صحيفة الاستقلال

 صحيفة الاستقلال

الشعب يريد

 

ليس دعما للنساء.. لماذا تعمد سعيّد تعيين “امرأة مجهولة” لرئاسة حكومة تونس؟

2021/10/06| | تقارير
"سعيد حاول اللعب بورقة المرأة للتغطية على الاستبداد والديكتاتورية"

تدخل تونس شهرها الثاني منذ قرارات الرئيس قيس سعيد التي وصفها معارضوه بـ"الانقلاب المدني" على الدستور والبرلمان في 25 يوليو/تموز 2021، بعد قراره تطبيق "إجراءات استثنائية" علقت عمل البرلمان وعطلت العمل بالدستور.

ومنذ إقالة حكومة هشام المشيشي، تعيش تونس حالة فراغ حكومي ساهم بالإضافة إلى عدد من القرارات التي اتخذها سعيد في توسيع دائرة معارضيه في ظل حراك شعبي رافض للمسار ومتخوف من مستقبل يحوم حوله غموض شديد. 

وفي مقطع مصور قصير نشر على الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية، ظهر سعيد مخاطبا سيدة ستينية اسمها نجلاء بودن، فهم من خلال حديثه أنها رئيسة الحكومة الجديدة المكلفة من قبله بحسب نص المرسوم 117 الصادر في 22 أيلول/سبتمبر 2021 و"المطعون في شرعيته". 

ردود الأفعال تراوحت بين مرحب بتولي امرأة لهذا المنصب لأول مرة في تاريخ تونس، وبين معتبر أن المنصب مفرغ من صلاحياته وفاقد للشرعية بحكم الانقلاب الذي قاده سعيد على الدستور ومؤسسات البلاد. 

سكرتيرة الرئيس 

منذ العام 2014، يحكم تونس نظام برلماني معدل وفقا لدستور البلاد الجديد الذي سنه المجلس الوطني التأسيسي الذي أفرزته انتخابات حرة ونزيهة هي الأولى في تاريخ البلاد بعد قرابة 6 عقود من حكم الحزب الواحد.

هذا النظام السياسي جعل من منصب رئيس الحكومة المنصب الأهم في الدولة بحكم الصلاحيات الممنوحة له في إدارة السلطة التنفيذية والعزل والتعيين، ويراقب أداؤه من قبل مجلس نواب الشعب الذي يمنحه الثقة بأغلبية أعضائه ويسحبها منه بعد تقديم لائحة في ذلك .

النظام البرلماني لم يرق كثيرا لـ"سعيد" الذي يبشر منذ سنوات بنظام سياسي مختلف يتمحور حول رئيس الجمهورية وتجتمع جل الصلاحيات تحت يديه.

وفي 22 سبتمبر/أيلول 2021، قرر سعيد تعطيل العمل بالدستور والإعلان عن تنظيم مؤقت للسلط منح فيه نفسه صلاحيات واسعة بالإضافة إلى صلاحية التشريع عبر مراسيم في ظل تواصل تعليق عمل البرلمان. 

وبحسب هذا المرسوم الذي يصفه طيف واسع من السياسيين في تونس بـ"الانقلابي"، فإن رئيس الجمهورية يمارس السلطة التنفيذية بمساعدة حكومة يرأسها رئيس حكومة، كما أنه يتولى تمثيل الدولة ويضبط سياستها العامة واختياراتها الأساسية، ويرأس مجلس الوزراء.

وعلى خلاف دستور 2014، فإن رئيس الدولة يملك الحق الحصري في إحداث وتعديل وحذف الوزارات وكتابات الدولة وضبط اختصاصاتها وصلاحياتها، وإقالة عضو أو أكثر من أعضاء الحكومة أو البت في استقالته، بالإضافة إلى التعيين والإعفاء في جميع الوظائف العليا.

وتتكون الحكومة من رئيس ووزراء وكتاب دولة يعينهم رئيس الجمهورية أيضا، وتسهر على تنفيذ السياسة العامة للدولة طبق التوجيهات والاختيارات التي يضبطها رئيس الجمهورية، وهي  مسؤولة عن تصرفها أمام رئيس الجمهورية.

شخصية مجهولة

عملت آلة البروباغندا الإعلامية المقربة من رئاسة الجمهورية على الاحتفاء بنبأ تكليف سيدة على رأس الحكومة الجديدة، باعتبارها سابقة في تاريخ تونس والعالم العربي عموما وفي محاولة تشبيه بالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.

وقال سعيد في لقائه مع رئيسة الحكومة المكلفة "لأول مرة في تاريخ تونس امرأة تتولى الرئاسة حتى نهاية التدابير الاستثنائية، وسنعمل معا على القضاء على الفساد والفوضى التي عمت الدولة"، مضيفا "هذا شرف لتونس وتكريم للمرأة وهذه مسؤولية تاريخية والمرأة قادرة على القيادة…مثل الرجل".

واعتبرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية في تقرير لها نشر 29 سبتمبر/أيلول 2021، أن "الإعلان قد يمنحه فرصة لالتقاط الأنفاس مع كل من المجتمع الدولي، الذي ضغط عليه لمتابعة تعهده بإعادة رئيس الوزراء إلى منصبه في غضون 30 يوما من توليه السلطة، ومع التونسيين الذين دعموا قرارته لكنه لم يقدم لهم أي خطة لتجاوز الأزمة".

وأضافت الصحيفة أن "تعيينها قد يقطع شوطا نحو استرضاء النسويات التونسيات والعلمانيين الذين اتهموا سعيد بالتقصير في المساواة بين الجنسين، نظرا لمعارضته لتغيير قانون الميراث التونسي للسماح بالمساواة في الميراث بين الرجال والنساء".

رغم ما رافقها من جدل بين الاحتفاء أو التشكيك في شرعيتها باعتبارها ستكون أول رئيسة للحكومة بعد العام 2011 لا تحظى بثقة البرلمان ولا بشرعية دستورية كما أنه ستسير حكومة خارج الأطر القانونية، إلا أن ما يجمع عليه التونسيون هو جهلهم بشخصها.

من السهل جدا القول أن الغالبية العظمى من التونسيين لا يعرفون اسم أو شكل رئيسة حكومة بلادهم الجديدة التي تصدر اسمها قائمة الأعلى بحثا على محرك البحث جوجل الذي لن يمنحك هو أيضا الشيء الكثير عن سيرتها الذاتية.

نجلاء بودن، من مواليد 1958، وهي أستاذة تعليم عال في المدرسة الوطنية للمهندسين مختصة في علوم الجيولوجيا، وكانت تشرف على خطة لتنفيذ برامج البنك الدولي بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، قبل تكليفها بمهمتها الجديدة.

إلى ذلك، عينت بودن أيضا مديرة عامة مكلفة بالجودة بوزارة التعليم العالي عام 2011، وشغلت منصب رئيسة وحدة تصرف بالوزارة ذاتها، وكلفت بمهمة بديوان وزير التعليم العالي السابق شهاب بودن في 2015.

وبحسب تحقيق استقصائي نشره موقع "درج" فإن بودن حين شغلت منصب رئاسة "وحدة تصرف" لإنجاز مشروع إصلاح التعليم العالي بهدف دعم تشغيلية خريجي التعليم العالي بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، والتي كلفت بهذا المنصب بدءا من 20 أيلول/سبتمبر 2016، تلاحقها شبهات سوء تصرف في الميزانية المرصودة لهذه المهمة والمقدمة كمنحة من البنك الدولي.

شرعية مفقودة 

لا تزال المواقف الدولية الضاغطة على سعيد منذ 25 يوليو/تموز 2021 تطالبه بالعودة إلى الديمقراطية البرلمانية، كان آخرها الموقف الألماني الذي عبرت عنه ميركل في اتصال هاتفي مع سعيد يوم 29 سبتمبر/أيلول 2021.

وأشادت المستشارة الألمانية بالإنجازات الديمقراطية التي حققتها تونس في الماضي، كما أنها شددت على أهمية المكتسبات الديمقراطية لاستقرار وازدهار البلاد،  مؤكدة على ضرورة العودة إلى الديمقراطية البرلمانية في حوار مع جميع الفاعلين السياسيين.

هذا الموقف يأتي شبيها لموقف سابق صادر عن سفراء مجموعة الدول السبعة الكبرى وموقف الولايات المتحدة الذي تكرر في أكثر من مناسبة كان أهمها رسالة الرئيس جو بايدن إلى نظيره التونسي.

بالإضافة إلى الضغط الخارجي تشهد الساحة السياسية التونسية توسع دائرة معارضي "انقلاب" الرئيس، بعد حراك شعبي لافت شهدته شوارع العاصمة تونس في مناسبتين، يومي 18 و26 سبتمبر/أيلول 2021، كما تصاعدت مواقف الأحزاب المعارضة لقرارات سعيد لتشمل حتى الأحزاب التي سبقت وساندته مثل التيار الديمقراطي .

من جهته، يرى الناشط السياسي الأمين البوعزيزي أن "لجوء سعيد لتعيين امرأة على رأس الحكومة، هو محاولة للتغطية على العزلة التي يعيشها في الداخل والخارج".

وأضاف في حديث مع "الاستقلال" أن "سعيد حاول لعب ورقة المرأة للتغطية على الاستبداد والديكتاتورية مثلما حصل في عهود سابقة حاولت التباهي بتحقيق منجزات في حقوق النساء وضمان المساواة بينهن وبين الرجال" .

وأضاف البوعزيزي أن "في حقيقة الأمر أن ما قام به سعيد هو إهانة كبيرة للمرأة لأن المرسوم 117 يقر بأن الحكومة يعينها الرئيس وهي تدير برنامجه، رئيسة الحكومة مجرد موظفة لدى رئيس الجمهورية وسبق وأن صرح سعيد في لقاء مع أساتذة القانون الدستوري بأن لا حاجة لوزراء في حكومته ويكفي وجود كتاب دولة فقط".

وتابع: "كما أن سعيد في مخاطبته لرئيسة الحكومة طمأنها بأن الحكومة التي سترأسها ستكون منسجمة معها، وهو ما يوحي بأن الحكومة مكونة سلفا". 

وأكد الناشط السياسي في أن "ما بني على باطل فهو باطل، فالانقلاب وما ينتج عنه خارج عن أي شرعية دستورية أو شعبية، كما أن الحراك المواطني الذي شهدته البلاد أدى إلى استفاقة للمشهد السياسي ونقله من بيانات مطلبية إلى مواقف مبدئية تدعو إلى إسقاط الانقلاب واستعادة المسار الديمقراطي".

وختم البوعزيزي  حديثه بالقول: "لا أتوقع أن يكون هناك تفاعل إيجابي مع الحكومة الجديدة خاصة بعد الاستفاقة لأعضاء البرلمان وتحركهم لإعادة مؤسستهم للعمل، ومع كل ذلك يبقى هنالك سؤال هل سترى هذه الحكومة النور بالفعل؟ أنا من جهتي لا أتوقع ذلك".