صحيفة الاستقلال

 صحيفة الاستقلال

الشعب يريد

 

وسط خسائر اليونان داخليا وخارجيا.. لماذا تواصل واشنطن تسليحها رغم اكتفائها؟

عداء الصين لم يؤت أكله ولم تتلق واشنطن الدعم الذي توقعته من الاتحاد الأوروبي

رأى مركز دراسات تركي أن تصريح الولايات المتحدة بعدم دعم مشروع خط أنابيب "إيست ميد"​​، كان صادما بالنسبة لليونان، مع أنه معروف صعوبة تنفيذ هذا المشروع بأي شكل من الأشكال.

وفي 14 يناير/كانون الثاني 2022، قالت وزارة الخارجية الأميركية إنها لم تعد تمنح الأولوية لمشروع خط أنابيب "إيست ميد" لنقل الغاز الطبيعي إلى أوروبا، الذي وقعته قبرص الرومية واليونان وإسرائيل في العاصمة أثينا في ذات الشهر من عام 2019.

وأضافت الخارجية على لسان أحد مسؤوليها في رد على سؤال خلال مؤتمر صحفي، إنها بدأت تعطي الأولوية للمشاريع القائمة على الطاقة المتجددة والكهرباء شرق المتوسط.

صدمة يونانية

وأوضح مركز "أنقرة لدراسة السياسات والأزمات" في مقال للكاتبة غوزده كيليتش ياشين: "يستحيل إنشاء خط أنابيب بهذا الطول تحت البحر، كما أن كمية الغاز المكتشفة في تلك المنطقة لا تستحق كل هذا العناء".

كذلك من المعروف أيضا أن الولايات المتحدة أسست شركة في نيويورك لتتولى بمفردها إدارة حقول الغاز الطبيعي في المنطقة من غير الحقول التابعة لإسرائيل ومصر. 

إضافة إلى ذلك، كان تأسيس الولايات المتحدة منشأة لتعبئة الغاز المسال في مدينة أليكساندروبولي اليونانية، يشير إلى أن الغاز سينقل بالسفن وليس عبر الأنابيب. 

بالنظر إلى كل هذا، كان من الواضح أن العمل على إنشاء خط أنابيب شرق المتوسط، ​​لم يكن إلا تمهيدا للطريق أمام تطوير تحالفات عسكرية مع دول المنطقة، بحسب الكاتبة.

وأردفت: أما الصدمة التي تعاني منها اليونان جراء تحركات الولايات المتحدة، فليست جديدة.

فبعد كل شيء، عدم تقدم الولايات المتحدة بتصريح داعم لليونان ضد تركيا، قد أثار شعورا بالتعرض للخداع لدى أثينا. 

قبل ذلك، تعرضت اليونان لضغوط من الولايات المتحدة لتوقيع اتفاقيات مع مصر وإيطاليا بما يناقض توقعاتها ومقارباتها.

وتابعت: حدث الشيء نفسه عندما أُجبرت اليونان على توقيع اتفاقية مع مقدونيا. 

والواقع أن واشنطن كشفت عن نواياها وخططها بشأن البلقان على المدى البعيد، باهتمامها البالغ بتوقيع اتفاقية بين اليونان ومقدونيا. 

فقد اتضح أن الولايات المتحدة فتحت أقفال البلقان بهذه الاتفاقية، وفق تقدير الكاتبة.

وشرحت بالقول: تعتبر إدارة واشنطن هذا الاتفاق ضامنا لـ"استثماراتها" في علاقاتها مع أثينا. 

وبعبارة أخرى، تقيس الولايات المتحدة المدى الذي ستذهب إليه اليونان لتلبي توقعاتها بالتراجع عن مطالبها من مقدونيا، أي كان الأمر مجرد اختبار وقد اجتازته أثينا بنجاح.

فقد تنازلت اليونان عن مطالبها في العديد من القضايا، وابتلعت اعتراضاتها وأظهرت ولاءها للولايات المتحدة، ولم تتوقع مكافأة واشنطن لها بتحرك من شأنه أن يقلب الموازين بينها وبين تركيا. 

أثمان باهظة

وقالت ياشين: وجدت الأسلحة الأميركية طريقها إلى اليونان حتى تحولت الأخيرة إلى قاعدة عسكرية لواشنطن، وثارت التساؤلات عن سبب هذا التسلح وضد من؟

ورغم أن التقديرات تشير إلى أنها ضد روسيا، فهذا غير صحيح؛ فلا يشكل الوجود العسكري الأميركي في اليونان ولا تسلح الأخيرة المتزايد، أي تهديد على روسيا.

وأضافت: كذلك فإن الأسلحة ليست تهديدا على تركيا أيضا. وعندما ننظر إلى الدول الأخرى المجاورة لليونان، نجد أن هناك بلغاريا، العضو في حلف شمال الأطلسي "الناتو".

وأيضا كوسوفو التي تستضيف قاعدة عسكرية أميركية كبيرة على أراضيها، وألبانيا التي تخطط واشنطن لتأسيس قاعدة عسكرية فيها.

ومن الملاحظ أنه ليس هناك تهديد على اليونان، لا من جيرانها ولا من روسيا. لكن تحولها إلى مخزن كبير للأسلحة بما يفوق عدد جنودها حتى، يحتم علينا إعادة النظر في الصورة العالمية، تؤكد الكاتبة.

وتوضح قائلة: فمثلا، تصب التغيرات في السلطة لمنطقة البلقان في صالح الولايات المتحدة مع أنها ضد ما يرغب به الاتحاد الأوروبي. 

ويلاحظ أن الحكومات الجديدة في البلقان تتخذ قرارات من شأنها أن تصب في صالح الولايات المتحدة، حتى لو كانت ضد الاتحاد الأوروبي أو ضد مصالحها الوطنية.

وتابعت: وفي هذا، أجبرت دول البلقان على إبرام العديد من الاتفاقيات. وكانت الولايات المتحدة هي من رتبت لكل منها. 

وبينما أعربت دول الاتحاد الأوروبي وخاصة ألمانيا، عن عدم رضاها عن عقد بعض هذه الاتفاقيات وحاولت منعها، فقد وافقت على اتفاقيات أخرى على مضض. 

وفي مجمله لم يدعم الاتحاد الأوروبي مخطط واشنطن بشأن منطقة البلقان. 

في هذا الصدد، من الواضح أن ألمانيا والمملكة المتحدة لا تدعمان موقف الولايات المتحدة بشأن التطورات في شرق المتوسط أيضا، تقول الكاتبة.

فألمانيا غير راضية عن تحول اليونان إلى قاعدة أميركية، خاصة أن الاتحاد الأوروبي لم يف بوعده في منح مقدونيا العضوية.

من جانبها، دفعت اليونان الثمن مرة أخرى بقبول عقد اتفاقية ترسيم حدود بحرية مع مصر وإيطاليا والتي فرضتها عليها الولايات المتحدة من أجل الأزمة في شرق المتوسط. 

وحاليا، لا تزال اليونان تدفع الثمن تلو الآخر وتتراجع عن مواقفها وتتنازل عن مطالبها الوطنية، على أمل أن تبقى في فلك الولايات المتحدة.

وتنوه الكاتبة: في الواقع، من الملاحظ أن هذه الأثمان التي تدفعها في سبيل أن تصبح شريكا إستراتيجيا للولايات المتحدة، تضع اليونان في عزلة داخل الاتحاد الأوروبي. 

وبخلاف المكاسب الصغيرة التي تحققها بعض الشرائح في اليونان، ليس هناك ما يفسر سبب تسلح أثينا خاصة أنه يتسبب في عبء ثقيل على اقتصاد البلاد.

مناورة واسعة

ووفقا للكاتبة، ترى الولايات المتحدة أن هناك ركيزتين أساسيتين لتمكينها من الاحتفاظ بمكانتها العالمية: أوروبا ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ. 

لذلك فإن الولايات المتحدة بحاجة إلى التأكد من ثبوت قدمها الأوروبي لتتمكن من التحرك من أجل تعزيز نفوذها في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. 

واستدركت الكاتبة: غير أنه من الواضح أن عداء الصين لم يؤت أكله ولم تتلق واشنطن الدعم الذي توقعته من الاتحاد الأوروبي في مسألة التصدي لروسيا وتولي زمام إدارة شرق البحر المتوسط. 

لهذا السبب، بدأت الولايات المتحدة ترسي قواعدها في أوروبا بدءا من البلقان، على أمل إنهاء الجو المناهض لها والذي بدأ يسود أوروبا.

في هذا السياق، يمكن القول إن الولايات المتحدة تريد تحقيق هدفين: ترسيخ نفوذها وقوتها السابقة في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، وقطع تواصل أوروبا بقيادة ألمانيا مع روسيا.

ويجرى تحقيق الهدفين بالتركيز على التهديد الروسي دون استهداف الصين علانية، بحسب ما تراه الكاتبة. 

وأوضحت: فبالنسبة للولايات المتحدة، تعد منطقة آسيا والمحيط الهادئ التي تتمركز فيها الصين، هدفا أكثر أهمية؛ فهي ترى في الصين وصعودها تهديدا كبيرا عليها. 

خاصة وأن بكين تتوسع نحو أوروبا باستثماراتها وقروضها، في الوقت الذي لا تستطيع فيه الولايات المتحدة أن تتواجد بشكل كبير وكاف في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

وقالت معلقة: الولايات المتحدة تنفذ ما يمكن تسميته بـ"عملية" بينما تصرف انتباه أوروبا إلى التهديد الروسي. 

إذ إن الولايات المتحدة ستكون في موقف ضعيف أمام الصين ما لم تتأكد من أن الدول الأوروبية في صفها، وتدمر العلاقات بين روسيا وأوروبا وتعيد ترسيخ نفوذها في أوروبا.

وختمت ياشين بالقول: بالنظر إلى الصورة النهائية، يمكن القول إن اليونان قبلت أن تتحمل عبء الديون من أجل التسلح على افتراض أنها ستتلقى دعم الولايات المتحدة ضد تركيا. 

غير أنه من الملاحظ أن التسلح والديون لم يأتيان بالنتائج المرجوة بالنسبة لليونان، بل وفوق ذلك لا تزال تتحمل ديونا سياسية بدلا من أن تتلقى دعما في أية مسألة أو أزمة.

خلاصة القول، لم تحصل اليونان على أي مما كانت تتوقعه مقابل تنازلها عن مطالبها ومصالحها الوطنية. 

ليتبين في نهاية الأمر أن اليونان لم تكن إلا مجرد بيدق في سياسة الولايات المتحدة لتحصل على تنازلات من أوروبا وتعيد ترسيخ نفوذها في الاتحاد الأوروبي، بحسب الكاتبة.