صحيفة الاستقلال

 صحيفة الاستقلال

الشعب يريد

 

وائل الإبراشي.. مذيع مصري حرض على القتل وسلم ضيوف برنامجه للأمن

2021/10/09| | شخصيات
استخدم الإبراشي أدواته الإعلامية كأداة لربط السياسة بالفضائح، وفتح عيون الجماهير على نقاط منتقاة بعناية

منذ الانقلاب العسكري في 3 يوليو/ تموز 2013، دأب أغلب الإعلاميين داخل مصر على اتباع اتجاه وصوت أوحد، موال لمنظومة حكم رئيس النظام عبدالفتاح السيسي، وكان وائل الإبراشي بلا منازع أحد أهم الأصوات التابعة بالكامل لأجهزة الأمن والمخابرات. 

الإبراشي لم يكتف بذلك، بل تميز عن بقية أقرانه الإعلاميين، إذ طور أداءه من الدعم المطلق للسلطة، إلى تسليم المعارضين على الهواء أو من داخل الأستوديو الخاص ببرنامجه قبل انطلاق الحلقات، في سلسلة سوابق فريدة، وعلى إثرها أصبح برنامجه بؤرة أمنية تبتلع المعارضين من كل حدب وصوب. 

وقد انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي هاشتاغات وتدوينات منددة وشامتة بالإبراشي خلال مرحلة مرضه الصعبة بفيروس كورونا، المستمرة منذ عدة أشهر، وذكروا بمساوئه وأشهر مواقفه التي رسمت مسيرة طويلة عريضة اتسمت بالتحريض على القتل، والسير في ركاب الأمن. 

بداية الطريق

وائل حسن محمود الإبراشي، ولد في 26 أكتوبر/ تشرين الأول 1963، بمدينة شربين في محافظة الدقهلية شمالي مصر، بدأ مسيرته العملية بمجلة روز اليوسف، التي تعد واحدة من أعرق المؤسسات الصحفية المصرية، وعرفت بنهجها المناهض للتوجهات الدينية عموما.

انطلق منها الإبراشي ليترأس تحرير جريدة صوت الأمة الأسبوعية، ثم قدم برنامج الحقيقة الأسبوعي الذي بث خلال مطلع الألفينيات على شبكة قنوات دريم يوم السبت من كل أسبوع، وحرص خلاله أن يكون برنامجا تحقيقيا يتناول قضايا مختلفة سياسية واجتماعية، على أن يكون طابعها الأساسي هو الإثارة دائما. 

لذلك اتهم في أكثر من 66 قضية خلال تلك الحقبة، أبرزها التحريض على عدم تنفيذ قانون الضرائب العقارية ونال فيها البراءة بعد أيام من ثورة 25 يناير/ كانون الثاني 2011.

وقد سجل باسمه أكثر من سبق صحفي، مثل قضية لوسي أرتين (سيدة أعمال مصرية أطاحت بوزير الدفاع والإنتاج الحربي الأسبق المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة)، إضافة إلى قضايا غرق عبارة السلام، ومقتل المجند سليمان خاطر، ومذبحة بني مزار بمحافظة المنيا.

وفتح ملفات عدة أبرزها سر عداء رئيس النظام السابق حسني مبارك لبطل حرب أكتوبر الفريق سعد الدين الشاذلي، ومعاناة مرضى الأيدز في مصر، وسلسلة الهاربين في لندن، وتحقيقات اللاجئين في الجولان، إضافة إلى حلقات عن تفجير كنيسة القديسين، والتعذيب في السجون، ومبادلة الجاسوس الإسرائيلي إيلان جبرائيل بـ25 أسيرا مصريا.

استخدم الإبراشي أدواته الإعلامية كأداة لربط السياسة بالفضائح، وفتح عيون الجماهير على نقاط منتقاة بعناية، لتوجيهها إلى جادة ما يريده النظام.

وحرص على الجمع بين مهاجمة السلطة والمعارضة في آن واحد، ليظهر أحيانا بمظهر المضطهد، وبمظهر صاحب السلطان.

 وبقدر ما كان شرسا ضد خصوم الرئيس، عندما كانت الظروف تطلب ذلك، بقدر ما كان الغموض يلف كثيرا من تفاصيل حياته، وطريقة حصوله على المعلومات والتسجيلات التي يضرب بها المغضوب عليهم من النظام، وهو ما كشفته الأيام لاحقا. 

تشويه "أبو غزالة" 

العلاقة بين الإبراشي والنظام ليست مجرد قصة إعلامي امتهن الصحافة في العصر الأسوأ للحريات، واتبع إرادة الحاكم، لكنها حياة مليئة بالتناقضات والصراعات المستحقة للتوقف أمامها، كما هو الحال مع قضية "لوسي آرتين" وتشويه سمعة وزير الدفاع المصري الأسبق المشير "محمد عبد الحليم أبو غزالة".

إذ استخدم نظام مبارك، وائل الإبراشي كرأس حربة، ودانة مدفع لسحق المشير، صاحب الشعبية الجارفة بين أفراد الشعب والقوات المسلحة. 

تفاصيل الأزمة بدأت في 16 أبريل/ نيسان 1989، مع استدعاء وزير الدفاع المصري (آنذاك) المشير أبو غزالة لمقابلة مبارك بالزي المدني، فأثار ذلك دهشته، ولم تدم الدهشة طويلا مع صدور قرار الإقالة، الذي صدم الشعب المصري، وعناصر الجيش. 

الرواية الأكثر تأكيدا لعزل أبو غزالة هي إرضاء الولايات المتحدة، وخوف مبارك من شعبية الرجل المتزايدة، لا سيما بعد محاولته تصنيع سلاح الردع العربي، وهو برنامج سري لصناعة الصواريخ الباليستية بالتعاون مع الأرجنتين وبدعم عراقي لمشروع برنامج صاروخ بدر 2000 (كوندور 2).

 لكن المخابرات الأميركية اكتشفت تهريب أجزاء الكربون الأسود الذى يساعد على الدفع ويستخدم في صناعة الصواريخ من أميركا خلافا لقوانين حظر التصدير، وحاول الحصول على برامج تكنولوجيا الصواريخ الأميركية بطريقة اعتبرت غير شرعية.

وبعد 6 أشهر من إقالة أبو غزالة، أعلن مسؤولون أميركيون أن مصر أنهت تعاونها مع العراق والأرجنتين في مجال تكنولوجيا الصواريخ.

ومع ذلك ظلت قصة أبو غزالة مؤرقة لمبارك وأركان حكمه، لأنها خلفت استياء جماهيريا وعسكريا كبيرا.

هنا جاء دور وائل الإبراشي، الذي كان يشغل حينئذ منصب رئيس تحرير صحيفة "صوت الأمة"، عندما استخدمه نظام مبارك كأداة أساسية في تفجير ما عرف بفضيحة "لوسي آرتين"، وهي سيدة أعمال مصرية تنتمي للطائفة الأرمنية في مصر، وابنة شقيقة الممثلة لبلبة وقريبة الممثلة الاستعراضية نيللي.

سكين النظام

وقد كشف الإبراشي في فبراير/ شباط 1993، اتصالاتها مع كبار المسؤولين المصريين وفي مقدمتهم المشير أبو غزالة وقيادات رفيعة المستوى في وزارة الداخلية ومحافظ سابق للتأثير على حكم قضائي في نزاع عائلي بينها وبين طليقها.

في ذلك الحين نشر الإبراشي في صحيفة "صوت الأمة، ومجلة "روز اليوسف" مكالمات هاتفية سجلتها جهة رقابية ادعت أنها "مخلة" بين هؤلاء المسؤولين وبين لوسي.

وجرى النشر وقتها باعتبارها كما قال الإبراشي في تصريحات صحفية له فيما بعد، نموذجا لعلاقات بعض رجال السلطة بسيدة لديها مشكلات مع طليقها أحبت اختراق القضاء والمؤسسات السياسية والشرطة، فلجأت إلى كل هذا الكم من المسؤولين.

وبلغ بالإبراشي أن قال خلال تحقيقاته أمام أمن الدولة في القضية، إنه "حذف التعبيرات الجنسية التي تضمنتها بعض مكالمات لوسي ارتين لفجاجتها". 

ورغم أن النيابة برأت أبو غزالة، ونفت أن يكون قد تورط في المكالمات، لكنه اعتزل كل عمل سياسي وعسكري، وآثر الانزواء في بيته حتى وفاته في 6 سبتمبر/ أيلول 2008. 

وفي 23 يوليو/ تموز 2013، كشف الإبراشي في أحد البرامج التلفزيونية، أن أبو غزالة اتصل به وقال: "أنت دمرت حياتي، واستخدمت القضية لذبحي". 

بعد تلك القضية تبين مدى ارتباط الإبراشي بأجهزة الأمن لكي يصل إلى قيادة قضية فاضحة مثل "لوسي آرتين" التي فجرها، والتي أطاحت برجل بحجم المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة، أحد أبرز العسكريين المصريين في التاريخ المعاصر. 

انتهى أبو غزالة، ومضى الإبراشي غير آبه في ركاب السلطة، غلبته غريزة الخوف من الأفول، وسكنه جموح الشهرة.

تسليم المعارضين

في 23 نوفمبر/ تشرين الثاني 2014، ماجت الساحة السياسية المصرية بالغضب، إثر حلقة "الكمين"، التي قدمها الإعلامي وائل الإبراشي على قناة "دريم" الفضائية المصرية، في برنامجه "العاشرة مساء".

استضاف خلالها أستاذ الدعوة بجامعة الأزهر محمود شعبان، للرد على حملة الانتقادات التي تعرض لها الأخير، بسبب مقاطع فيديو لخطبة جمعة ألقاها وقال فيها: "إن فوائد قناة السويس الجديدة التي أعلنت عن توزيعها الحكومة المصرية أخيرا ربا". 

الشيخ حرم حينها وهاجم إراقة دماء المصريين بالميادين والسجون، من قبل عناصر الجيش والشرطة، الأمر الذي لم يرق لرجال السلطة الحاكمة وأذرعها الإعلامية والسياسية.

خلال الحلقة الأكثر جدلا، هاجم الإبراشي ضيفه بشدة وبصورة هيستيرية، وخرج عن آداب المهنة، بألفاظه المسيئة واتهاماته الجزافية للشيخ محمود شعبان، الأمر الذي دعا الأخير للقول: "أنا خصيمك أمام الله يوم القيامة". 

النقطة الأخطر  أن الإبراشي طلب من شعبان، مد الحلقة بعد موعدها لمدة ثلث ساعة إضافية، وجاء ذلك لتمكين رجال الأمن من الوصول إلى الأستوديو داخل مدينة الإنتاج الإعلامي بالقاهرة، لاعتقاله، الأمر الذي تم بالفعل وسمعت أصوات اعتقاله على الهواء.

وجرى التأكيد بأن قوات تابعة لمديرية أمن الجيزة وصلت قبل انسحاب محمود شعبان على الهواء من أستوديو برنامج "العاشرة مساء" بـ 15 دقيقة.

وأشارت تقارير محلية إلى أنه فور خروجه من الباب، ألقت قوات الأمن القبض عليه، ليتصدر بعدها هاشتاغ "المخبر وائل الإبراشي" مواقع التواصل الاجتماعي، في قضية وأزمة غريبة.

إذ كانت قوات الأمن قادرة على اعتقال الرجل من بيته، لكنها تواطأت مع الإبراشي لعمل كمين على الهواء، أوقع فيه الشيخ الذي يقضي حاليا عقوبة السجن، التي تقارب 7 سنوات. 

سوابق متعددة 

كانت واقعة القبض على محمود شعبان سابقة، تبعتها سوابق أخرى مماثلة للإبراشي، أشهرها ما حدث مساء 20 فبراير/ شباط 2016، عندما أعلن عن استضافة 7 من أمناء الشرطة المعترضين على سياسات وزارة الداخلية في التعيينات والقرارات، على رأسهم الأمين منصور أبو جبل، المسؤول عن اعتصام أمناء الشرقية.

المثير أن الأمناء اعتقلوا من على بوابة أستوديوهات دريم، أثناء توجههم للظهور في البرنامج.

وقتها، شن شقيق أحد أمناء الشرطة المقبوض عليهم ويدعى محمود مختار، هجوما على الإبراشي بعد القبض على شقيقه.

وقال خلال اتصال هاتفي ببرنامج "العاشرة مساء"، على فضائية "دريم": "بعتذر لك في اللفظ وبتأسف لكن ضميري بيقولي أقول إن برنامجك تحت قيادتك وفريق إعدادك بيعتبر محطة تسليم لأي معارض لأي حد يجيب سيرة الداخلية في مصر".

وأضاف: "أي حد بيترتبله لقاء معاك بيتم القبض عليه من البوابة زي ما حصل مع أخواتي النهار ده".

الإبراشي الذي غدا مخضرما وصاحب تاريخ إعلامي ثقيل، لم يكتف بتبعيته للسلطة وتسليم المعارضين، فكان ضمن كتيبة الإعلاميين المحرضين على الفض الدموي لاعتصامات رابعة العدوية والنهضة، في 14 أغسطس/ آب 2013، حيث أريقت دماء مئات المصريين في ساعات معدودة. 

وبعدها بعام في الذكرى السنوية لما جرى، قال الإبراشي، إن "يوم فض اعتصام أنصار الرئيس الأسبق محمد مرسي بميدان رابعة، هو يوم استعادة الدولة هيبتها".

وطالب السيسي وقتها بجعل يوم فض اعتصام رابعة، يوما احتفاليا، على حد قوله، وجرت تسمية وائل الإبراشي ضمن الأذرع الإعلامية المحرضة على إراقة الدماء في تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش الصادر عن المذبحة المروعة في رابعة عام 2013. 

ويمر الإبراشي الآن بأزمة إصابته بفيروس كورونا الممتدة على مدار أشهر منذ مطلع عام 2021، وخلفت آثارا سلبية على صحته ووصلت إلى شائعات الوفاة، وهو ما جعله على طاولة التقييم والجدل في الأوساط المصرية، ما بين شامت ومتذكر لمسيرته الجدلية.