على خطى العراق.. ما معوقات إقرار الجزائر قانونا يجرم التطبيع مع إسرائيل؟

إسماعيل يوسف | منذ ٤ أعوام

12

طباعة

مشاركة

في تطور مهم يعيد إحياء المقاطعة العربية، تحاول الجزائر أن تحذو حذو مجلس النواب العراقي في تجريم التطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي.

وكان البرلمان العراقي صوت بالإجماع في 26 مايو/أيار 2022 على مقترح "قانون تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني"، وأقر عقوبات قاسية ضد المطبعين تراوحت بين الإعدام والسجن المؤبد والمؤقت.

وأيضا سبق لبرلمان تونس، قبل أن يجمده ثم يحله الرئيس التونسي قيس سعيد، مناقشة قانون لتجريم التطبيع في مايو 2021 لكن إقراره توقف لإنهاء عمل البرلمان.

كما وافق مجلس الأمة بالكويت نهاية مايو 2021 بشكل مبدئي على تغليظ عقوبات التطبيع مع إسرائيل، وطالب نواب أخيرا بإقرار قانون مشابه لما جرى بالعراق.

وأحدث ما جرى من محاولات، كانت من قبل الجزائر في 7 مايو 2022، تزامنا مع الذكرى الـ 74 للنكبة الفلسطينية.

وفي التاريخ المذكور، قدم نواب إسلاميون جزائريون مشروع قانون لتجريم التطبيع مع إسرائيل إلى رئاسة البرلمان، يتضمن بنودا تمنع السفر أو أي اتصال مباشر أو غير مباشر مع تل أبيب.

وقال النائبان عن حركة مجتمع السلم "حمس" يوسف عجيسة، وصادوق أحمد، إنه جرى إيداع "مشروع قانون تجريم التطبيع مع إسرائيل لدى رئاسة البرلمان".

وجاء ذلك نيابة عن مجموعة نواب حزبهما (عددهم 65 من بين 462)، والذي يحوز ثاني أكبر أغلبية برلمانية، بعد حزب السلطة (جبهة التحرير الوطني) الذي فاز بـ 105 مقاعد في انتخابات 12 يونيو/حزيران 2021.

ويرى مراقبون أن تجريم دول عربية وتشكيلها ضمنا ما يمكن تسميته "محور ممانعة التطبيع" في مواجهة "دول اتفاقيات أبراهام"، الأربع الأخيرة (الإمارات، البحرين، السودان، المغرب) قد يعرقل سعي واشنطن وتل أببيب لإحياء ذلك التقارب.

تفاصيل القانون 

يؤكد المشروع الذي قدمه نواب إسلاميون جزائريون، وتضمن سبع مواد، في مادته الأولى منه على أنه "يهدف إلى تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني (إسرائيل)".

بينما جاء في المادة الثانية أنه: "يمنع الاتصال أو إقامة أي علاقات أو فتح مكاتب تمثيل من أي نوع وعلى أي مستوى مع الكيان الصهيوني بطرق مباشرة أو غير مباشرة".

وجرم القانون "كل فعل من شأنه أن يتضمن فعل التطبيع"، و"منع التعامل وإقامة أي اتصالات أو علاقات أو فتح مكاتب تمثيل من أي نوع وعلى أي مستوى كان مع الكيان الصهيوني بطرق مباشرة أو غير مباشرة".

ونص على ضرورة "منع السفر من وإلى الكيان الصهيوني وإقامة أي اتصالات ولقاءات مع الهيئات والأشخاص، كما يمنع دخول حاملي جنسيته إلى الجزائر أو إلى مقرات وفروع البعثات الدبلوماسية التابعة لها".

ومنع كل شخص أن يعقد "اتفاقا مع هيئات أو أشخاص مقيمين بالأراضي المحتلة أو منتمين إليها بجنسياتهم أو يعملون لحسابها أو مصلحتها مهما كان موضوع الاتفاقات، صفقات تجارية أو تعاملات مالية أو أي تعامل آخر مهما كانت طبيعته".

كما "منع المشاركة في أي نشاط يقام بالكيان الصهيوني أو يساهم فيه أو يحضره أشخاص معنويون أو طبيعيون، سواء كان هذا النشاط سياسيا أو أكاديميا أو اقتصاديا أو ثقافيا أو فنيا أو رياضيا أو غيره، سواء نظمته هيئات رسمية أو غير رسمية".

و"منع مشاركة أي نشاط يقام في الجزائر، أو يساهم أو يشارك فيه أشخاص طبيعيون أو معنويون يحملون جنسية الكيان الصهيوني أو يقيمون به، سواء كان النشاط سياسيا أو أكاديميا أو اقتصاديا أو ثقافيا أو سياحيا أو غيره".

وتضمن "منع مستخدمي الشبكة العنكبوتية أو وسائط الاتصال الإلكتروني من الاتصال والتعاقد مع المواقع والخدمات الإلكترونية التي منشؤها في الكيان الصهيوني أو التابعة لهيئات أو للشركات المتواطئة والداعمة للاحتلال" وحجبها.

وبينما أقر القانون العراقي عقوبات صارمة تتراوح بين الإعدام والمؤبد، ضد المطبعين، اقترح نظيره الجزائري عقوبات مخففة تتراوح بين السجن 5 إلى 15 سنة وغرامة مالية لكل من يسهم أو يشارك في التطبيع.

وينص القانون الداخلي على تحويل أي قوانين إلى رئاسة مجلس النواب (مكتب الرئيس ونوابه)، قبل تحويله إلى الحكومة لدراسته وإعادته مرة أخرى إلى البرلمان للمناقشة والتصويت.

وفي حال موافقة رئاسة البرلمان، عليه سيحال إلى لجنة الشؤون القانونية والحريات والتي ستناقشه قبل أن تحيله إلى الجلسة العامة لمجلس النواب. 

ويشترط أن يحظى المشروع بتصويت الأغلبية البسيطة (50+1) من أعضاء المجلس الشعبي الوطني (الغرفة الأولى للبرلمان) ثم يحال على الغرفة الثانية (مجلس الأمة) للتصويت بنفس الطريقة قبل أن يصبح ساري المفعول.

أسباب طرحه

برغم أن الجزائر حسمت أمرها رسميا وشعبيا منذ سنوات بنصرة القضية الفلسطينية ورفض أي تطبيع مع إسرائيل، يؤكد مقدمو مشروع القانون أن الهدف هو أن يقطع الطريق أمام أي تطور من هذا النوع.

يرون أن التطورات الحاصلة في فلسطين أحيت هذا المبدأ وأيقظت خطر تهديد تغلغل إسرائيل في الدول التي لا تزال تحافظ على موقفها من حيث المبدأ والتطبيق.

شرح هذا النائب يوسف عجيسة، مؤكدا لموقع "ألترا جزائر" في 19 مايو 2022 أن "هذه المبادرة تستهدف غلق كل المنافذ الممكنة مستقبلا للتطبيع مع الكيان الصهيوني".

أوضح أن هناك بعض الدول كانت في غضون السنوات الماضية بعيدة تماما عن التطبيع، "لكن الكيان الصهيوني لا يزال مواصلا في هذا المشوار مع الدول ووجد سريعا سبل التغلغل في وسطها".

وقال "عجيسة": "حتى المغرب كان دولة داعمة للقضية الفلسطينية، لكنه أصبح سادس دولة عربية تطبع علاقاتها مع إسرائيل، ولو كان هناك قانون يمنع هذا لما وقعت الخطيئة السياسية والعقائدية".

وانجرفت دول عربية كانت حتى وقت قريب تعد داعمة قوية لحقوق الشعب الفلسطيني في هذا المستنقع، على غرار ما حدث مع المغرب التي أنشأت "لجنة القدس" عام 1975 وكانت رئيسة لها.

وسبق تقديم الحركة الإسلامية هذا الطلب الأخير في قانون رسمي، مطالبة نائبها يوسف عجيسة في البرلمان قبل عامين، بإصدار قانون لتجريم التطبيع في 25 ديسمبر/كانون الأول 2020.

ولاحقا في 7 يناير/كانون الثاني 2021 أودع عدد من نواب الحركة "مشروع قانون تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني" لدى المجلس الشعبي الوطني (البرلمان)، لكن جرى حل البرلمان وإجراء انتخابات يونيو/حزيران 2021 لذا أعيد تقديم القانون.

وفي 9 مارس/آذار 2022 كتب عبد الرزاق مقري رئيس حركة "حمس" التي قدمت مشروع القانون، عبر حسابه على فيسبوك أنه "لا للتـطبيع بكل أشكاله ومن أي كان".

وسبق أن أصدرت الحركة بيانات غاضبة تنتقد تطبيع البحرين والإمارات والمغرب والسودان مع إسرائيل، وأكدت "الإدانة الشديدة والرفض المطلق لأي محاولة تهدف إلى شرعنة الاحتلال الصهيوني للأرض والمقدسات وجرائمه".

وعدت ذلك "خيانة كبرى للقضية الفلسطينية والأمة العربية والإسلامية جمعاء وموروثها الحضاري الطويل والعميق في فلسطين".

وحذرت الدول العربية والإسلامية من "الرضوخ للضغوطات المتعددة والقبول بالمسار التطبيعي الخطير الذي يحلم به الكيان الصهيوني لما يشكله من خطر على مستقبل المنطقة سياسيا واقتصاديا واستدامة تفكيك نسيجها الاجتماعي".

عراقيل تواجهه

رغم أن الجزائر تعد في طليعة الدول العربية الرافضة شعبيا ورسميا لإقامة أي علاقات مع إسرائيل، والعديد من القوى السياسية تؤيد تجريم التطبيع، إلا أن هناك مخاوف من عدة أمور قد تعرقل أو تؤخر تمرير مثل هذا القانون.

أحد أبرز المعوقات السياسية المحتملة هي تداخل الاختصاصات بين صلاحيات دستورية تخص رئيس الجمهورية، الذي يعد صاحب الحق في كل ما يتعلق بملفات السياسات الخارجية، وقرار البرلمان.

ولا تعترض السلطة السياسية في الجزائر في الغالب على هذه المبادرات السياسية والشعبية لكونها تغذي الموقف الرسمي ضد التطبيع وتعززه وتعطيه مشروعية.

وسبق للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أن صرح بالقول: "لن نهرول نحو التطبيع ولن نباركه، فهو أمر مفصول فيه ولا يحتاج إلى دعم".

لكن كمال بن خلوف رئيس الكتلة البرلمانية لحركة البناء الوطني (حزب محسوب على جماعة الإخوان المسلمين بقيادة عبد القادر بن قرينة)، ذكر أن "وضع نص قانوني لتجريم فعل التطبيع مع إسرائيل "يدخل في إطار السياسة الخارجية".

أوضح في تصريحات صحفية أن هذا من صلاحيات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون الذي ينص الدستور على أنه المسؤول عن السياسة الخارجية، ما يعني أنه قد يتجاوز البرلمان أصلا.

وهناك معوق نيابي آخر يتمثل في أن أغلبية أعضاء "أحزاب الموالاة" شبه الحكومية في البرلمان الجزائري لا يدعمون هذه القوانين إلا بموافقة من السلطة.

وخلال طرح مشروع القانون الحالي والسابق عام 2021 كان ملفتا رفض قوى وأحزاب سياسية مشاركة "حمس" في تقديمه لأسباب تتعلق بالمناكفة السياسية وأخرى بالتزامها السياسي مع الحكومة.

وكشف نائب رئيس البرلمان الجزائري يوسف عجيسة أنه حاول ضم مجموعات أخرى للمساهمة في إثراء المبادرة "لكنها لم تلق تجاوبا، لذلك بادرت إلى تقديم مشروع القانون باسم الكتلة البرلمانية لحركة مجتمع السلم".

ويشير الكاتب حسان زهار في مقال على موقع "الإخبارية" الجزائري 29 مايو أن هناك عائقا خارجيا آخر يتمثل في التوازنات الدولية.

وتحدث عن ردة فعل الولايات المتحدة بعد إقرار البرلمان العراقي قانون تجريم التطبيع مع دولة الكيان، حيث سارعت الخارجية الأميركية إلى عد إقرار القانون في العراق "يعزز البيئة المعادية للسامية".