تنظيم سري وتمويل خارجي.. تعيينات قيس سعيد تكشف أسرار وصوله للرئاسة

في معظم التحركات المساندة لـ"القرارات الاستثنائية" الانقلابية الصادرة عن الرئيس التونسي قيس سعيد في 25 يوليو/تموز، يطالب أنصاره مرارا وتكرارا بتفعيل الفصل 163 من القانون الانتخابي.
ينص هذا الفصل على أنه إذا ثبت لمحكمة المحاسبات أن المترشح أو القائمة قد تحصلت على تمويل أجنبي لحملتها الانتخابية فإنها تحكم بإلزامها دفع خطية مالية تتراوح بين 10 أضعاف و50 ضعفا لمقدار قيمة ذلك التمويل.
وبحسب ذلك الفصل، يفقد أعضاء القائمة المتمتعة بالتمويل الأجنبي عضويتهم في البرلمان، ويعاقب المترشح لرئاسة الجمهورية المتمتع بالتمويل الأجنبي بالسجن لمدة خمس سنوات.
هذا الفصل يأتي متماهيا مع رغبة الرئيس سعيد في سحب أي شرعية انتخابية من بقية مكونات المشهد السياسي، كما يعتقد الداعون إلى تفعيله بأنه سيطيح بالأحزاب الكبيرة الفائزة في الانتخابات القادمة.
لكن رغم كل هذه المطالبات يبقى سعيد رافضا لفكرة حل البرلمان الذي يبقيه في حكم المعلق، بعد أن سلبه كل اختصاصاته واستأثر بها في يوليو/تموز 2021، وأعفى حكومة هشام المشيشي من مهامها.
حملة المقاهي
إعادة فتح الحديث عن مسألة تمويل الحملة الانتخابية، قد يفتح الباب أيضا إلى البحث مجددا في مصادر تمويل حملة سعيد الرئاسية والتي "لا يزال يصر" أنها كانت تقوم على متطوعين.
ويتهم معارضو سعيد، بأن أعضاء حملته التي كان يسميها "تفسيرية لا انتخابية"، يشكلون "تنظيما سياسيا سريا" يرفض الإعلان عن نفسه والعمل في الضوء وتحت سلطة القانون.
وآنذاك، تحول المقهى والقهوة السريعة وعلبة التبغ من نوع كريستال (أحد أنواع الدخان الرخيصة في تونس) إلى رمز للحملة الانتخابية لسعيد في مواجهة منافسيه بحملاتهم الضخمة التي أنفقت فيها ملايين الدينارات (عملة تونس) من أجل الترويج لمرشحي الأحزاب السياسية الكبرى في البلاد.
وتنافس في انتخابات 2019، 26 مرشحا على منصب رئيس الجمهورية في ثاني انتخابات رئاسية مباشرة تشهدها البلاد بعد إقرار المجلس الوطني التأسيسي لدستور 2014 الذي فرض انتخابات رئاسية مباشرة لاختيار رئيس للبلاد عبر دورتين في حال عدم حصول أي من المرشحين على نصف أصوات الناخبين.
ولم يقف التونسيون طويلا على مسألة تمويل الحملة الانتخابية لسعيد حينها باعتبار أن المنافسة كانت سهلة خاصة في الدور الثاني الذي جمعه برئيس حزب "قلب تونس" نبيل القروي الذي كان يلاحق حينها بقضايا تهرب ضريبي تسبب بتوقيفه.
وبحسب ما نشرته محكمة المحاسبات فإن موارد حملة سعيد الانتخابية في الدورة الأولى، بلغت 18 ألفا و965 دينارا (6700 دولار) وجميعها موارد خاصة، وبلغت قيمة الصوت الواحد 30 مليما (0.1 دولار) وهي أقل كلفة بين مرشحي الدورة الأولى، بينما بلغت نفقات الحملة الانتخابية في الدورة الثانية 26 ألفا و535 دينارا (9800 دولار).

وبالنسبة للدعاية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، توجد 30 صفحة غير رسمية لفائدة حملة سعيد بها 3 ملايين و45 ألفا و566 مشتركا، تضم 120 مشرفا، 85 منهم من تونس و24 من فرنسا و2 من الولايات المتحدة.
بالرجوع إلى فترة الانتخابات الرئاسية، يلاحظ أن سعيد اعتمد على عشرات الصفحات في موقع "فيسبوك".
هذه الصفحات التي تضم ملايين التونسيين، أغلبها تدار من دول أجنبية لكن أصحابها مجهولون، وكان معظمها تحت مسمى "الشعب يريد" و"أنصار قيس سعيد".
في الوقت نفسه، كان سعيد يشدد على أنه لا يملك أي حساب شخصي على "فيسبوك"، لكن تجمعت حوله عشرات الصفحات تحمل اسمه وصورته وبعض مقولاته، ومقولات أخرى تنسب إليه تتعلق بالقضايا المهمة في تونس.
تمويل أجنبي
بعد أشهر من فوز سعيد بالرئاسة، تمت الإجابة عن سؤال التمويل لحملته، حين قال المدير التنفيذي لحزب ''الشعب يريد"، نجد الخلفاوي، خلال تصريحات صحفية في 9 مارس/آذار 2021، إن "دولة أجنبية مؤثرة دعمت حملة سعيد في الدور الأول من الانتخابات الرئاسية".
وشدد الخلفاوي على أنه "لولا هذا الدعم لما كان سعيد في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية''، مؤكدا أن حزبه "يملك جميع الأدلة على هذه الاتهامات".
وأضاف أن "أحد أفراد حملة سعيد اتصل بممثل تلك الدولة (لم يحددها) وتم تنظيم لقاء موثق بينه وبين الرئيس التونسي الحالي في 19 أغسطس/آب 2019 بتونس".
وأشار الخلفاوي إلى أن "اتصالات عديدة جمعت ممثل هذه الدولة بسعيد والعديد من الأشخاص من الدائرة الضيقة للرئيس"، وفق قوله.
وأعلنت الهيئة التأسيسية للحزب فيما بعد أن هيئة قانونية تابعة لها قدمت تقريرا مفصلا لمحكمة المحاسبات (مكلفة بمراقبة حسن التصرف في المال العام) في هذا الشأن.
من جهة أخرى، كشف الناشط السياسي ثامر بديدة، أنه كان ضمن المجموعة التي دعمت سعيد خلال حملته الانتخابية وجندت "ماكينة" فيسبوكية ضخمة للترويج له.
وقال بديدة في فيديو تم تداوله على منصات التواصل الاجتماعي في 18 فبراير/شباط 2021، إنهم ساهموا بفضل توظيفهم لجملة من الصفحات الفيسبوكية في إيصال سعيد إلى قصر قرطاج.
ووجه رسالة إلى سعيد بالقول: "وجهنا الرأي العام بالماكينة الفيسبوكية حتى تصل إلى القصر، أنت لم تصل بقهوة وعلبة سجائر كما يقولون، وبعد ذلك جلبت نادية عكاشة (رئيسة ديوان رئيس الجمهورية) معك التي كانت تقبض 800 دينار (280 دولارا) وأصبحت بمرتب يفوق 8 آلاف دينار (2800 دولار) بفضلنا".
وأشار بديدة إلى أن "المجموعات الفيسبوكية ساهمت أيضا خلال الاحتجاجات الأخيرة في توجيه الرأي العام وتحويل وجهة البعض من المطالبة بالشغل وتحسين الأوضاع الاجتماعية إلى مساندة سعيد".
ويبدو أن هذا التصريح جاء ضمن خلاف بين بديدة ونادية عكاشة التي هاجمها وحملها مسؤولية تراجع شعبية سعيد.
تنظيم سري
التنسيق بين المجموعة ظهر في مواقع التواصل الاجتماعي، وتشكلت عبره مجموعات مغلقة وأخرى مفتوحة للعلن وصفحات تضم مئات الآلاف بشكل فاجأ الجميع خلال الانتخابات الماضية، وهو ما دفع للتساؤل: "كيف لشخص حديث العهد بالسياسة، لا ثقل له على الساحة الوطنية ولا قوى سياسية تدعمه أن يشكل كل تلك الصفحات والمجموعات؟".
الأمر اعتبر مريبا، إلا أنه لم يدفع أحدا لتتبعه، خاصة أن انتخابات العام 2019 أظهرت مشهدا سياسيا جديدا تميز بتراجع حاد للقوى المحسوبة على النظام القديم وخسارة حزب "قلب تونس" المشكل حديثا حينها والمتهم بتقديم رشاوى انتخابية وتورط رئيسه القروي في الفساد.
لكن معالم هذا الدعم تكشفت سريعا بعد ظهور المحيطين بسعيد للعلن عقب وصوله إلى كرسي قرطاج.
فظهرت أسماء مثل، رضا شهاب المكي المعروف برضا لينين وهو الذي ترأس الحملة الانتخابية لسعيد وتحول إلى ناطق غير رسمي بأفكار الرئيس وتبرير مواقفه، ويظهر بشكل مستمر في وسائل الإعلام، وسنية الشربطي التي تقوم بتأطير المجموعات الداعمة لسعيد، وفوزي الدعاس الذي يعتبر أحد أبرز الوجوه الشابة المساندة للرئيس.

في 22 أيلول/سبتمبر 2021، وفي الوقت الذي كان فيه سعيد يستعد للإعلان على الأمر الرئاسي الذي علق بموجبه العمل بالدستور وجمع الصلاحيات التنفيذية والتشريعية تحت يده، كان المسؤولون على التنسيقيات الداعمة له يجتمعون في أحد أحياء العاصمة تونس تحت إشراف الشربطي.
والاجتماع أتى للتفكير في طرق تنزيل النظام السياسي الجديد الذي ينوي إرساءه على أنقاض النظام الديمقراطي في تونس، بحسب مقاطع مصورة منشورة على صفحة "لنفكر ديمقراطيتنا" على "فيسبوك".
نظام جديد
وأكدت الناشطة السياسية مريم دابي في حديث لـ"الاستقلال" أن "مجموعات دعم سعيد تنقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسة تشكلت منذ سنوات".
في مقدمتها، جمعية "مؤسسون" والتي عملت على تكوين عدد كبير من الشباب واستقطابهم في حلقات تفكير من أجل خلق تصورات لتأسيس نظام سياسي جديد انتهى بتصور متطابق لما يطرحه سعيد ما أدى إلى اتفاق بينهم لترشيحه لرئاسة الجمهورية.
وأضافت دابي أن المجموعة الثانية هي ما يعرف بقوى "تونس الحرة" والتي تشكلت من ناشطين يساريين يقودهم شهاب المكي والشربطي والدعاس، والتحق بهم عدد من الشباب الذي نشط في صلب المجموعات اليسارية الشيوعية والاتحاد العام لطلبة تونس.
وهؤلاء أعلنوا عن أنفسهم لأول مرة في 26 فبراير/شباط 2011 في ظل موجة الثورة التي كانت تشهدها البلاد حينها.
واعتبرت دابي أن التقاءهم بسعيد كان بداية في معارضتهم لمسار المجلس الوطني التأسيسي (البرلمان المؤقت/2011-2014)، وتحولوا تدريجيا إلى كتلة واحدة تحرك سعيد وتستثمر في ظهوره الإعلامي المتكرر، كخبير دستوري.
وأشارت إلى أن أعضاء قوى "تونس الحرة"، هم اليوم الذين بدأ يعتمد عليهم سعيد في التعيينات، مثل مالك الزاهي وزير الشؤون الاجتماعية الجديد وسمير عبد اللاوي والي بنزرت .
وأضافت دابي أنه في وقت سابق للانتخابات الرئاسية 2019 تجندت مجموعة ثالثة للعمل على مواقع التواصل الاجتماعي بتنسيق من بديدة تعمل داخل البلاد وخارجها، تركزت مهامها في مهاجمة كل الأطراف السياسية والشخصيات الوطنية وتشويهها، وبعدها الترويج لسعيد كمرشح مستقل على نقيض السياسيين.
وفي خطابه الأخير يوم الإعلان عن تشكيل الحكومة الجديدة، أعلن سعيد عن استعداده لإطلاق حوار وطني مع الشباب وممثليه.
ويتوقع مراقبون أن الشباب الذين يقصدهم سعيد بحديثه هم أعضاء هذا التنظيم السياسي الذي تشكل حوله ويمتد على طول البلاد، وينتظر أن يتولى أعضاؤه مناصب مرموقة في الدولة بعد موجة الإقالات التي طالت عديد المناصب بعد 25 يوليو/تموز 2021.
المصادر
- حملة قيس سعيد الانتخابية في ظاهرها تقشف وزهد... ووراءها جيش إلكتروني
- تونس.. تحقيق في اتهام للرئيس بتلقي تمويل أمريكي بانتخابات 2019
- ماذا كشفت محكمة المحاسبات بعد مراقبتها لحملتيْ سعيّد والقروي في انتخابات 2019؟
- هل يتجه قيس سعيّد نحو تطبيق مشروع "قوى تونس الحرة" في الحكم؟
- ثامر بديدة يكشف: ماكينة فايسبوكية ضخمة هي من ساهمت في فوز قيس سعيد موش كابوسان وزوز سواقر
- قوى تونس الحرّة: الأرضـيّـة الـسـيـاسـيّـة

















