صحيفة الاستقلال

 صحيفة الاستقلال

الشعب يريد

 

من مطعم هادئ وسط العاصفة.. لماذا يدعي إمام أوغلو مواجهة عراقيل في إسطنبول؟

"المعارضة لا تعني العرقلة، إنما هي من متطلبات الديمقراطية"

كشفت صحيفة "يني شفق" التركية حقيقة ادعاءات رئيس بلدية إسطنبول الكبرى أكرم إمام أوغلو أن حزب العدالة والتنمية ورئاسة الجمهورية يعرقلان جهوده لخدمة المدينة، مؤكدة أنها مقاربة مقصودة للتغطية على فشله في عدة ملفات.

وذكرت في مقال للمتحدث باسم مجموعة حزب العدالة والتنمية داخل مجلس بلدية إسطنبول، "مراد ترك يلماز" أن إمام أوغلو لا يريد إظهار الحقيقة، إنما هدفه تجاوزها وتصعيد قناعات مغايرة إلى الرأي العام.

وفي 24 يناير/كانون الثاني 2022، نشرت صحف تركية صورا التقطت لإمام أوغلو، في مطعم أسماك، في الوقت الذي كانت تضرب إسطنبول عاصفة ثلجية، أسفرت عن خسائر مادية وحوادث سيارات وانقطاع معظم الطرق، ومنعت آلاف السكان من العودة إلى منازلهم.

وأشعلت صور إمام أوغلو التي جرى تداولها على مواقع التواصل غضب الأتراك، لا سيما أنه بينما كانت إسطنبول تكافح الثلوج، لم يأت الدعم المتوقع من رئيس البلدية، بل نأى بنفسه وتوجه الى أحد المطاعم في منطقة ساريير المطلة على مضيق البوسفور لتناول السمك، وفق صحيفة "إن سون هابر" التركية.

من جهته، رد إمام أوغلو: "أصبحت استراحة الغداء التي حصلت عليها بعد 19 ساعة من العمل في الميدان موضع نقاش، لأنهم لم يتقبلوا الخسارة التي تكبدوها قبل 3 سنوات". 

غير أن الناشطين أشاروا إلى أن ما سماها إمام أوغلو "استراحة غداء" استمرت ما يقرب من 3 ساعات، وكان فيها عدد من الأشخاص، بينهم السفير البريطاني في تركيا دومينيك تشيلكوت.

إرادة إسطنبول

وأوضحت الصحيفة أن الانتخابات المحلية في عام 2019 رسمت صورة مثيرة للاهتمام فيما يتعلق بـ"الديمقراطية المحلية" وكشفت عن تجربة سياسية جديدة.

فأظهر سكان إسطنبول رغبتهم في أن تجري إدارة إسطنبول بمقاربة جماعية وتضامنية في نفس الوقت.

فانتخبوا أكرم إمام أوغلو من حزب الشعب الجمهوري كرئيس لبلدية إسطنبول الكبرى، لكنهم منحوا أغلبية المقاعد في مجلس البلدية لتحالف الجمهور المكون من حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية.

ومع أن هذا أدى إلى ما يطلق عليه في المؤلفات السياسية بحالة "البطة العرجاء" (التقدم البطيء)، إلا أنه قدم أيضا مكاسب ديمقراطية مهمة لإسطنبول، كان أهمها إجبار الأطراف المتضادة على التصالح والعمل الجماعي.     

فسكان إسطنبول لم يرغبوا أن يضعوا جانبا ربع قرن من الخبرة الإدارية لحزب العدالة والتنمية في إدارة بلدية المدينة.

غير أنه وبالنظر إلى تخلف إمام أوغلو عن حضور اجتماعات مجلس البلدية، باستثناء مرة أو مرتين في السنة، وعدم تواصله مع مجموعات الأحزاب السياسية الأخرى في المجلس، على الأقل في القرارات المهمة وعمليات صنع السياسات التي تصب في صالح إسطنبول، يدل على أن رسالة سكان إسطنبول لم تصل بعد.

وذكرت "يني شفق" أن سكان إسطنبول كلفوا تحالف الجمهور بمهمة واضحة، القيام بما هو ضروري في إطار "الحذر" مما سيطرحه رئيس بلدية إسطنبول الكبرى وإرشاد الإدارة الجديدة بخبرته ومعرفته.

وفي الواقع، فإن جميع النقاشات التي يقال بأنها "محاولات عرقلة" تتمحور هنا.

إذ يشتكي إمام أوغلو من أن الملفات التي أرسلها إلى مجلس البلدية قد تم تجميدها ورفضها من قبل المعارضة (تحالف الجمهور).

بيد أن تبني مثل هذه المقاربات يعني أن هناك توقعات من مجلس البلدية بأن يؤدي وظيفة "كاتب العدل"، ويتجاهل مهمة "المراقبة" التي أولاها سكان إسطنبول له، ما يعني إساءة استخدام الصلاحيات التي منحها 16 مليون شخص في إسطنبول.

والواقع أن مجلس بلدية إسطنبول وافق بالإجماع على القرارات التي ستكون في صالح إسطنبول التي وجب تقييمها بمعزل عن اختلاف وجهات النظر السياسية.

وبالنظر إلى الإحصائيات، سيتضح أن تحالف الجمهور صوت بالرفض على ما نسبته 2 بالمئة من مجموع الملفات الذي تم إرسالها من قبل إدارة البلدية إلى المجلس، مع أن نسبة تصويت أعضاء حزب الشعب الجمهوري بالرفض كانت 30 بالمئة عندما كان حزب العدالة والتنمية يتولى إدارة بلدية إسطنبول.

كما يجب التأكيد هنا على أن جميع طلبات الاقتراض المقدمة فيما يتعلق بمشاريع النقل، التي تشكل محور النقاشات الحالية، حظيت بالقبول بدعم من تحالف الجمهور.

وبينما يبلغ معدل تصويت تحالف الجمهور بالرفض على طلبات الاقتراض حوالي 1 بالمئة، فإن معدل تصويت حزب الشعب الجمهوري بالرفض خلال عهد حزب العدالة والتنمية للملفات من نفس النوع بلغ 91 بالمئة.

لذلك ينبغي تقييم هذه النسب بعناية فائقة. فقد صوت تحالف الجمهور بالموافقة على 10 من أصل 13 طلب اقتراض في ملف السكك الحديدية، تم إرساله إلى مجلس البلدية، فيما تستمر عمليات تقييم الملفات الثلاثة المتبقية من قبل اللجنة المختصة.

محاولات تشويه

ولفتت الصحيفة إلى نقاشات حادة أثيرت بعد نشر إمام أوغلو  عبر تويتر منشورا قال فيه أن هناك مشروعا لمترو تم الانتهاء من جميع تحضيراته وأنه ينقصه فقط "توقيع" رئيس الجمهورية، لبدء العمل عليه، في إشارة إلى أن هناك عرقلة للبلدية من قبل رئاسة الجمهورية.

وعلى هذا النحو تم إقحام رئيس الجمهورية هذه المرة في مزاعم إمام أوغلو، في محاولة لتشويه الصورة الحقيقية والتلاعب بالتصورات، والهدف من ذلك توسيع نطاق التشويه ليشمل جميع تركيا.

وأوضحت وزارة النقل سبب عدم إعطائها الإذن بالبدء في المشروع في بيان ذكرت فيه أن ملف المشروع المقدم من بلدية إسطنبول الكبرى ينقصه عدة اختبارات وشروط يجب تحقيقها مثل تقرير مسح التربة والتخطيط الجيولوجي وتقرير مسح الزلازل.

والحق أنه لو قام أكرم إمام اوغلو أثناء إعداد المشروع، بتبادل الأفكار والخبرات مع مجموعة حزب العدالة والتنمية داخل مجلس البلدية لكان من الممكن أن يحصل على نتائج ملموسة، إلا أن وصول الأمر إلى هذا الحد يشكل خسارة لسكان إسطنبول.

لكن كيف ينبغي تقييم سردية "هناك من يعرقلنا" التي تحاول بلدية إسطنبول الكبرى تشويه الحقائق من خلالها، على الرغم من الأمثلة المذكورة أعلاه والمسجلة في محاضر مجلس البلدية؟

وأوضحت الصحيفة أن هذه ليست سوى محاولة لتغطية الفراغ الهائل الذي أحدثه ضعف الإدارة وعدم الوفاء بالوعود التي قطعت من قبل رئيس البلدية قبل الانتخابات.

والجدير بالذكر أن معظم المشاريع التي وعد بها إمام أوغلو، يمكن إنجازها بشكل قانوني دون أخذ موافقة مجلس البلدية.

والجهود المبذولة لإظهار الأمر وكأن مجلس البلدية والسلطة المركزية تعرقل المشاريع التي تقترحها بلدية إسطنبول الكبرى، يمكن تلخيصها في مفهوم "ما بعد الحقيقة" (Post-truth) الذي يعني "التقليل من أهمية وثقل الحقيقة". وهي أداة إستراتيجية يستخدمها حزب الشعب الجمهوري بفعالية في السياسة الوطنية والمحلية.

وأكدت الصحيفة أن إسطنبول مدينة ذات قيمة كبيرة، ولا يمكن أن نجعلها تذهب ضحية للمناقشات السياسية. وهي تنتظر الإيفاء بالوعود التي قطعت لها والحصول على الخدمات التي تستحقها. لذلك ينبغي على كل من الحكومة والمعارضة أن تصغي إلى "الرسالة" التي أشارت إليها نتائج الانتخابات الأخيرة بإحساس المسؤولية يتجاوز اختلاف وجهات النظر السياسية.

وفي هذا، تقع المسؤولية الأكبر على عاتق إمام أوغلو، فتحالف الجمهور يأمل مشاركته في اجتماعات بلدية إسطنبول والتواصل مع المجموعات الحزبية الأخرى.

ووجب التنويه على أن المعارضة لا تعني العرقلة، وإنما هي من متطلبات الديمقراطية. وغير ذلك سنجد أنفسنا أمام "عرقلة حقيقية" لواجب المعارضة بدلا عن عرقلة السلطة. والأكيد في كل هذا، أن هذا الوضع لن يفيد أحدا، وخاصة إسطنبول.