغلو عام 1970 في قرية جيفيزلي بمدينة طرابزون المطلة على البحر الأسود شمال شرقي تركيا، ودرس في مدرسة طرابزون الثانوية، وخاض مسيرة تشبه نوعا ما مسيرة الرئيس رجب طيب أردوغان.

وتخرج من كلية إدارة الأعمال بجامعة إسطنبول مثله مثل أردوغان الذي درس إدارة الأعمال بجامعة مرمرة، وحصل على درجة الماجستير في إدارة الموارد البشرية، ثم بدأ حياته المهنية عام 1992 من خلال شركة عائلية تنفذ أعمال البناء، وشغل لاحقا منصب رئيس مجلس إدارتها.

وعلى غرار أردوغان أيضا كانت ممارسة إمام أوغلو الرياضة طريقه إلى عالم السياسة، حيث لعب كرة القدم هاويا خلال سنوات دراسته، ثم لعب في نادي طرابزون لكرة القدم، كما عمل مديرا لنادي بيليك دوزو سبور.

وبالإضافة لدوره الرياضي والسياسي والاقتصادي، كان له دور نشط في الحياة الاجتماعية والثقافية، وهو عضو بالعديد من المنظمات غير الحكومية في مقاطعة بيليك دوزو إحدى مدن القسم الأوروبي من إسطنبول التي يعيش فيها منذ عام 1991.

"إمام أوغلو" في ذاتيته ليس بمرشح معتاد لأنصار حزب "الشعب الجمهوري"، فالرجل جاء من أسرة محافظة تمارس شعائر الدين الإسلامي من صلاة وصيام، عكس السواد الأعظم من قيادات الحزب المعارض، ما أتاح له التواصل مع شرائح واسعة من الأتراك المحافظين أيضا.

شكل فوز إمام أوغلو مستجدا للمجتمع التركي بشكل عام، فالرجل لم يكن معروفا خارج إسطنبول من قبل، وجاء فوزه بمثابة مفاجأة لم تكن متوقعة لـ"تحالف الشعب" الذي اختار رئيس البرلمان السابق، وآخر رئيس وزراء لتركيا بن علي يلدرم بهدف حسم المعركة بسهولة، لكن جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن.

أردوغان مهنئا

في مشهد حضاري غير معهود في الدول العربية، حرص الرئيس التركي، على تهنئة مرشح المعارضة، وقال أردوغان في سلسلة تغريدات، على موقع "تويتر": "أهنئ أكرم إمام أوغلو الفائز بالانتخابات وفق النتائج غير الرسمية"، وأضاف: "الإرادة الوطنية تجلّت مرة أخرى اليوم وأتمنى أن تعود نتيجة انتخابات بلدية إسطنبول بالخير على المدينة".

وتابع أردوغان: "مثلما كنا في السابق سنمضي خلال المرحلة القادمة أيضا نحو أهدافنا المنشودة لعام 2023 (مئوية تأسيس الجمهورية) في أجواء من الوحدة والتعاضد وفي إطار مبادئ تحالف الشعب، ودون التنازل عن الديمقراطية وسيادة القانون ورخاء واستقرار البلاد".

وأردف الرئيس التركي: "سنواصل التعامل في ضوء مصالحنا الوطنية مع الاستحقاقات الداخلية والخارجية الماثلة أمام بلادنا وعلى رأسها قمة العشرين التي ستعقد نهاية الشهر وزيارتي إلى الصين وبعدها قمة أوروبا الجنوبية والبلقان".

من جانبه أكّد إمام أوغلو "أنه مستعد ويتطلع للعمل والتعاون بشكل متناسق مع الرئيس والحكومة المركزية والمحلية من أجل حل مشاكل إسطنبول".

أهمية إسطنبول

تبلغ مساحة إسطنبول الكلية 5461 كيلومترا مربعا، بينما تبلغ مساحة المدينة المركزية 1830 كيلومترا مربعا، وتنقسم إداريا إلى 39 بلدية منها 27 بلدية تشكل المدينة المركزية.

ويقطن المدينة نحو 14 مليونا و804 آلاف و116 شخصا، يشكلون 18.5% من إجمالي عدد السكان، وفق معطيات هيئة الإحصاء التركية (حكومية) عن عام 2016، وهم بمثابة خزان تصويتي هائل لمن يخوض غمار الانتخابات.

وتعد إسطنبول المركز الاقتصادي الأهم في تركيا، فهي توفر فرص عمل لـ 20% من الأيدي العاملة، وتسهم بـ 22% من الناتج القومي، ويؤخذ منها 40% من مجموع الضرائب بالدولة، وتنتج 55% من الصادرات.

ويبلغ نصيب إسطنبول من الناتج المحلي الإجمالي نحو 622 مليارا و762 مليون ليرة (175 مليار دولار) عام 2014، مما يشير إلى أن المدينة تملك ثلث الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.

وتشير معطيات هيئة الإحصاء التركية إلى أن عائدات الصادرات التركية بلغت 142.5 مليار دولار خلال العام 2018، بلغ نصيب إسطنبول منها 76.2 مليارا بما يعادل 53.4%.

وتعتبر السياحة من أهم الأنشطة الاقتصادية في إسطنبول، وتسهم بنسبة كبيرة من دخل المدينة بفضل البنية التحتية المتميزة لخدمة السياح الذين يتزايد عددهم سنويا بشكل كبير.

وتشتهر المدينة بتنوعها العرقي والديني، وشهدت هجرات كبيرة من مختلف المدن التركية إليها بهدف المعيشة والعمل، لذلك فإن أهميتها الانتخابية تتجاوز حدودها الجغرافية، حيث يؤثر المواطن الذي يعيش في إسطنبول، على أقاربه في المدن الأخرى.

رئيس البلدية

بعد تحول البلاد إلى النظام الرئاسي، اختلفت النظرة العامة إلى أعضاء البرلمان، وباتت أقل أهمية، ومن جهة أخرى فرئاسة البلدية باتت أكثر بروزا على الصعيد الشعبي كما أنها أوسع صلاحيات وأكثر استقلالا بقراراتها، ربما لهذا السبب زادت أهمية الانتخابات المحلية، ويتوقع أن تزداد أهمية في السنوات المقبلة.

وقد جاء في المادة 14 من قانون البلديات بأنه "على البلدية إقامة وتقديم الخدمات الاجتماعية والمعونة والتدريب المهني وتنمية المواهب على أن يكون ذلك بشكل يغطي الاحتياجات المحلية المشتركة".

كما يشجع على فتح مراكز لحماية النساء والأطفال في البلديات التي يتجاوز عدد سكانها 50 ألف مواطن، إضافة إلى ذلك فقد ورد في نفس المادة أنه "يجب أن تكون الخدمات بشكل يراعي ظروف المعاقين وكبار السن، وذوي الدخل المحدود".

وبعد الإصلاحات التي جاءت مع تولي حزب العدالة والتنمية سدة الحكم في عام 2002، بات التركيز أكبر على جمع الصلاحيات في يد رئيس البلدية كما في المؤسسات الأخرى.

لهذا يمكن القول بأن رئيس البلدية صار شخصية معروفة محليا، خصوصا ما نص عليه القانون رقم 6360 حول صلاحيات رئيس البلدية، إذ صار رئيس البلدية يحمل صلاحية تعيين الموظفين في كافة المؤسسات التابعة للبلدية.

كما نص القانون على أن يعرض المجلس البلدي والمجلس الاستشاري قراراته كلها على رئيس البلدية، ومما يدل على توسع صلاحيات رئيس البلدية، ترشح بعض أعضاء البرلمان من النواب في الانتخابات المحلية كما يدل هذا على عدم خلو هذه الانتخابات من التأثير السياسي.

وبعد انتهاء انتخابات البلديات، لن تخوض تركيا أي انتخابات أخرى قبل 4 سنوات، وهو ما يمثل استقرارا سيعطي مؤشرات إيجابية مهمة بالنسبة للاقتصاد وخاصة الاستثمار الأجنبي، بالإضافة إلى الحصول على فرصة أمام الشعب التركي في إنفاذ السياسات والإصلاحات المقدمة من جميع أطراف العملية الانتخابية.